الرئيسية | من الصحافة | سعيد خطيبي ـ الجزائر: دروس في تعلم الرقابة الذاتية

سعيد خطيبي ـ الجزائر: دروس في تعلم الرقابة الذاتية

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

 


سعيد خطيبي  
 
 
تغفو الرقابة، قليلاً، كي تحل مكانها الرقابة الذاتية، ففي الجزائر، لم نعد نسأل عن الحرية، ولا عن شروط توسيعها، لا نفكر في رفع سقفها ولا في تليين القوانين تجاهها، بل نسأل، فقط عن حدودها، عن الأسلاك الشائكة التي تطوقها، كي لا يزل لسان أحد ما، ولا تخطو رجله خلف الحدود، المتفق عليها. لم نعد نشعر بطمأنينة، بل يُراودنا إحساس مُزمن أن أعيناً تُراقبنا، أن يداً تتهيأ للبطش بنا، أن كل شخص يختلف عن الجماعة، أو يُناور دستورها، أو يخرج عن طوابيرها، سيجد وحشاً في انتظاره؛ يقطع لسانه أو يلوي عنقه، وأن المحاكم لا تفتح صباحاً سوى لرمي من يُمارس حريته في زنزانة. بتنا نؤمن بالرقابة الذاتية باعتبارها شرطاً للبقاء، وسبيلاً للعيش الآمن.
لم تشعر السلطة براحة أكثر مما هي عليه، في السنوات الأخيرة، لم يعد يُضايقها لا كاتب ولا سينمائي ولا مغنٍ، فقد استوعب الجميع الدرس، ابتلعوا طعماً يقول إن الرقابة الذاتية هي الحماية، هي المأمن لهم من كل الهزات المحتملة، ولكن قبل أن تصل تلك السلطة إلى ما هي عليه اليوم، فقد دربت الناس على تمارين في الرقابة الذاتية، روضت عقولهم، وحضّرتهم، كما ينبغي، كي يستسلموا للأصوات، التي تمور في داخلهم، وهيأتهم كي يكونوا مواطنين صالحين، لا يؤذونها بتفكيرهم النقدي، ولا يتجرؤون على مخاصمتها. وأهم أداة استخدمتها في ذلك المسعى هي المدرسة، فحين يتربى الجزائري، في صغره، على كلمات «شعب الجزائر المُسلم»، فمن الصعب أن نقنعه، حين يكبر، بتقبل جيرانه المسيحيين، وحين نكرر على مسمعه «أنه إلى العروبة ينتسب»، فلن يُصدق وجود أمازيغ، يتشاركون معه في الأرض وما تحتها، لن يرضى بغير عرب يتساوون معه في الحقوق والواجبات. حين يكبر، وهو يردد، كل صباح، أناشيد قومية، سيدرك ـ متأخراً ـ أن المناهج المدرسية لعبت دورها، فهي منتقاة، بعناية، كي تنتج فرداً نمطياً، وجماعات مُتشابهة في ما بينها، تصدق الأسطورة، وتخاصم الواقع.

 

يخيل إلينا أن الجزائر عادت خمسين سنة إلى الوراء، حين نسمع أن التابوهات تنحصر في ثلاثة: الجنس والدين والسياسة، وهي فرضية انتهى زمنها.

 

مضى زمن لم نسمع فيه عن حجب مقال، ولا رسم كاريكاتيري، يتعرض لمسؤول كبير في الدولة، أو لقضية حساسة، والسبب ليس أننا في بلد حريات، فالجزائر تتراجع، كل عام، في تصنيف حريات التعبير ـ حسب منظمة مراسلون بلا حدود، بل إن الأمر يُختصر في كون الصحافة قد أكملت ولوجها العهد الجديد، فغالبية الجرائد، ومعها الفضائيات الخاصة ـ كي لا نقول مُستقلة ـ تسير بمنطق الإعلانات، التي توزعها السلطة، كما توزع الجمعيات الخيرية قفة رمضان للمحتاجين، لذلك صارت الصحف تتقن فن الرقابة الذاتية، وتلجأ إلى لغة «الصائب سياسياً»، وتضيق، شيئاً فشيئاً، من خانة حريتها، فالسلطة لا تفرض دفتر شروط، لا ترسم دوائر ولا تكتب ما هي حدود الرقابة الذاتية، بل تترك الباب مفتوحاً، تحيل الأمر إلى الجرائد، التي يسكنها الخوف أكثر من الرغبة في الانعتاق، والتي تضيف، كل مرة، كلمة أو فكرة في قاموس الرقابة الذاتية، تقلص من حريتها وتوسع من راحة السلطة.
كان يجدر بالأدب أن يلعب دور المُنقذ، ويخلص الجزائري من سطوة الرقابة الذاتية، واللذة الكاذبة للتواري خلفها، ولكن ـ على رأي بختي بن عودة ـ فإن الكاتب في الجزائر تبتلعه السلطة، قبل أن تجتره، وتُعيده إلى الحياة، وهو لا يرى نجاحاً سوى بقربه منها، فالكاتب لا يجد انعكاساً له سوى في مرايا المسؤول والحاكم، كلما رضي عليه شعر براحة، وإن غضب منه، سارع إلى مُصالحته، لهذا نجد أن كثيراً من الكتاب الجزائريين لا يفوتون فرصة الظهور مع مسؤولين، يتظاهرون بالمعارضة، في النور، ويتوددون للسلطة، في العتمة، وهو تقليد كرسه الجيل المؤسس، واستشرى الفيروس في الأجيال الجديدة من الكتاب، الذين يعتبرون وزيراً أو قيادياً معياراً في فرز الأدب الجيد من السيئ، وفي طريقهم لكسب رضا صاحب الجاه، فهم يتحلون بكثير من الحيطة والحذر والرقابة الذاتية، في كتاباتهم، ويكاد يخيل إلينا أن الجزائر عادت خمسين سنة إلى الوراء، حين نسمع أن التابوهات تنحصر في ثلاثة: الجنس والدين والسياسة، وهي فرضية انتهى زمنها، فالجنس صار أمراً مبتذلاً في زمن الإنترنت، والدين فقد قدسيته، والسياسة يمكن لأي مواطن، غير متعلم أن ينتقدها، فماذا بقي للكتاب إذن؟ التابو الأكبر هو التاريخ، أو بالأحرى التاريخ المزيف، فالجزائر تعيش، من نصف قرن، في ميثولوجيا مبتكرة، وليس في تاريخ سليم، والكاتب رضي أن يتعامل مع الأمر الواقع، وأن يتبنى روايات الحاكم، دونما نقد أو إعادة قراءة، ففي سبيل كسب ود السياسي، يُمارس الرقابة الذاتية على نفسه، ويورثها للذين يأتون من بعده، ويجعل منها ثيمة أساسية في إصداراته، في آرائه، لهذا لم يعد مُمكناً الاتكال على الكتاب في التخفيف من سطوة الرقيب الداخلي.
ثم جاءت وسائط التواصل الاجتماعي، ولقنتنا دروساً مركزة، في الرقابة الذاتية، أعادت مصالحتنا، بهدوء، مع «حجب» المنشورات والصور، وصرنا، لاإراديا، نتصرف بأحكامها بدون احتجاج، فرغم ما وفرته مواقع مثل فيسبوك أو تويتر أو أنستغرام، من فضائل، يُحسب عليها أنها أعادت شحن ألفة بين مستخدميها وفكرة الرقابة عما يكتب أو ما يصور، هي مواقع لها سياساتها، ولا أحد يُعاتبها عنها، ولكن ألا يحق للفرد أيضاً أن يمتلك سياسة له، ويوفر لنفسه هامشاً أوسع من الحرية؟ تبدو لي هذه الكلمة كما لو أنها جاءت من قاموس قديم، هل هناك من ما يزال يتحدث عن «حرية»؟ لقد أسرفنا في استخدامها إلى درجة تكاد تفقد معناها، أفرطنا في البحث عنها حتى ضاعت منا. يظهر كما لو أننا محكومون بشروط المرحلة التكنولوجية التي نعيش فيها، يهمنا امتلاك التقنية، بدون الخوض في شروطها وفي تبعاتها، يعنينا أن نتواصل مع من هم حولنا، بالحد الأدنى من الحرية المتاحة لنا، وكلما تعذر علينا تبليغ ما نفكر فيه، نعزو الأمر إلى احترام العامة، ومهادنة التقاليد المتبعة. هكذاً، شيئاً فشيئاً، ننتصر للقوانين الصامتة، ونلجم ألستنا، ونوسع من خانة الرقابة الذاتية في حياتنا ونريح السلطة من حقنا في الرأي وفي الكتابة.

 

القدس العربي 

 

شوهد المقال 242 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

بادية شكاط ـ صراع السياسة والأخلاق،في دوائر النظام الدولي

 بادية شكاط                                                                                                                                                                 يقول الشاعر الإنجليزي"بيرسي شيلي" :"إنّ أكبر جرم إرتكِب في تاريخ البشرية،هو فصل السياسة عن الأخلاق" فإلى أيّ مدى
image

حوار مع عزالدين عناية : القدرات العربية في علم الأديان ضحلة ـ حاورته باسمة حامد

  حاورته باسمة حامد  في كتابك "العقل الإسلامي: عوائق التحرر وتحديات الانبعاث" نبّهت إلى ضرورة فهم عميق للدين في المجتمعات العربية التي يتصارع
image

رائد جبار كاظم ـ الإيمان العجائزي والتدين الجنائزي

  د. رائد جبار كاظم  لا أعرف ما هي القيمة المعرفية والروحية والفكرية والدينية الايجابية التي تحققها مقولة ( اللهم ايمان كإيمان العجائز)،
image

محمد محمد علي جنيدي ـ روحُ والدي

محمد محمد علي جنيدي – مصر         يا حناناً غاب عن قلبي طويلا يا غراماً عاش في الوجدانِ جيلا لم تزل نوراً لروحي لم تزل قلباً
image

محمد محمد علي جنيدي ـ لا أنساكا

محمد محمد علي جنيدي - مصر           قُلْ لِـي شَيْئـاً غَيْـرَ هَوَاكَـا فَــأنَــا أبَــــداً لا أنْـسَـاكَــا تِلْـكَ عُيُـونُ الْبَـدْرِ بِعَيْنِـي أحْسَبُهَـا مِـنْ نُـورِ بَهَـاكَـا ثُــــمَّ إذا تَــدْنُــو
image

عادل السرحان ـ حين يحلّقُ قلبي بعيدا

عادل السرحان               في هذه الساعة قلبي يحلق بعيدا بين السماء والأرض ومعزوفة الحزن تتعالىتُحيطُ به عيونٌ وآذانٌ أغار  منهاورداء الوحدةيخلع كل شيءويرتديني كل ماحولي مثل قطعة ثلجٍحتى أطرافي وحيدا  أتململُوتعصف بي الريحمثل
image

مادونا عسكر ـ استبطان الذّات الرّائية في قصيدة "الدّاخل أرحب" للشّاعر يوسف الهمامي

  مادونا عسكرـ لبنان  - النّصّ: الدّاخل أرحـب سقطتُّ في السّماء كنت أعرجُ في أرض بلا
image

إيناس ثابت ـ روافدُ القلب

    إيناس ثابت - اليمن              وشاحُ حريرٍ غَزَلَتْه "پينولوب" من وحيِ حكايتك بفيضٍ من
image

محمد مصطفى حابس ـ المرحوم عبد الغاني بلهادي: نعم الرجال الذين يهبون عند الفزع و يفسحون الطريق لغيرهم عند الطمع.

محمد مصطفى حابس إنَّ مرحلة الشَّباب هي الفترة الذَّهبيَّة من عمر الإنسان، وهي الَّتي ترسم ملامح مستقبل المرء وتحدِّده، لذلك حرص الإسلام كلَّ الحرص على التربية
image

خالد صبر سالم ـ ـغنيّةُ الألـَق

  خالد صبر سالم                                          النهرُ يفيضُ وجوهَ حَبيباتٍ تـَتـَألقُ   في خاطرة القنديلِ   

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats