الرئيسية | من الصحافة | ناصر جابي ـ الجهة الجهوية والسياسة في الجزائر

ناصر جابي ـ الجهة الجهوية والسياسة في الجزائر

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

د.ناصر جابي 

 الكثير من الأحداث والأزمات السياسية في الجزائر لا يمكن فهمها وتفسيرها من دون العودة إلى هذا البعد الأنثروبولوجي المميز للمجتمع الجزائري، كالكثير من المجتمعات التي لا تزال تشكو من هشاشة بنائها الاجتماعي الوطني. هذا البعد الجهوي الذي يرفض الكثير من الجزائريين الاعتراف به وبالتالي الحديث عنه وأخذه كعامل تفسير لفهم صراعاتهم السياسية القديم منها والحديث. فالجزائري يمارس يوميا الجهوية وبشراهة كبيرة، لكنه لا يتكلم عنها علنا ويرفض الاعتراف بممارستها إلا بين أبناء جهته، وهو يستعملها لشحذ الهمم كوسيلة تجنيد واستقواء على الآخر المختلف جهويا.رفض الحديث والاعتراف بالجهوية كممارسة الذي ينطبق على الفرد، كما ينطبق على المؤسسات الرسمية التي تمارسها بقوة بشتى الطرق، لكنها ترفض الافصاح عنها، بل تحاربها كخطاب، كما يطالبها بذلك الدستور وقوانين البلد.

من بين هذه الأحداث والأزمات ما يحصل هذه الأيام في المجلس الشعبي الوطني، بعد إعلان الحرب على رئيسه السعيد بوحجة، التي بدأت في أخذ منحى جهوي ما زال ضامرا، لكنه يمكن أن يتطور بسرعة إذا فهمنا هذا الصراع كبداية فعلية للحملة الانتخابية لرئاسيات 2019، التي يزيد فيها منسوب الجهوية بشكل لافت عكس ما يحصل في الانتخابات التشريعية والبلدية، التي تظهر فيها تشققات اجتماعية أخرى تبقى في مستويات ما دون الجهة، كما هي معروفة في الجزائر. فالتنافس السياسي على المستوى البلدي والولائي الذي تعكسه الانتخابات المحلية والتشريعية، يتعامل مع العرش والقبيلة والعائلة داخل الجهة نفسها، وليس بين جهات متنافسة. في حين أن الانتخابات الرئاسية تتعامل مع الجهات الجغرافية الكبرى التي عادة ما يقسم عليها التراب الوطني الواسع في الجزائر (شرق غرب وسط وجنوب) فالجهوية تتعامل مع الجزائر العمودية أي الجزائر السياسية، وليس الجزائر الاقتصادية، الاجتماعية والثقافية، الأفقية التي تقسم إلى ساحل، هضاب عليا وجنوب بالعمق السوسيولوجي الواضح على أكثر من صعيد لهذه الفضاءات الثلاثة، التي تكون التراب الجزائري، تعلق الأمر بنمط الحياة الذي تفرضه الجغرافيا والتعبيرات الثقافية والفنية وأساليب العيش ولهجات الحديث، بما فيها نطق حرف الغين، اختلافات تجعل أبناء البيض والنعامة في أقصى الغرب الجزائري أقرب لأبناء تبسة وجنوب خنشلة في الشرق، رغم بعد المسافات، من أبناء وهران أو مستغانم الساحليتين.

جهوية كان المفروض أنها خفّت بعد الاستقلال، على الأقل عند الأجيال الصغيرة في السن، وهي تعيش مرحلة بناء الدولة الوطنية بمؤسساتها العابرة للجهويات كالإدارة العامة والمؤسسة التعليمية وغيرها من المؤسسات الحديثة التي تسير المجتمع في يومياته، بعد أن دخلت أغلبية الجزائريين إلى المدن الكبيرة والمتوسطة التي يعيشون فيها بعد هجرتهم من قراهم الصغيرة (ثلاثة من أربعة جزائريين يعيشون في المدن الكبيرة والمتوسطة). واقع الحال يقول لنا إن الجهوية بممارساتها السلبية المعادية لقيم المواطنة ما زالت حاضرة في يوميات الجزائريين التي يكتشفونها بشكل سافر في هذه المدينة بالذات، التي هاجروا إليها بكثافة بعد الاستقلال. مدن أعادوا تكوين قراهم داخلها في بعض الحالات ليحافظوا من خلالها على قوة انتمائهم الجهوي، وهم يعيشون لأجيال في هذه المدن المُريفّة، كما تظهره نتائج الانتخابات البلدية منذ الاستقلال في أكثر من مدينة. فقد تعّود الجزائري ألا يتواصل مع الإدارة لطلب خدمة بل يتواصل مع “وليد بلاده”، حتى لو كان بوابا في هذه الإدارة، لقضاء حاجته، تواصل قد يكون أفيد له، تعلق الأمر بالحصول على منصب عمل، سكن أو تسجيل في مؤسسة تعليمية أو خدمة صحية، وهي الخدمات التي تميزت على الدوام بالندرة، في هذا المجتمع والنظام السياسي الذي يتماهى فيه السياسي بالاقتصادي بشكل كبير.

الجهوية المرشحة للبروز بقوة بمناسبة انتخابات 2019 في حالة عدم قدرة الرئيس بوتفليقة على الترشح لعهدة خامسة، وهو السيناريو الذي لا تستبعده الكثير من القراءات لحد الساعة، كما توحي بذلك حالة الاضطراب التي يعيشها النظام السياسي الجزائري، كما بينتها الصراعات المفتعلة التي يعيشها المجلس الشعبي الوطني، و”معارك” الأذرع الإعلامية التي بينت قوة تأثيرها في حسم نتيجة الانتخابات، بدءا من رئاسيات 2014 التي لعبت فيها القنوات التلفزيونية الخاصة دورا محددا في التأثير على رأي المواطن، تجاوز دور الحزب السياسي.

مدن أعاد الجزائريون تكوين قراهم داخلها في بعض الحالات ليحافظوا من خلالها على قوة انتمائهم الجهوي

صراعات لا يمكن فهمها إلا من خلال هذا السيناريو وما يفترضه من اصطفاف جهوي جديد لما بعد مرحلة بوتفليقة، الذي أعاد بقوة أبناء الجهة الغربية إلى مراكز السلطة لمدة عشرين سنة، على حساب جهويات قوية منافسة، تعودت على السيطرة الجهوية، كجهوية أبناء الشرق التي تريد العودة للمنافسة على هذا المنصب الأكثر من مهم داخل النظام السياسي الجزائري الريعي، الذي يوصل فيه السياسي مباشرة إلى الاقتصادي والمالي. في هذه المرحلة التي يعاد فيها بناء الجزائر طبقيا، وإعادة تشكيل موازين القوى الاجتماعية والاقتصادية فيها من جديد، ناهيك عن الجهويات الأخرى التي دخلت منذ فترة طويلة في معارضة الأوضاع، كما هو حال أبناء منطقة القبائل، أو حتى أبناء الجنوب الذين بدأوا يستفيقون من سباتهم العميق ويريدون أن يكون لهم دور في العملية السياسية التي أبعدوا عنها لمدة طويلة.

صراعات يمكن أن تأخذ منحى جهويا خطيرا، كما حصل في رئاسيات 2004 في وقت زاد فيه ضعف مؤسسات الدولة العميقة، التي كانت قادرة في السابق على الحسم، كالرئاسة ومخابرات الجيش التي كانت تدير عملية التوافق والحسم لاحقا في كل استحقاق انتخابي رئاسي بين النخب الجهوية المتنافسة. يحصل هذا في وقت تدهورت فيه شرعية المؤسسات السياسية كالأحزاب المخترقة في جانب كبير منها من قبل هذه الآفة الجهوية نفسها. وهي الأحزاب التي تشكو غياب شخصيات وطنية كاريزمية كان يمكن التعويل عليها لتجاوز هذه المحطة الانتخابية، التي تُحفز فيها الجهوية عند الناخب الجزائري بشتى الطرق والوسائل.

محطة الانتخابات الرئاسية التي أصبحت تخيف المواطن كل مرة، رغم أنه يعرف بالتجربة انها ليست وسيلة تغيير سياسي وتداول سلمي على السلطة، كان يمكن أن تساعد على بروز مواطنة فعلية بمؤسسات سياسية شرعية، تجنب الجزائر متاهات السقوط في المعروض من سيناريوهات هذه الأيام على المستوى الدولي، تريد أن تعيد الكثير من البلدان إلى الحلول التي تعتمد على ما دون الوطني وليس الوطني الذي تحتاجه الجزائر.

*كاتب جزائري

القدس العربي  

شوهد المقال 355 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

اليزيد قنيفي ـ ماقلّ ودل...!

اليزيد قنيفي           (1) ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان بل بالكرامة .. ينتفض الانسان ويثور عندما يحس بالغبن والاضطهاد والظلم ..الشعوب تصبر وتصابر وتكابد
image

خليفة عبد القادر ـ الدراسة هي حراك، والإضراب تغييب

 أ.د خليفة عبد القادر* في صالح طلبتنا الاعزاء وفي صالح مستقبلهم ومستقبل وطنهم وجامعتهم ، أقترح أن يحددوا يوما واحدا للمساهمة في حراكهم وباقي الأسبوع
image

وليد عبد الحي ـ الرؤية الاسرائيلية للأزمة الجزائرية المعاصرة

 أ.د وليد عبد الحي   يمثل (INSS) او معهد دراسات الامن القومي الاسرائيلي احد ابرز المؤسسات البحثية المؤثرة في اسرائيل، وهو مركز تابع لجامعة تل أبيب،
image

عاطف الدرابسة ـ القرابين

د.عاطف الدرابسة       قلتُ لي : لا أحبُّ أن أراكَ عارياً سأشتري لكَ ثوباً جديداً ونشربُ معاً نخبَ المعاركِ الخالدةِ والنصرِ المجيد
image

ايسر الصندوق ـ ادب الرحلات .. الرحلة والكتابة

ايسر الصندوق ضمن نشاطات رابطة بغداد / العراق الثقافية نظمت الرابطة محاضرة بعنوان " ادب الرحلات .. الرحلة والكتابة " للكاتب الروائي حسن البحار
image

العياشي عنصر ـ وهم التغيير من الداخل!!

د.العياشي عنصر  الأمل المعلق على المؤسسة العسكرية عامة، وعلى قيادة الأركان خاصة وبالذات على رئيس الأركان القايد صالح لقيادة التغيير في النظام من الداخل
image

وليد عبد الحي ـ التراجع الامريكي من منظور العلماء الامريكيين

 أ.د.وليد عبد الحي  يدل ارشيف الوثائق في الكونجرس الامريكي ان الولايات المتحدة تدخلت عسكريا في اراضي الدول الاخرى 133 مرة خلال الفترة من 1890 الى
image

نوري دريس ـ رئاسيات تلوح بكل المخاطر

د.نوري دريس كل ما أخشاه هو أن النظام لن يتراجع عن العرض الذي قدمه حاليا، و يذهب في سبيل اجراء انتخابات رئاسية وفقا
image

حميد بوحبيب ـ الربيع الشعبي الجزائري :

د.حميد بوحبيب  قاطرة الحراك تصل إلى محطة تاريخية رمزية هي محطة العشرين أفريل، التي شكلت في المخيال الوطني قطيعة حادة مع التصور المونوليثي للهوية
image

نصر الدين قاسم ـ من داخل الجزائر: إصرار الحراك ..تلاعب

نصرالدين قاسم  يواصل قائد الأركان، سياسة التناقض وازدواجية الخطاب، يمني الحراك بوعود الاستجابة لمطالبهم التي يصفها بالمشروعة، ومن جهة أخرى يصر على فرض رجال

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats