الرئيسية | من الصحافة | ناصر جابي ـ ماذا ينتظر الجزائريون من تحديات في الدخول الاجتماعي المقبل؟

ناصر جابي ـ ماذا ينتظر الجزائريون من تحديات في الدخول الاجتماعي المقبل؟

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

د. ناصر جابي 

 ما هي الحصيلة التي يمكن الخروج بها من هذه الثورة السلمية التي فاجأ بها الجزائريون العالم، كما فاجأوا أنفسهم بها في 22 فبراير/شباط 2019. على مستوى الحصيلة السياسية لم تحقق هذه الثورة الكثير من المنجزات الملموسة، إذا استثنينا تعطيل مشروع الرئيس السابق في عهدة خامسة كان ينوي الترشح لها بعد عشرين سنة من الحكم. بالطبع المتفائل من الجزائريين يمكن أن يضيف إلى هذه الإنجازات المحققة، الحملة على الفساد التي مست وجوها سياسية معروفة لم يكن ممكنا أن يتم توقيفها لولا الضغط الشعبي الذي ولدته هذه الثورة السلمية على النظام السياسي ككل، وجعلته يسلم هذه الوجوه الفاسدة كعربون صدقية على مسايرته للمطالب الشعبية بالتغيير. نظام أدخلته هذه الهبة الشعبية حالة اضطراب قصوى لم يعرفها منذ الاستقلال.

 

ليبقى أهم ما حققته هذه الثورة السلمية للجزائريين هو التغيير الذي مسهم هم كأفراد وشعب في نظرتهم لأنفسهم، وعلاقاتهم في ما بينهم وبحكمهم السياسي. تغيير يمكن ملامسته من خلال التحول النوعي الذي عرفته السبع والعشرون مسيرة، التي تم تنظميها حتى الان، منذ انطلاق هذه الثورة السلمية في فبراير 2019. التي بدأت جد بسيطة من حيث التنظيم، الذي يغلب عليه الطابع الشفهي مع بعض الخوف الذي عبّر عن نفسه بحضور شعبي كان أقل كثافة في أول مسيرة، مقارنة بالمسيرات التي أعقبتها، والتي وصلت فيها الحشود الشعبية إلى الملايين. كما كان الحال في كل مسيرات شهر مارس/آذار.
أصرّ الجزائريون منذ البداية على سلمية مسيراتهم، كعربون لمشروع التغيير، الذي انطلقوا فيه حول ذاتهم أساسا، منذ الإعلان عن البدء في مسيراتهم التي كسروا من خلالها حاجز الخوف من الفعل السياسي المباشر، داخل الفضاء العام، الذي كان محرما عليهم من قبل نظام سياسي كان مرعوبا على الدوام من أي عمل سياسي جماعي للمواطنين، حتى ولو كان لصالحه، فما بالك إذا كان ضده.
المتابع لتفاصيل المسيرات الشعبية، التي عاشتها كل المدن الكبرى والمتوسطة الجزائرية، يلاحظ بسهولة، كيف كان الجزائري يُصر على تقديم أحسن صورة عن نفسه، وكأنه في مشهد مسرحي، أو موعد مع حبيبة يتجمل ويلبس أحسن ما عنده قبل الذهاب إليها. أمر لم يكن مقتصرا على البنات والنساء. باختصار الجزائريون أرادوا أن يقدموا صورة جميلة عن أنفسهم، لا يمكن فهمها إلا بالعودة إلى الأبعاد النفسية – الاجتماعية التي عبرت عنها هذه الثورة السلمية، التي كان من نجاحاتها الأخرى القدرة الكبيرة التي عبر عنها الجزائري ـ الشاب تحديدا ـ في الاستماع إلى الآخر، وعدم الخوف من النقاش السياسي، الذي كنا نعتقد أنه كان بعيدا عنه، ولم يتعلم القيام به، لا داخل الأحزاب ولا في الشارع ولا الأسرة. فمن أين اتته هذه القدرة على الاستماع والقبول بالرأي المخالف، هو الذي حصل على تنشئة سياسية مشوهة، ضمن حياة سياسية أكثر تشويها. إنها أحد أسرار هذه الثورة التي تبقى في حاجة إلى تفسير.

 

أهم ما حققته الثورة السلمية للجزائريين هو التغيير الذي مسهم كأفراد وشعب في نظرتهم لأنفسهم، وعلاقاتهم في ما بينهم وبحكمهم السياسي

 

صورة جميلة أراد الجزائري أن يقدمها عن نفسه وعن حراكه، في قطيعة تامة مع ما كان يتم الترويج له حول الجزائري وسلوكياته السياسية العنيفة، التي التصقت به كجزء من تقييم سلبي للذات، يريد التخلص منها هذه المرة، لينجز بداية تقييم إيجابي للذات، أراده أن يكون حاضرا في علاقاته أثناء المسيرات، وحتى خارجها، وهو يتعامل مع المرأة، والكبير في السن، والشرطي، وشوارع المدينة وساحاتها، الذي يصر الشباب كل جمعة عند نهاية المسيرات على تنظيفها قبل العودة إلى منازلهم. حالة تعكس الكثير من الذكاء الجماعي والتنظيم الذاتي، الذي استمر طول ستة أشهر من المسيرات، عرفت فيها تقلصا في الحضور خلال فترة العطلة والاعياد، لكنها استمرت صامدة، لتعلن عن استمرارية مطالبها وقدرتها على تجاوز كل أنواع الاختراق التي تعرضت لها من قبل النظام، اعتمادا على نقاط الضعف الموضوعية داخل النسيج الاجتماعي والثقافي، كالبعد الجهوي والثقافوي الذي أصر النظام على استعماله، حتى لو هددت الوحدة الوطنية ذاتها التي يتبجح بالدفاع عنها.
كل الدلائل تشير إلى أن هذه الثورة السلمية للجزائريين ستعرف عودة أكيدة إلى مستويات تجنيد عالية مع الدخول الاجتماعي المقبل، كما أشّرت إلى ذلك مسيرات نهاية شهر أغسطس/آب 26 و27 . دخول اجتماعي تميز على الدوام في الجزائر بحركية اجتماعية وسياسية، حتى عندما كانت الأمور عادية. فكيف سيكون الحال والبلد يعيش ثورة شعبية منذ ستة أشهر، زاد فيها منسوب الكلام عن إمكانية تصعيد في أشكال تعبير الحراك، بعد أن تبين بالملموس للمواطنين أن الطرف الرسمي يحاول فرض خريطة طريق سياسية أحادية، تعتمد على قراءة لا تأخذ بعين الاعتبار هذه الثورة ذاتها ومطالبها السياسية النوعية، المنادية بالقطيعة مع هذا النظام السياسي، الذي تحول إلى خطر على الدولة الوطنية ذاتها ومؤسساتها، كما بينته حالة الفساد المستشري. خريطة طريق تهدف في حقيقة الامر إلى إعادة إنتاج النظام السياسي نفسه، بعد رتوشات بسيطة عبر انتخابات رئاسية لا تتوفر فيها الضمانات الفعلية. كما أكدته عملية تشكيل هيئة الحوار والوساطة التي أعادت إلى الواجهة السياسية وجوها مذمومة ومستهلكة، تحولت بفعلها هذه الهيئة التي كان ينتظر منها أن تكون حلا إلى مشكل، زادت في تأزيم الأوضاع وأكدت عزلة النظام. أشكال تصعيد يصر المواطنون الجزائريون على استمرارية بقائها سلمية ووطنية وشعبية، كما كانت المسيرات، منذ بدايتها في فبراير، رغم اشكال التضييق والتحرش التي عاشتها وما زالت. من قبل نظام سياسي يملك قدرات كبيرة على رفض التغيير السياسي الفعلي ومقاومته. يلجأ كل مرة إلى تغيير واجهته المدنية وشخوصه، للحفاظ على نواته الصلبة الأمنية ـ العسكرية التي حكمت البلد منذ الاستقلال.
تحد حقيقي ستعيشه ثورة الجزائريين السلمية مع بداية الدخول الاجتماعي المقبل يتطلب من الجزائريين الاعتماد على ذكائهم الجماعي، الذي تميزوا به لغاية اليوم، وحبهم لوطنهم، وقدرات التنظيم التي أبانوا عنها مدة نصف سنة كاملة من التجنيد الجماهيري الواسع. لخلق ميزان قوى سياسي جديد يستطيعون من خلاله تحقيق مطالبهم السياسية التي خرجوا من أجلها، يرفض النظام السياسي الاعتراف بها وهو يقوم بتسريع تطبيق خريطة طريق هدفها الوحيد، إعادة إنتاجه كنظام، عن طريق انتخابات شكلية تخصص منذ الاستقلال في تنظيمها في غياب الجزائريين. إنه التحدي الذي سيجده الجزائريون أمامهم بعد أسابيع قليلة.

 

 

القدس العربي 

 

شوهد المقال 628 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

نجيب بلحيمر ـ سحابة صيف راعدة

نجيب بلحيمر   كما كان متوقعا اكتفت الخارجية الفرنسية بالتذكير بحرية الصحافة للرد على قرار الجزائر استدعاء سفيرها لدى باريس احتجاجا على بث وثائقيين سهرة
image

نجيب بلحيمر ـ النقاش الحرام

نجيب بلحيمر   هل نقد بعض القرارات في ميدان السياسة الخارجية للجزائر والاختلاف حولها يمثل جريمة ؟ في الجزائر يجيب كثير من الناس بنعم، وقد
image

عثمان لحياني ـ فلتان وتلف

 عثمان لحياني  مثلما كانت هناك عملية مأسسة وتبني لخطاب الكراهية المبني على تمزيق الجغرافيا ووضع الحجر في الشقوق ، مثلما يبدو واضحا أنه تم
image

العربي فرحاتي ـ إذا عرف ..من رخص ؟ ..بطل العجب !

د. العربي فرحاتي  لشعورهم بالنقص في شرعية من انتخبوهم..الباديسيون الجدد يكملون ما نقص من شرعية السلطة التي انتخبوها من هجومات الاعلام الفرنسي لسلطتهم ..حيث
image

وليد عبد الحي ـ قرارات ترامب بين النرجسية والمؤسسية

 أ.د.وليد عبد الحي  أزعم ان عملية صنع القرار السياسي في الولايات المتحدة لم تشهد في تاريخها تنازعا حادا بين " شخصية الرئيس" من
image

العياشي عنصر ـ خبايا "تحقيق فرانس5"

 د. العياشي عنصر  بعد مرور لحظات الصدمة والغصب لابد من التفكير بتأني وبمنهجية حول هذا التحقيق وتحليله وتفكيكه ثم إعادة بنائه حتى يتسنى لنا فهم
image

محمود بلحيمر ـ لولا الحراك لواصل الكثير من الناس التبوّل في سراويلهم كلّما سمعوا اسم السعيد

محمود بلحيمر   بالنسبة لي لا مقال يُنشر في "الواشنطن تايمز" ولا وثائقي يُبث في قناة فرنسية ولا أي عمل إعلامي أو دعائي يُغير من موقفي
image

زهور شنوف ـ معڤال وبوحميدي.. عار "قُبلة الشيخوخة" في الشارع! #الجمعة_67 #الحرية_للمعتقلين

زهور شنوف   في الاسبوع نفسه رأينا اهتماما غريبا بالحراك، على مستويات مختلفة، والحقيقة ان الاهتمام بالحراك لا يغيب ابدا لدى من ينام الجمر في بطونهم،
image

عبد الجليل بن سليم ـ النظام ، سيكولوجية العالم الافتراضي،تقسيم المجتمع ، L'abcès

 د. عبد الجليل بن سليم عندما بدأ الحراك لم تكن دوائر السلطة مهتمتا بامر الشعب لكن اهتمامها كان كيف تجد مخرجا للمشكلة و أهم شيء
image

خديجة زتيلي ـ لا بديل عن الدولة المدنيّة لقيامة إنسان جزائري جديد ..مقال منع نشره في مجلة ثقافية جزائرية

د. خديجة زتيلي  في الأسبوع الأخير من شهر أفريل المنصرم اتّصل بي الدكتور اسماعيل مهنانة يستكتبني في مجلة ''انزياحات'' الصادرة عن وزارة الثقافة الجزائريّة

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats