الرئيسية | من الصحافة | ناصر جابي ـ جزائر ما بعد جمعة الغضب

ناصر جابي ـ جزائر ما بعد جمعة الغضب

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

 

د.ناصر جابي 
 
 
 
زلزال سياسي كبير حصل في الجزائر يوم الجمعة 22 فبراير/شباط. فقد تمكن الجزائريون أخيرا من تكسير الصورة النمطية التي لصقت بهم وبحراكهم السياسي لعقود، وهم يعبرون عن همومهم العامة وهم يحتجون، من دون خوف. صورة جديدة وجميلة مرشحة لكي تتكرس يوم الأحد 24 فبراير في المدن الجزائرية وبين أبناء الجالية الجزائرية في المهجر في المدن الفرنسية وكندا. تأكيدا لقوة الأواصر التي تربط تاريخيا المهاجرين الجزائريين ببلدهم الأم.
فقد ترسخ مع الوقت، أن الجزائري «عنيف» عندما يخرج للشارع ولا يعرف كيف يعبر عن موقفه، هو الذي لا يملك همًا سياسيا بالأساس، بل مطالب اقتصادية واجتماعية حياتية، لا يحسن في الغالب التعبير عنها. يقبل أن يتفاوض حولها مع نظام سياسي ـ اقتصادي ريعي، عرف على الدوام كيف يبتزه على حساب مواطنته وحقوقه السياسية الشرعية، قبل أن يعود إلى موجات أخرى من المنازلات الدورية، بقيت لعقود، من دون أفق ومعنى سياسي واضح.
صورة نمطية زادها سوءا ما حصل في التسعينيات، عندما تمكنت حركات سياسية إسلامية، جذرية، من ركوب هذا الحراك الاجتماعي، الذي بادر إليه شباب الأحياء الشعبية في المدن الكبرى. حركات دينية كانت هي نفسها من دون برامج ولا قيادات فعلية، استغلت قوة دفع هذا الحراك الشعبي عندما كان في حالة صعود لتدخله في نفق المواجهة العنيفة مع الدولة الوطنية ومؤسساتها الأمنية، وأجزاء مهمة من المجتمع، لتعيش الجزائر ما عرفناه بعد ذلك من اضطراب وحالة فلتان أمنى دام سنوات.

 

الشارع لن يقبل بأقل من سحب ترشح بوتفليقة للعهدة الخامسة التي ورطت الجميع بمن فيهم الأطراف الرسمية

 

كل هذه الصورة النمطية بتفاصيلها تهشمت هذه الجمعة في شوارع المدن الجزائرية وساحاتها العامة، فقد خرج الجزائريون بالآلاف في الكثير من مدن البلاد، شرقا وغربا، وفي منطقة القبائل التي لم يتم عزل حراكها هذه المرة، كما كان يحصل في السابق، تماما كما توقعت الأسبوع الماضي على صفحات «القدس العربي»، فقد كنا أمام سوسيولوجية حراك اجتماعي متنوع وسلمي لم تعرفه الجزائر من قبل. يجب العمل من قبل الجميع ان يستمر كما بدأ ولن يحصل له تحريف عن مساره. الكرة الآن في ملعب الأطراف الرسمية لمعرفة ما هي القراءة التي ستقوم بها لهذا الحراك، من الآخر ومن دون نقاشات تجاوزتها الأحداث. الشارع لن يقبل بأقل من سحب ترشح بوتفليقة للعهدة الخامسة التي ورطت الجميع بمن فيهم الأطراف الرسمية التي أيدته حتى الآن ودافعت عنه لسنوات. أطراف ظهرت وهي تعلن عن تأييده لهذا الترشيح وكأنها في مأتم حقيقي، ترفض منذ أيام الظهور على قنوات التلفزيون للدفاع عن مرشحها، ولا تملك الشجاعة السياسية لمواجهة المواطنين الغاضبين. مطلب سحب ترشح بوتفليقة الذي يملك كخلفية برنامجا سياسيا لم تتبلور ملامحه بالتفصيل المطلوب، لكنه يحتوي كحد أدنى ما اتفقت عليه المعارضة في لقاء زرالدا في يونيو/حزيران 2014 الممثلة لأغلبية أطياف المشهد السياسي الوطني، الذي يمكن أن يلتحق به من كان متغيبا عن هذه الفعاليات، والذي يمكن تلخيصه في إصلاحات سياسية جوهرية تُحول الانتخابات إلى وسيلة فعلية للتغيير السياسي والتداول السلمي على السلطة، بعد أن يعهد بتنظيمها إلى هيئة وطنية مستقلة بعيدا عن أيادي التزوير الوطني والمحلي، المتمثلة في الإدارة والهيئات الأمنية والقوى السياسية الفاسدة، تكون بديلا عن المهازل التي تعود عليها النظام السياسي منذ الاستقلال، وهو ينظم انتخاباته المزورة للإرادة الشعبية، التي كانت السبب الرئيسي في تشويه الحياة السياسية وابتعاد المواطن عن الحياة السياسية وكل مؤسساتها المعبرة عنها كالحزب والانتخابات عن النقاش العام.
انتخابات لن تتم إعادة الاعتبار لها وتوظيفها التوظيف الصحيح، من دون إدخال إصلاحات سياسية على المنظومة السياسية ككل، التي أصبحت أكثر من ضرورية ويجب ان يتفق عليها الجزائريون بسرعة، كاحترام الدستور، وفصل السلطات، وتحديد العهدات الرئاسية، واحترام الحريات الفردية والجماعية، وغيرها من الآليات المعروفة التي نجحت عند غيرنا وليس مطلوبا أن تفشل عندنا. بعد ان بيّن هذا الترشيح لرجل مريض ومٌقعد، استمر على رأس الدولة عشرين سنة واغتصب الدستور أكثر من مرة للبقاء مدى الحياة، على رأس السلطة، مستوى ضعف وهشاشة مؤسسات الدولة التي مكنت فردا وشللا قليلة العدد من التلاعب بها بعيدا عن كل رقابة قانونية. ترشيح بيّن للجزائريين أن مؤسساتهم السياسية مريضة، يحب إصلاحها بسرعة، خوفا على دوام الدولة الوطنية ذاتها. فالمرض لا يعاني منه الرئيس فقط، بل النظام السياسي وقد يصل إلى الدولة ذاتها إذا لم يتم تدارك الأمر بسرعة.
من بين هذه المؤسسات المريضة الحزب السياسي، الذي يمكن أن يستغل أجواء ما بعد المسيرات الشعبية، والصعود السياسي للشارع لكي ينفتح على المجتمع وقواه الحية، وهو المطلوب ليس من قبل أحزاب المعارضة فقط التي يجب أن تستغل هذه اللحظة لكي ترتبط بالقوى الشعبية الفاعلة على مستوى الشارع، بل كذلك من قبل أحزاب المولاة التي منحت صورة في غاية البشاعة عن العمل السياسي لسنوات وزادت الحياة السياسية قتامة لدى المواطن الجزائري الذي توجه صوب الشارع للتعبير عن مواقفه السياسية. بشاعة يمكن تعميمها على المؤسسات الإعلامية العامة التابعة للنظام، والخاصة التي فضحت انحيازها للفساد مسيرات جمعة الغضب الشعبية. فقد تيقن المواطن أن هذا النظام الذي يطالب بتغييره هو سبب هذه الكأبة التي يعيشها المشهد الإعلامي الوطني. كما بدأت تعبر بصدق بعض الأصوات الحرة، عن ذلك من داخل هذه المؤسسات الإعلامية التي تخندقت بشكل مفضوح كمؤسسات ومصالح مالية مشبوهة في صف الفساد والمفسدين، ضد طموحات المواطن، الذي ينتظر ان تتوسع دائرة الأصوات الحرة هذه الأيام تحت ضغط الحدث الوطني المهم الذي يعيشه الشارع الجزائري، فلا مهنة ولا إعلام حقيقي من دون حرية. لتبقى مسؤوليات المؤسسات الرسمية أكثر من مهمة في هذه اللحظة السياسية التي تمر بها الجزائر، وهي تقوم بقراءة ما حصل هذا الأسبوع، بعد ان تأكد للجزائري أنه يعيش حالة «يتم مؤسساتي». عبر عنه المواطن وهو يتوجه نحو الشارع للتعبير عن همومه ومطالبه، وهو رافع هاتفه الشخصي وسيلته الأساسية للتواصل والتعبير في عصر الوسائط الاجتماعية والإنترنت التي أرادوا حرمانه منها.
 
القدس العربي 
 

 

شوهد المقال 370 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

مجلة "براءات" بملفٍّ عن الشِّعر والله في عددها الأول - مارس 2019

 الوطن الثقافي    صدر عن منشورات المتوسط – إيطاليا، العدد الأول من مجلة "براءات" بطبعتين عربية وفلسطينية. وبراءات هي المجلة التي أعلنت عنها مسبقاً منشورات المتوسط معرفة
image

ثامر رابح ناشف ـ طرفي الحراك السلمي، ميلاد مجتمع، والهوية الباديسية!

د. ثامر رابح ناشف   موهانداس كرمشاند غاندي، او ما أشتهر ب "المهاتما غاندي" هو الزعيم الروحي للهند وسياسي بارز في مقارعة الاستعمار
image

فضيل بوماله ـ هام جدا جدا وعاجل ! بوضوح ! الأحزاب وثورة الشعب البيضاء

  فضيل بوماله  بدأ الحراك شعبيا وطنيا سلميا واستمر كذلك إلى أن اشتد عوده وأصبح ميزان قوة يعكس إرادة ثورة شعبية بيضاء. إرادة التغيير الجذري ورحيل
image

جباب محمد نورالدين ـ المهرولون وصلهم الخبر اليقين

د.جباب محمد نورالدين   عندما ينقلب العبد على سيده ويتنكرله، لا يعني ذلك أنه بدأ يعي الحرية إنما بدأ يعي أن سيده بدأ في الأفول
image

فارس شرف الدين شكري ـ النظام وتبني الحراك ..الحذر واجب

 فارس شرف الدين شكري   كثر اللغط والحديث عن توبة شلة المافيا التي ذهبت إلى مساندة الحراك اليوم، بعد أن كانت من أشدّ المعادين لنا والمكروهين والمساندين
image

جمال ضو ـ الثورة التونسية من البوعزيزي إلى قانون الميراث...

د.جمال ضو  الثورة التونسية التي جعلت رأس نظام بوليسي قبيح يهرب في جنح الليل..كانت شعلتها في سيدي بوزيد وقبلي وغيرها من مدن الجنوب المطحونة...دفع ثمنها
image

خليفة عبد القادر ـ قراءة في رمزيات حراك الجزائريين؟

 أ.د.خليفة عبد القادر  الجزائريات والجزائريون على موعد مع جمعة "خامسة" ، على موعد مع تجدد عرسهم الأسبوعي الذي أصبحنا نحن إليه عوض خوفنا منه في
image

نجيب بلحيمر ـ سراب دعم الخارج

نجيب بلحيمر   كثير من المبالغات طبعت قراءة الجولة التي يقوم بها ممثل الجماعة الحاكمة لعمامرة في الخارج، والحديث عن مقدمات لاستعمال القوة ضد المتظاهرين
image

يسين بوغازي ـ " الجيش والشعب " إنا تُرسه " وإنا له حافظون "

  يسين بوغازي  لم يعد خفيا لا أبدا ، لم يعد  إنا الشعب تٌرس الجيش ، ولأنه لم يكن في الماضي خفيا  أنه
image

ناصر جابي ـ كيف تحول بوتفليقة من حل إلى مشكل في الجزائر؟

د. ناصر جابي  اعتمدت استراتيجية تسويق بوتفليقة عند عودته للسلطة في نهاية التسعينيات على تقديمه بصورة السياسي الممثل لتيار «ليبرالي « داخل نظام بومدين،

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats