الرئيسية | من الصحافة | ناصر جابي ـ كيف نجح الجزائريون في دفن مشروع الفتنة الهوياتية؟

ناصر جابي ـ كيف نجح الجزائريون في دفن مشروع الفتنة الهوياتية؟

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

د. ناصر جابي 

 خرج الجزائريون يوم الجمعة الماضي في مسيرات كبيرة في كل مناطق البلاد، كما تعودوا على القيام بذلك منذ أربعة أشهر، هو عمر ثورتهم السلمية التي يطالبون من خلالها بالقطيعة مع نظامهم السياسي، الذي يريدون تغييره بشكل جذري، لا يقتصر على تغيير الوجوه، بل يمتد إلى تغيير المؤسسات والعقائد والممارسات.

 

ما ميز مسيرات هذه الجمعة الثامنة عشرة، أنها حصلت بعد خطاب قائد الأركان الغريب- اقل ما يمكن قوله عنه- الذي دعا فيه قوات الأمن إلى نزع الرايات الامازيغية من ايدي حامليها الكثر من جزائريين وجزائريات اثناء مسيراتهم. موقف قائد الأركان الذي لم أتمكن من فهمه حتى الان، ليس نتيجة غرابته فقط، ولكن لسياقه التاريخي وتداعياته الخطيرة الممكنة على السلم الأهلي. جعلت بعض انصار القائد العسكري يتطوعون لإيجاد التبريرات والتفسيرات لهذه الورطة التي كاد أن يورط فيها البلد والمؤسسة العسكرية التي يقودها. كالقول انه يقصد راية الحركة الانفصالية – الماك ـ أو حتى ربط تصريحاته بما يحصل في ليبيا.
رد الجزائريون يوم الجمعة على هذا التهديد بالعودة إلى مربع الصراع الهوياتي الذي خرجوا منه منذ سنوات، كان غاية في الوضوح والوطنية، فقد حملوا علمهم الوطني ورايتهم الامازيغية في أغلبية مدن البلاد وهم يعلنون أن الجزائريين خاوة خاوة، وأن لا مكان للصراع الثقافوي الذي ودعوه منذ زمن بين مكونات الشعب نفسه.
راية أمازيغية تم القبول تدريجيا بها من قبل المتظاهرين كرمز ثقافي منذ بداية ظهورها في المسيرات الأولى. لم يتم التعامل معها كبديل للعلم الوطني ولا منافس له، رغم استمرار حضور بعض المواقف الرافضة والمتشنجة التي بقيت في مجال التعبير السلمي عن رأيها، حتى وهي ترفض وجود الراية الجديدة عليها في الفضاءات العامة. وتخلط بينها وبين راية الحركة الانفصالية ومشاريعها التي رفضها الجزائريون في غالبيتهم الساحقة، وعلى رأسهم أبناء المناطق الناطقة بالامازيغية قبل غيرهم. ما عبرت عنه مسيرات الجزائريين وهي ترفض مشروع الفتنة الهوياتية المقترحة عليهم كان تعبيرا صادقا عن مستوى الاندماج الوطني الذي يميز النسيج السوسيو- ثقافي للمجتمع الجزائري. فقد نجح الجزائريون منذ سنوات في تجاوز خلافاتهم الثقافوية والأيديولوجية التي تم التركيز عليها عند طرح المسألة اللغوية في الجزائر، كغيرها من بلدان المنطقة المغاربية. وهو ما عبر عنه الدستور وهو يقبل الاعتراف باللغة الأمازيغية كلغة وطنية ورسمية في 2016. قبل هذا الاعتراف القانوني أنجز الجزائريون المشروع الأهم في حياتهم اليومية بدرجات متفاوتة في مختلف جهاتهم، وهم يتزاوجون في ما بينهم، مهما كانت لغة تعاملهم اليومي وهم ينتجون المؤسسات نفسها ويتقاسمون الهموم نفسها.
فقد بين أبناء منطقة القبائل، على سبيل المثال، وهم كثيرو المطالبة والاحتجاج، حسب ما يعاب عليهم في بعض الأحيان من أبناء المناطق الهادئة تحديدا، أنهم وهم يطالبون كثيرا فانهم يندمجون وطنيا اكثر، فالقاعدة في بعض الأحيان أن الذي يطالب ويحتج هو الذي يندمج أكثر ويكون حاضرا أكثر كنخبة داخل المؤسسات ونشاط اقتصادي وسياسي انطلاقا من فكرة غاية في الأهمية، وهي أن الأمازيغ في شمال إفريقيا، لا يتعاملون كأقلية عرقية أو إثنية داخل مجتمعاتهم ودولهم، بل كابناء بلد اصيلين، حتى إن تحولوا إلى «اقلية « لغوية مع الوقت. وهي سلوكات الأجيال الجديدة نفسها في منطقة بني ميزاب والتوارق، الذين بدؤوا في وضع فروق واضحة مع استراتيجيات الأعيان التقليديين، وما تمثله من أجيال كبيرة في السن، الذين كانوا لا يطلبون من الدولة الوطنية ومؤسساتها إلا القليل، لأنهم لا يريدون إلا اندماجا أقل كما تظهره نسب تواجد ابناء هذه المناطق داخل مؤسسات الدولة المختلفة، بل حتى على مستوى السلوكات الديموغرافية التي يمكن قياسها بنسب الزواج المختلط مع أبناء مناطق أخرى مختلفة.

 

الجزائريون نجحوا منذ عقود في تخطي التشظي الهوياتي، وهم في طريق بناء أمة تعتمد مقومات اجتماعية واقتصادية وسياسية متينة


 

 

كانت هذه إحدى نتائج البحث الذي أشرفت عليه والصادر منذ شهرين حول الحركات الامازيغية في دول شمال افريقيا الخمس – مصر – ليبيا – تونس -الجزائر والمغرب- الذي اكد أننا أمام حالات أمازيغية مختلفة على أكثر من صعيد ديموغرافي وسوسيو – سياسي تبقى متفقة كلها رغم اختلافاتها داخل بيئتها الوطنية على الدفاع عن ثقافتها ولغتها منذ الأزل وليس كجزء من استراتيجية استعمارية كما يحلو للبعض الادعاء، من دون نفي محاولات الاستعمار لاستغلال هذه الشروخ الثقافية كعادة الاستعمار في كل بلدان العالم. بالعودة للحالة الجزائرية، التي تشبه كثيرا الحالة المغربية القريبة منها، يمكن القول إن الجزائريين قد نجحوا منذ عقود في تخطي التشظي الهوياتي، وهم في طريق بناء أمة تعتمد على مقومات اجتماعية واقتصادية وسياسية متينة، كما عبروا عن ذلك في آخر مسيرة لهم رفضوا خلالها الرجوع إلى مربع الصراع الهوياتي، الذي ارتبط بأجيال محددة ومرحلة سياسية معينة، كان فيها السائد تسيير الجزائريين من خلال نقاط ضعفهم وليس نقاط قوتهم. كما حاول أن يقوم بذلك اخر خطاب لقائد الأركان وفشل. خطاب سياسي لم يع جيدا أن الحركات الانفصالية الحاضرة في منطقة القبائل وبشكل اضعف في منطقة بني ميزاب، لن تعود إلى الواجهة السياسية الا اذا فشلت هذه الثورة السلمية التي ينجزها الجزائريون يوميا منذ فبراير/شباط الماضي. حركات انفصالية ظهرت كردة فعل على مستوى الاندماج الوطني الكبير والتجانس الذي حققه الجزائريون، بعد أن أحس هؤلاء الانفصاليون أن الشعب الجزائري قد هرب لهم بالبغلة كما تقول اللغة الدارجة. فقد نسيت منطقة القبائل حركة فرحات مهني، كما نسيها الجزائريون لمدة اكثر من أربعة اشهر، فلماذا يعاد بعثها للوجود مرة أخرى ولصالح من؟ اكيد ليس لصالح الجزائر والجزائريين الذين تجاوزا في اغلبيتهم هذه الحركات الانفصالية المعادية لتاريخ مسارهم الوطني، رغم استمرار حضور بعض التيارات السياسية بينهم التي تريد استغلال هذه اللحظة التاريخية لبث أفكار شوفينية ضيقة كجزء من التيارات اليمينة المتطرفة السائدة دوليا هذه الأيام. وهي تعيش على عنتريات عفا عليها الزمن وهي تستدعي وجوها ومحطات تاريخية محددة، وتعيش حروبا دونكيشوتية مع المستعمر القديم.
تيارات تجد من يدعمها ويعبر عنها على مستوى السلطة، كخطاب وممارسات يرفضها الجزائريون في اغلبيتهم، كما عبروا عن ذلك من خلال شعارات مسيرتهم الأخيرة التي قالوا فيا لا للفتنة الهوياتية ونعم لجزائر المواطنة التي خرجوا لبنائهاعلى انقاض نظام سياسي فاسد.
 
القدس العربي
 

 

شوهد المقال 404 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

معتقلي الرأي في الحراك الشعبي الجزائري

ابراهيم دواجي  اخوتي: محمد دعدي، توفيق حلاتي، محمد سمالح، نبيل بوالقمح، رضا عمرود، رابح بلكور، الشيخ ڨاريدي، رشيد، رضا بوعريسة، بوعلام الغاز، الصادق، بشير،
image

زوايمية العربي ـ محمد شرفي وتاريخه الأسود ضد الجزائريين

 زوايمية العربي  محمد شرفي الاسم الذي لم انساه منذ 33 سنة . افلاني ريعي من ولاية قالمة كان صديق
image

البروفيسور الجزائري عبد العزيز برغــوث يحرز على جائزة التميز الدولية لهذا العام "جائزة جواهر العالم الإسلامي" بمساهماته في وضع خطة ماليزيا للتنيمة 2050 منذ سنوات

محمد مصطفى حابس : جنيف /  سويسرا The JEWELS OF MUSLIM WORLDLes joyaux du prix du monde musulman هجرة العقول أو الكفاءات ظاهرة تاريخيّة لم ترتبط بمكان
image

حمزة حداد ـ المختفون قسرا في الجزائر حراك مستمر

حمزة حداد  منذ أسبوع تدخل الأستاذ مصطفى بوشاشي بمقر حزب الافافاس، حول قضية المساجين السياسيين والمفقودين بدزاير في فترة التسعينات، وتحدث عن حجم المعاناة
image

نوري دريس ـ فرصة تاريخية للجزائر يجب أن لا تضيع...

د.نوري دريس   منذ بداية الحراك، وكلما دخلت في نقاش مع الناس العاديين، إلا و قالوا لي: سوف تقوم السلطة باعتقال طابو( بسبب غباء السلطة
image

جباب محمد نورالدين ـ شاهد على إعدام سيد قطب : من عمق القرية في الأوراس الجزائرية

د. جباب محمد نورالدين    كان ذلك في الستينيات و في العطلة الصيفية التي أقضيها في القرية مثل معظم الجزائريين في تلك الفترة كانت والدتي أطال
image

عماد البليك ـ فصول من كتاب جديد: الفكر المطارد في السودان عبر القرون 3

عماد البليك البدايات.. ثورة أركاماني:  بالعودة إلى جذور التاريخ السوداني وإلى أول الممالك القديمة في السودان الشمالي، قبل الميلاد، سوف نجد أن الكهنة
image

نجيب بلحيمر ـ فخ الانتخابات.. حسابات الربح والخسارة

نجيب بلحيمر   بسرعة خارقة سارت عملية الدفع باتجاه تنظيم الانتخابات، وقد كان لخطاب رئيس الأركان الذي ألقاه يوم 02 سبتمبر والعبارة التي تضمنها
image

أمين عام حركة حرية الجزائرية بادية شكاط ـ رسالة إلى قائد الأركان قايد صالح

  بادية شكاط أمين عام حركة حرية    إنّ الجزائر التي بالدماء الزاكيات توضّأت،قد أقسمت أنها لغير قبلة الحق لاتصلي،ولغير جبار السماوات والأرض لاتنحني،وشعبها الذي
image

يسين بوغازي ـ أدوار الضحية ومربعات المؤامرة ؟

يسين بوغازي   تجتهد فئة من الجزائريين  في تأدية أدوارا ببراعة كاملة لشخصية الضحية ! وهي فئة ممن اشتغلوا  بالسياسية منذ زمن

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats