الرئيسية | من الصحافة | ناصر جابي ـ الانتقال السياسي على الطريقة الجزائرية

ناصر جابي ـ الانتقال السياسي على الطريقة الجزائرية

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

د.ناصر جابي 

 فكرة الانتقال السياسي ليست عملة رائجة في السوق السياسية الجزائرية. فالمفهوم لم يبرز إلى السطح السياسيغلا في السنوات الأخيرة (يونيو/حزيران 2014)، عندما دعت المعارضة السياسية في لقاء زرالدا بالدخول في مرحلة انتقالية، وإسناد تنظيم الانتخابات إلى هيئة وطنية مستقلة، بدل وزارة الداخلية المتعودة على التزوير، بمناسبة الانتخابات الرئاسية التي دشنت العهدة الرابعة للرئيس بوتفليقة.

 

«بدعة» سياسية رفضها في حينها النظام وأحزاب الموالاة، التي قامت بحملة شرسة ضد الأحزاب السياسية والشخصيات الوطنية التي شاركت في هذا اللقاء المهم، الذي التقت فيه المعارضة السياسية الجزائرية بأغلبية أطيافها لأول مرة في التاريخ السياسي للبلد. عاد مفهوم الانتقال السياسي إلى التداول في المدة الأخيرة بمناسبة الحراك السياسي، الذي انطلق في فبراير/شباط 2019 وما تلاه من إطاحة بنظام الرئيس بوتفليقة. المفهوم الذي وجد معارضة شرسة، مازالت مستمرة من بعض الجزائريين المتأثرين بالخطاب السياسي الرسمي، الذين عبروا عن تخوفهم من هذا المفهوم السياسي الذي سُوي بالفراغ، بل الفوضى والذهاب إلى المجهول، حسب اللغة السياسية الرائجة هذه الأيام.
انتقال سياسي يبقى غير واضح المعالم بمراحله ومهامه ومدته، حتى بالنسبة للمدافعين عنه داخل الساحة السياسية المضطربة هذه الأيام. لدرجة أن البعض اعتقد أنه بمجرد مغادرة بوتفليقة الحكم، تكون الجزائر قد دخلت فعلا في مرحلة انتقالية، لا بد من الاعتراف بأن الساحة السياسية في الجزائر لم تطرحه للنقاش بالقدر الكافي، ولم يتم الترويج له شعبيا، ما أبقاه غامضا لحد الساعة. انتقال سياسي قد يكون من المفيد التعرف على ما يميزه جزائريا، اعتمادا على الأدبيات العلمية المتوفرة، بالتركيز على الأبعاد السوسيو- سياسية، التي لا تعرف حضورا كبيرا داخل الحقل الأكاديمي الجزائري، الفقير في هذا النوع من الدراسات المعروفة في بلدان أخرى، التي ركزت على عدة متغيرات على غرار أهمية النزعة المطالبة بالتغيير شعبيا، الحاضرة بقوة في الحالة الجزائرية، كما يتم التعبير عنها شعبيا من قبل الحراك منذ أكثر من ثلاثة اشهر، زيادة على الدور الذي تلعبه النخب، بما فيها الرسمية والعسكرية، في العملية الانتقالية ومدى قدرتها على إنجاز التوافقات الضرورية لإنجاح العملية والدور الذي يلعبه التجانس الاجتماعي والثقافي في الحالة الجزائرية، كعامل مساعد أو العكس. كما الوضع الاقتصادي والعامل الدولي وغيرها من المتغيرات، التي اتفقت الأدبيات العلمية على أهميتها في تحديد نتائج العملية الانتقالية، اعتمادا على تجربة دولية متنوعة، حتى وهي تعترف لكل حالة بخصوصياتها التي يجب التعرف عليها بدقة، تجنبا لأي التباس قد تكون نتائجه مدمرة في مثل هذه الحالات الهشة والمضطربة.

 

أكد الحراك الشعبي أن الجزائر خطت خطوات كبيرة في بناء نسيح اجتماعي وثقافي متجانس إلى حد كبير، يمكن البناء عليه

 

على رأس نقاط قوة الحالة الجزائرية، قد يكون ذلك الطلب الكبير على التغيير السياسي، كما عبر عنه الحراك منذ 22 فبراير 2019. بالسلمية التي ميزته وبطابعه الشعبي ووضوح أهدافه السياسية، التي لم يحد عنها منذ البداية. عكس الضعف الذي ميز دور النخب، وعدم قدرتها على صنع التوافق وصنع البدائل.
نخب حزبية معارضة التحقت متأخرة بالحراك بشكل فردي، بعد تأكد رفضها كقوى سياسية منظمة داخله وكوجوه سياسية لم تقبل إلا أخيرا وبشكل انتقائي. زيادة على ما يعتريها عموما من عدم قدرة على أخذ المبادرة والتفاهم في ما بينها، حتى عندما يتعلق الأمر بنخب منتمية للعائلات السياسية نفسها، كما ظهر في المدة الأخيرة داخل العائلة الإخوانية، التي لم تتخلص من صراعات وأحقاد مرحلة النشأة والسرية التي عاشتها لسنوات، بكل حمولتها النفسية ـ السياسية. صراع زعامات وعدم توافق على الاستراتيجيات خلال هذه المرحلة الحساسة، يشمل تيارات سياسية أخرى، وحتى الشخصيات الوطنية التي برزت مع الحراك، يفترض أن لها دورا مهما في العملية الانتقالية، أصبح من المستعجل القيام به وعدم السقوط في فخ الانقسامية، التي ميزت النخبة الجزائرية تاريخيا، إذا أرادت فعلا هذه الشخصيات والأحزاب أن يكون لها دور ينتظره منها المواطنون بقوة ويطالبون به للانطلاق في بناء جزائر جديدة. دور تقوم به هذه النخب والشخصيات في جو من التخوين والتشكيك، يملك كأرضية ثقافة مجتمعية، لم تقبل دائما وبسهولة شرعية الطموح الشخصي، لأسباب أنثروبولوجية وتاريخية ميزت الحالة الجزائري، حتى ونحن نتغاضى عن التشويه الذي تصر عليه الآلة الإعلامية الرسمية، وذبابها الإلكتروني ضد هذه الشخصيات التي برزت مع الحراك وحتى قبله بالنسبة للكثير منها.
في الجهة المقابلة يمكن قول الشيء نفسه وأكثر، عندما يتعلق الأمر بالنخب السياسية والعسكرية الرسمية التي فقدت بوصلتها ولم تعد قادرة على التكيف مع الوضع السياسي الجديد، الذي فرضه الحراك الشعبي، بعد تفكك مؤسساتها السياسية الرسمية واضطرابها. نخب كانت ومازالت إلى حد كبير رافضة لكل حوار جدي مع منافسين سياسيين لم تقبل بهم يوما على أرض الواقع، فشلت حتى الآن في وضع تصورات مقبولة للخروج من المأزق الذي تورطت فيه، بفعل تأييدها للعهدة الخامسة للرئيس المقال، وسكوتها الطويل عن الفساد. نخب رسمية لم تتعود على الحوار السياسي الجدي والقبول بالتنازلات المطلوبة لمعارضة لم تقبل بوجودها يوما، رغم التعددية السياسية المعلنة رسميا منذ عدة عقود، ما قد يكون من نقاط ضعف هذا النموذج الجزائري للانتقال السياسي.
عكس ما كان منتظر لم يشتغل التنوع الثقافي واللغوي الذي تعيشه الجزائري كعائق جدي أمام قوة الحراك وطابعه الوطني الذي استمر في التعبير عن نفسه بالخروج كل يوم جمعة من أكثر من خمسين مدينة، في الوقت نفسه وبالشعارات والمطالب نفسها لمدة أكثر من ثلاثة أشهر. وهو الاتجاه الوطني نفسه الذي دعمته الهجرة الجزائرية في أوروبا وأمريكا الشمالية، كتعبير عن الدور السياسي المتميز الذي لعبته الهجرة ضمن المسار التاريخي للجزائر على الدوام، حتى وهي تعرف تحولات جيلية، سوسيولوجية وديموغرافية مهمة. فقد أكد الحراك الشعبي بالشكل الذي ظهر به أن الجزائر قد خطت خطوات كبيرة في بناء نسيح اجتماعي وثقافي متجانس إلى حد كبير، يمكن البناء عليه، لم تنجح كل المحاولات التي تمت في الأسابيع الأخير في اختراقه من قبل قوى معادية، كانت أقرب فكريا لليمين الشعبوي، بل العنصري بأطروحاته العرقية المسيطرة دوليا، رغم ما توفر لديها من إمكانيات بشرية وتقنية كجزء من ظاهرة دولية مرعبة تجتاح العالم. حراك شعبي مرشح لتحقيق انتصارات على المدى القريب، قد يكون أحد ملامحه القوية الانطلاق أخيرا في مرحلة انتقالية توافقية، تعيد للجزائريين الأمل في بناء جزائر جديدة بعد ليل طويل.

 

 

القدس العربي 

 

شوهد المقال 106 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

رضوان بوجمعة ـ جمعة الوحدة الوطنية ضد المغامرين من مستشاري الريع و العنصرية.

د.رضوان بوجمعة   عشت مسيرة اليوم في الجزائر العاصمة، و لم اعش في حياتي ما عشته من صور الاخوة و التضامن بين الجزائريين والجزائريات، من ساحة
image

فتيحة بوروينة ـالتلغيم الهوياتي ومشاكل القايد صالح !!

 فتيحة بوروينة  مقالي الممنوع من النشر غدا بيومية #الحياة .. الرقيب قرّر ذلك !! التلغيم الهوياتي ومشاكل #القايد!! الحوار الذي يدعو إليه مجددا
image

نوري دريس ـ الأيام الأخيرة لنظام الفساد

د.نوري دريس النظام قي مأزق، و الضغط يزداد عليه. اللغة العشوائية التي بات يخاطب بها الجزائريين، تعكس تخبطه وافتقاده لاية خطة لانقاذ نفسه و
image

سعيد لوصيف ـ الموقف : أقولها و امشي...

د.سعيد لوصيف   سأحاول في هدوء فكري وسياسي – ولو إنني منزعج كثيرا وغاضب أشد الغضب – على تصريح قائد الأركان اليوم والذي يقول
image

عثمان لحياني ـ في المنع والرايات

 عثمان لحياني  تصريح قائد الجيش بشأن منع الرايات غير مناسب زمانا من حيث أن العقل الجمعي يوجه في الوقت الحالي كل المجهود بحثا عن حل
image

لعربي فرحاتي ـ الحراك ..وفزاعة الرايات ..

د.لعربي فرحاتي  مشروع الحراك الشعبي السلمي هو مشروع للحرية والديمقراطية والتنوع وإثراء الهوية الوطنية ..وما رفع فيه من شعارات ترجم إلى حد بعيد هذا
image

فضيل بوماله ـ إنا لله و إنا إليه راجعون وفاة د. محمد مرسي جريمة سياسية وأخلاقية

  فضيل بوماله  منذ شهور طويلة وعائلة الرئيس المصري الراحل د.محمد مرسي تشتكي من وضعه العام بالسجن عامة ومن حالته الصحية المتردية خاصة. ومذ سجن ظلما
image

وليد عبد الحي ـ بموته أطالوا عمره

 أ.د. وليد عبد الحي  أيا كانت الرواية الأصدق لوفاة الرئيس المصري محمد مرسي ماديا عام 2019 ، فإن وفاته المعنوية عام 2013
image

نجيب بلحيمر ـ هل من قارئ لكتاب الثورة ؟

نجيب بلحيمر   بسرعة تبخر الأثر السياسي المرجو من الإسراف في حبس كبار المسؤولين وجاء الرد حاسما عبر مظاهرات الجمعة السابعة عشرة من الثورة السلمية
image

فيصل بوسايدة ـ أي سيناريو يخبئه لنا الجيش الجزائري ؟

 د.فيصل بوسايدة    من الواضح جدا أن الحراك أو الشعب لا يدري تماما الخطوات التي يمكن أن يتخذها الجيش/المنجل، كما أنه لا يدرك الهدف من كل

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats