الرئيسية | من الصحافة | ناصر جابي ـ الجزائر ماذا بعد تأجيل الانتخابات الرئاسية؟

ناصر جابي ـ الجزائر ماذا بعد تأجيل الانتخابات الرئاسية؟

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

د.ناصر جابي 

 لعنة الانتخابات تلاحق مرة أخرى الجزائر، أو بالأحرى النظام السياسي الجزائري المغرم لحد الهوس بتنظيم انتخابات لا دور لها إلا إعادة إنتاج الوجوه نفسها والسياسات والمؤسسات المرفوضة شعبيا. هوس وصل هذه المرة إلى تسويق حالة كاريكاتيرية فعلية، بعد ان غاب المرشحون عن انتخابات رئاسية حدد تاريخها بشكل تعسفي من طرف حكام جدد، فضلوا القراءة النصية والشكلية لمواد دستور ليس معنيا بإيجاد الحلول للحالة السياسية التي تعيشها الجزائر بعد انطلاق الحراك الشعبي، منذ ثلاثة أشهر.

 

انتخابات رئاسية تلغى للمرة الثانية في ظرف قصير، بعد الأولى التي كان ينوي الرئيس السابق الترشح فيها لعهدة خامسة، كان يفترض أن تحصل في انتخابات 19 إبريل/نيسان الماضي، لولا تدخل الجزائريين في آخر دقيقة لرفضها، بعد أن أحسوا أن هذه الانتخابات كانت إهانة وجهت لهم ولبلدهم. ليتم إبعاد الرئيس في السياق نفسه من على رأس السلطة التي تربع عليها لمدة عشرين سنة كاملة بأربع عهدات. رفض هذه الانتخابات للمرة الثانية، الذي سيدخل الجزائر حتما في مرحلة انتقالية غير مقبولة من قبل الكل، وغير مفكر فيها أصلا بالنسبة للبعض، يفترض أن تتسارع الأحداث بداية هذا الأسبوع لتنظيمها وانطلاق النقاش حولها، بين الفواعل السياسية الرسمية والشعبية، التي يمثلها الحراك والمعارضة السياسية. لتكون الطبقة السياسية بكل مكوناتها وعلى رأسها القيادة العسكرية أمام تحديات من نوع جديد، فكرية وسياسية، تفترض إعادة النظر في الكثير من القناعات ومساءلتها في وضع سياسي وأمني هش وحساس، يزيد من مخاوف الجميع.
انتخابات رئاسية يفترض ان تؤجل الى نهاية السنة الحالية، حسب التوقعات الأكثر احتمالا، ما يعني عمليا ان الجزائر ستمر قبلها بفترة انتقالية أولى، بعد انتهاء مدة حكم الرئيس المعين الحالي عبد القادر بن صالح المرفوض شعبيا، هو ورئيس الحكومة نورالدين بدوي، الذي تم تعيينه من قبل الرئيس المقال، لنكون بذلك أمام انتصار آخر يحققه الحراك الشعبي، بعد الانتصار الأول المتمثل في إبعاد الرئيس بوتفليقة وبطانته، التي كانت وما زالت تريد الاستمرار في الحكم عن طريق هذا النوع من الانتخابات الشكلية.

 

تكوين حكومة كفاءات وطنية بدل الحكومة الحالية المرفوضة، كما يطالب الحراك الشعبي بداية لمشاورات سياسية لإيجاد حلول توافقية مقبولة

 

إفشال مشروع انتخابات 4 يوليو/تموز التي سيتم الإعلان عن إلغائها رسميا في القريب العاجل، سيكون انتصارا إضافيا للحراك الشعبي، بعد إفشال مشاريع العهدة الخامسة والتمديد، يؤكد في الوقت نفسه سلسلة الخيبات التي مني بها مشروع القيادة العسكرية، التي تسلمت السلطة الفعلية بعد مغادرة الرئيس السابق. لنكون بذلك أمام فشل متعدد الأوجه في وقت سريع، يبقى في حاجة الى تفسير كمؤشر عن صناعة قرار وإخراجه داخل المؤسسة العسكرية، لا يعرف عنه الجزائريون الكثير من المعطيات، فقد فشل مشروع فرض رئيس مؤقت في شخص رئيس مجلس الأمة، تعامل معه الحراك كممثل للنظام المرفوض، وليس كحل دستوري. فشل ثان تم تسجيله في ما يتعلق بتعيين رئيس الوزراء، الذي رفض للسبب نفسه. الفشل نفسه الذي ساد عندما تعلق الأمر بندوة التشاور التي دعا لها الرئيس المؤقت وقاطعتها كل القوى السياسية، بما فيها القريبة من السلطة، ليصل الأمر أخيرا إلى الانتخابات الرئاسية التي رأي فيها الحراك الشعبي فخا سياسيا، كان يهدف الى إعادة النظام المرفوض نفسه.
سلسلة من الخطوات الفاشلة التي توحي بأننا أمام حالة تخبط سياسي يعتري أصحاب القرار الجدد، الذين لا يعرفون كيف يتعاملون مع هذه الساحة السياسية المضطربة، بعد احتلالهم لواجهة الأحداث، عكس ما كان حاصلا في السابق وهم وراء الستار. يتم كل هذا في وقت تعيش فيه مؤسسات القرار السياسي الأخرى حالة اضطراب مست رئاسة الجمهورية والحكومة ومخابرات الجيش، التي كونت على الدوام الذراع السياسي الأول للنظام السياسي في الجزائر، والتي استمرت من دون قيادة حتى الآن، بعد إدخال مديرها السابق إلى السجن بتهمة التآمر على الجيش. هذا الأسبوع إذن سيكون حاسما في الجزائر، فأما الذهاب الى حل توافقي بين أصحاب القرار الجدد الذين تمثلهم القيادة العسكرية ومن يفرزهم الحراك الشعبي والطبقة السياسية المعارضة، وأما الاستمرار في مسار التخبط والفشل لا قدر الله. حل توافقي يقتضي القبول بالدخول في مرحلة انتقالية، قبل انقضاء عهدة الرئيس المؤقت الحالي في 8 يوليو يتم قبلها انطلاق مشاورات سياسية واسعة لتحديد تاريخ الانتخابات الرئاسية المقبلة، وشروط إجرائها، كبداية حل وعودة الى الشرعية الشعبية. بعد ان قرر الجزائريون أنهم ضد فرض تاريخ انتخابات رئاسية عليهم، كما كان حاصلا في السابق، لن يقبلوا بها في ظل الوجوه السياسية الحالية التي تمثل النظام السياسي، الذين يجرجون في مسيرات مليونية كل أسبوع للقول انهم يرفضونها. انتخابات مطلوب منها إن تمت في كنف التشاور والحوار أن تنتج رئيسا بشرعية وطنية ودولية، يكون قادرا على تطبيق برنامج إصلاحي تدعيما للمسار الانتقالي، الذي يمكن أن يشمل انتخابات تشريعية وبلدية ووضع دستور للبلد يتم تحت مراقبة الجزائريين والجزائريات هذه المرة، تجسيدا لدولة القانون والحريات التي يتوق اليها المواطن الجزائري، اذا اكتفينا فقط بالملف السياسي .
تجربة ستكون الأولى من نوعها في بلد ونظام سياسي لم يعرف عن نخبه السياسية الرسمية القبول بثقافة التشاور والقبول بالرأي الآخر، إلا كإجراء شكلي، لا يغير من مخرجات القرار الذي يبقى من احتكار المؤسسات الرسمية ونخبها التي حصلت على تنشئة سياسية أحادية، ليس من الصعب الإفلات منها وتغييرها في وقت قصير، فما بالك عندما يتعلق الأمر بقيادات عسكرية لم تتعود على الخروج إلى العلن كمركز قرار، كان دائما في حاجة إلى وجوه ومؤسسات تروج لها وتتحمل وحدها نتائج أي فشل.
تكوين حكومة كفاءات وطنية، كما يطالب بذلك الحراك الشعبي، بدل الحكومة الحالية المرفوضة يمكن أن يكون بداية لانطلاق مشاورات سياسية لإيجاد الحلول التوافقية المقبولة، في انتظار النهاية القريبة لعهدة رئيس الدولة الحالي، الذي اقترح أكثر من حل ليكون بديلا عنه لتسيير المرحلة الانتقالية، قد يكون المخرج الذي ينتظره الجزائريون وهم على بعد أيام من احتفالات عيد الفطر. فهل سيفعلها الجزائريون ويبهرون العالم من جديد بتوافقهم، بعد أن أبهروه بسلمية وقوة حراكهم؟

 

 

القدس العربي  

شوهد المقال 475 مرة

التعليقات (1 تعليقات سابقة):

ز***&م في 02:42 31.07.2019
avatar
نطلب من هيئة المشورات الحور ان تحط مصلحة الوطن فوق الجميع ونطلب من صحافة العمل من اجل جزائر لن جزائر تحتج حور يجمع كل الجزائرين وتكون انتخابات لن بعض الاعداء الوطن مخفين في الوسط الموطنين وهم عملاء الدول الغربية نطلب رجل الامن ان يكونو فاطنين في كل المسيرات وهد لتمين كل الموطنين ونطلب من مولود حمروش وطالب ابراهمي جزائر قبل كل شياء تاريخ لا يراحم ولكن نوكل عليكم الشهداء لن 42 ملون جزائري ثقة لن جزائر وريد رجل ومزال رجل مئوسسة العسكرية خط الاحمر والوحدة الوطنية خط الاحمر مهم كلفن ثمن نكفح علي الوطن حتي يسقطو الاعداء ومجد خلود الشهداء البرار وتحي جزائر وشكر

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

يسين بوغازي ـ من الطغم الكلاسيكية الى طغم ما بعد الحراك؟

يسين بوغازي  ليس سهلا  هذا التناول على الاطلاق ، لكني سأخوض فيه مستعينا بتحولات جديدة للكثير من المفاهيم  التي غدت تنطبق على كيانات لم
image

محمد هناد ـ بعد 12/12، لن تقوم الساعة ! سلمية... سلمية ! حذار من اعتراض سبيل من أراد التصويت !

 د. محمد هناد    إن جرت الانتخابات كما هو مقرَّر لها، ستكون نسبة المشاركة فيها مخزية، لكن أبواق السلطة قد بدأت تستعد للرد على
image

ستار سامي بغدادي ـ ايران مستمرة في اذية العراق

ستار سامي بغدادي   ليس في ثقافتي شيءّ من الكراهية صديقتي ، لم تُعلمني إياها أمي ، ولم يكن أبي يسمح بذكرها فنسيتها تماماً ..الحب وحده
image

نجيب بلحيمر ـ وحدها السلمية ستقبر نظام العنف

نجيب بلحيمر  كثير من الدروس تتهاطل علينا هذه الأيام، يدور معظمها حول حرية الرأي، والديمقراطية، ونبذ العنف، أما المناسبة فهي تصاعد أشكال الرفض
image

نهاد مرنيز ـ الصحافة الجزائرية هي صحافة "قُروب الساعة"

 نهاد مرنيز   الصحافة الجزائرية هي صحافة "قُروب الساعة" بامتياز كما سماها زميلي محمد دلومي ...لا تُفرق بين قراءة أسئلة جاهزة من ورقة يُكرر ترديدها
image

مروان الوناس ـ عارنا الإعلامي في الجزائر

 مروان الونّاس  قبل أسبوعين اضطرَّ المفكر عزمي بشارة إلى تخصيص حلقة كاملة للحراك الجزائري، بعد حلقة سابقة من برنامج بثّه التلفزيون العربي، تناول
image

شويحة سليمان ـ الحل لقلـب الوضع الراهن لصالح الشعب !

شويحة سليمان   في ظل مخرجات السلطة المستقلة للإنتخابات والتي أفرزت ترشيحاتها عن خمس مرشحين كانوا في الأمس القريب يسبحون بحمد النظام وفي ظل تجاذب وتنافر بين
image

محمد محمد علي جنيدي ـ البحث عن بقايا إنسان

محمد محمد علي جنيدي- مصر          في بُحُورِ الدُّجَى غارِقٌ في أقْصَى الْألَم فى بِلادِ النُّهَى باحثٌ عَنْ
image

فوزي سعد الله ـ مدينة الجزائر العثمانية...الديار والقصور...بالأرقام

فوزي سعد الله   في تلك الحقبة العثمانية من تاريخ الجزائر، التي يصفها بعض "المتنورِّين" في داخل وخارج البلاد بـ: "الظلامية"، كانت عملية إعمار المدينة "المحروسة
image

السعدي ناصر الدين ـ المارتنيكي سفير الجزائر فرانز فانون

السعدي ناصر الدين   في امتحان البكالوريا عام 1973 ـ مادة الفلسفة كان السؤال " قال فرانتز فانون : ان طبقة الفلاحين هي الطبقة الثورية

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats