الرئيسية | من الصحافة | سعيد خطيبي ـ رشيد طه… المُسافر خارج الأزمنة

سعيد خطيبي ـ رشيد طه… المُسافر خارج الأزمنة

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

 

سعيد خطيبي 

 

 

غالباً ما نبتلع تلك العبارة المكرّرة، التي تقول: «الرّاي وصل للعالمية»، دونما تفكيك لها، أو فهم صريح لما تُخفيه. يظهر على البعض علامات إعجاب، وقد يبتسمون، بفخر، بحكم أن بلدهم الجزائر استطاع – أخيراً – أن يُصدّر شيئاً آخر خارج المحروقات. ولكن لو أخذنا وقتاً، لمساءلة أنفسنا: كيف وصل الرّاي للعالمية؟ وصار يُسمع في بلدان بعيدة، لا علاقة لها بالمنطقة التي نعيش فيها. سندرك، شيئاً فشيئاً، أن الرّاي – في حدّ ذاته – كما أسّس له الرّواد، بدءاً من الإرهاصات الأولى مع الشّيخ حمادة، ثمّ توالي الأجيال وصولاً إلى جيل السّبعينيات، مثل بلقاسم بوثلجة أو بوطيبة الصّغير، لم يكن لينجح، ولم يكن ليستمر طويلاً، حتّى في بلده الجزائر، وإنما نجاح الرّاي، جاء من قدرته على التّلاحم، أو التّماس، مع أنماط موسيقية، مكرّسة، قبله، وهذا البعد في الرّاي، ودفعه للخروج من محليته، بصهره في إيقاعات أخرى، لم يأت سوى في مرحلة متأخّرة ـ بالمقارنة مع تاريخ هذه الموسيقى العريق –. ولا يختلف اثنان أن رشيد طه، الذي فارقنا ليلة الأربعاء، هو واحد من الذين أنقذوا الرّاي، من انغلاقه، وأعادوا بعثه، من جديد، مع أن الرّاحل نفسه لا يقدّم نفسه كمغنّ راي، لكنه خدم، في التسعينيات، الرّاي، بشكل جلّي، ولولا ما فعله رشيد طه، وآخرون مثله، كان من الممكن أن يتدحرج الرّاي، إلى المنبع الذي جاء منه، وينغلق، من جديد، على محليته الجزائرية.
سيصعب أن نختصر التّجربة الفنية الطّويلة للرّاحل، والتي دامت أكثر من 35 سنة، مرتحلاً بين البانك والرّوك، مع عودة، من حين لآخر، لأغنية «الشّعبي» الجزائرية، لكن سنركز – خصوصاً – على علاقته بالرّاي، وكما أسلفنا، رغم أنه لا يقدّم نفسه كمغن للرّاي، فقد خدم هذه الموسيقى، بشكل كبير، فهو يعتقد نفسه مستمعاً لها، أكثر مما هو ممارس لها، وشغفه الأوّل – كما كان يقول دائماً – هو الشّيخة الرّيميتي. التي استطاعت – لوحدها – في النّصف الأوّل من القرن الماضي، نقل الرّاي – في صيغه الأولى، حيث كان يسمّى تارة البدوي وتارة الوهراني – من الحلقات النّسائية، ومن الأعراس، إلى الإذاعة، ومن هناك إلى الجمهور الواسع. فالشيخة الرّيميتي، التي عاشت بصفة مناضلة من أجل الموسيقى التي أحبتها، ونجحت في تطهيرها مما أصابها من محاولات تقزيمها والإساءة إليها، ووصفها أحياناً بالغناء الماجن، هي فعلاً أمّ الرّاي، ومن الطّبيعي أن يبدأ رشيد طه حياته من الاستماع إليها، فقد وُلد في سيق، غرب الجزائر، في منطقة محاذية، للمدينة التي عاشت وكبرت فيها الريميتي، كما إن هذه الأخيرة تحوّلت – مع الوقت – إلى ما يُشبه أسطورة في عقول النّسوة، ولا يكاد يوجد بيت لا يذكر فيه اسمها. هكذا بدأ رشيد الغناء، في المراهقة، باستعادة نصوص وألحان الرّيميتي، خصوصا أغنيتها الشّهيرة «نوار»، التي أعادها كثير من المغنين بعدها، حيث تعتبر بمثابة «الختم»، المفتاح لولوج بيت الرّاي، ومن لا يقدر على إعادة تأدية أغنية «نوّار»، سيصعب عليه تأدية أغان أخرى.
لم يعش رشيد طفولة كاملة في الجزائر، ففي سنّ العاشرة، سيضطر للهجرة، مع أهله، إلى فرنسا، وكان ذلك حال مئات الآلاف من الجزائريين، فبعد الاستقلال، لم يكن الوضع الاقتصادي مريحاً، مما اضطر أفراداً وأحياناً عائلات بأكملها، للهجرة، إلى شمال المتوسط، بحثاً عن فرص عيش أفضل. وفي فرنسا لم يجد رشيد طه اليافع صدى الرّاي، ولا أحد هناك كان يسمع بهذه الموسيقى، بينما في الجزائر، مع مجيء الرّئيس هواري بومدين، فرضت الرّقابة على مغني الرّاي، ومنعوا من الرّاديو ومن التلفزيون، هذه كانت أول قطيعة للرّاحل مع أصوله، وفي فرنسا كان عليه أن يتأقلم مع وضع آخر، وموسيقى أخرى، ووجد نفسه أقرب إلى الرّوك، برفقة مهاجرين مثله، واستمرّ في ذلك سنوات، إلى غاية 1986. وهو عام مفصلي في تاريخ الرّاي، سيُقام فيه أول مهرجان للرّاي، الذي جاء من فرنسا، قبل أن تضطر الجزائر إلى تدارك الهفوة، وتنظم عاماً من بعده مهرجانا آخر للرّاي. في 1986، وبعد 18 سنة من هجرته، سيكتشف رشيد طه وجهاً جديداً، للبلد الذي تركه خلفه، والأهمّ من ذلك أنه سيتعرّف على مغني موجة التّسعينيات، ويستعيد، شيئاً فشيئاً، الخيط الذي كاد أن يضيع منه في علاقته بالرّاي.
مع العام الأوّل من التسعينيات، ظهر الثّنائي «فضيلة وصحراوي»، أشهر ثنائي في الرّاي، واللذان بعد نجاحهما السّريع في فرنسا، واصلا جولات فنية عالمية، وأوصلا الرّاي إلى دول اسكندنافية ثم إلى أمريكا، ثم جاء الشّاب خالد، ومعه في نفس الفترة الشّاب مامي، هذا الأخير كان – في البداية – يحظى باحترام أكثر من خالد، قبل أن تنقلب الأمور، عقب فضيحة اعتدائه على صديقته السّابقة. ومنذ وصولهما إلى فرنسا، عمل خالد ومامي، كلّ واحد من جهته، على إبراز اسمه، دخلا في صراع خفيّ، وكلّ واحد منهما ذهب للعمل مع منتج فنّي مختلف، هذا الخلاف، الذي لا يزال مستمراً لحدّ السّاعة بين الرّجلين، سيكون في مصلحة رشيد طه، ففي عام 1998، كان المغني قد أصدر أغنية «يا لرايح» (التي أقتبسها عن مغني الشّعبي دحمان الحراشي)، بينما شركة الإنتاج باركلاي تريد أن تصدر ألبوماً مختلفاً، مستفيدة من نجاحات الرّاي، وفكّرت في الجمع بين الشّاب خالد والشّاب مامي، ولكي تكون الخلطة متوازنة أضافت للثّنائي مغنّياً ثالثاً، له خصوصية أخرى، أنه ولد في فرنسا، ويقدّم راياً أقرب للجالية الكبيرة هناك، ووجدوا ضالتهم في المغني الشّاب فضيل، هكذا كان سيكون مشروع ألبوم وحفل «1.2.3 سولاي (شموس)»، بين خالد ومامي وفضيل، ولكن مامي رفض، لم يرد أن يظهر مع خالد، معتداً بنجاحاته الواسعة آنذاك، وأعماله مع مغنين كبار(من بينهم ستينغ لاحقاً)، فتمت الاستعانة، في نهاية المطاف، برشيد طه، الذي خلف مامي، وساهم في نجاح أشهر ألبوم راي لحد السّاعة، مع خالد وفضيل، كما إن مشروع «1.2.3 سولاي»، أعاد ربطه مع أصوله في الرّاي، وبقي يشتغل في التلحين وفي مزاج الرّاي، مع إيقاعات أخرى، ليخرج بالأشكال المناسبة، لهذه الموسيقى، فقد ظلّ يمارس شغفه في الرّاي، مثل صبي يلعب، وفي الجهة الأخرى، يغني ويلحن الروك، لأنها الموسيقى الأكثر رواجا تجاريا، والتي توفر له دخلاً. مثلما عاش، في صغره، يمارس مهناً صغيرة، كي يعيش، فقد كبر رشيد طه، يغني الروك كي يحيا، ويطوّر الراي، في السرّ، كشغف لا يملّ منه.

 

القدس العربي  

شوهد المقال 2615 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

محمد شوقي الزين ـ البَاريدُولْيَا أو علم تصاريف الصورة

 د.محمد شوقي الزين هل البحثُ عن شيءٍ من شبيه الجنس البشري هو إجراء نرجسي أم ثابتة بيولوجية وأنثروبولوجية قديمة قِدَم الوجود الإنساني في الأرض؟ ندخل
image

فوزي سعد الله ـ البناية الصامتة تحت أقدام الأمير عبد القادر الجزائري

فوزي سعد الله   في ساحة الأمير عبد القادر الجزائري بالعاصمة الجزائرية، توجد بناية جميلة من أهم بنايات هذه البقعة، لكن قد تكون الأقل
image

يسين بوغازي ـ خالد نزاز يتوعد الجزائريين برصاص الأسطول الفرنسي! قراءة موسعة قليلا ؟

يسين بوغازي     أن يتوعد جنرالا متقاعدا شعبا برمته برصاص أسطول عدوه الأول فتلك طامة كبرى، وان يلقى خطابا (1) يفيض كراهية ويحث
image

نجيب بلحيمر ـ الثورة السلمية.. بصرها اليوم حديد

نجيب بلحيمر   بثبات تسير الثورة السلمية نحو تحقيق أهدافها, وعلى طريقها أسقطت كل رهانات السلطة ومناوراتها, بداية من إفشال محاولتين لتمديد عمر النظام عن
image

فوزي سعد الله ـ ساحة الشهداء..."لو نْعِيدْ هْمومي نْعَمَّر ألْف كْتابْ...لو نْعِيد مْحَانِي للبَاكْمِينْ يَدْوِيوْ..."

فوزي سعد الله   عندما كان سيدي محمد بن الشاهد وسيدي أحمد بن عمار، المفتيان المالكيان الشاعران في مدينة الجزائر العثمانية، والرايس حميدو بن
image

زازي سادو ـ القطيعة مع النظام لا تعني الكارثة ، ولا المواجهة

د.زازي سادو  إنَّ المطلب القَوِيّ للقطيعة مع النظام والذي حمله الحَراك الشعبي المكثف،يبدو أنه مَحْجوبٌ عن قسم كبير من السياسيين والمجتمع المدني والنخبة التي تحاول
image

نجيب بلحيمر ـ أيها الأعزاء.. هنا يوجد شعب

نجيب بلحيمر   يبني بعض المثقفين والسياسيين الذين يقدمون أنفسهم كمعارضين, موقفهم الداعم للحوار بالصيغة التي طرحها بن صالح في خطاب 3 جويلية الماضي, على
image

علاء الأديب ـ لمحات تأريخية عن الفن المسرحي في تونس

علاء الأديب يعتبر المسرح من أهم الدلالات التي تشير إلى حضارة البلدان وتحضّر شعوبها في أيّ مكان من هذا العام .ولكوني مهتم بالشأن التونسي باعتبار هذا
image

محمد محمد علي جنيدي ـ أخي العربي

محمد محمد علي جنيدي- مصر            أخي العربيُّ في أمرٍ يُحاذرُ سطوةَ الشَّرِّ يُغالبهُ وقد أبقى رهانَ القتلِ والنَّحرِ يحومُ الذِّئبُ بالبئرِ ويقضي الليلَ في أمرِ!
image

اليزيد قنيفي ـ دور الإعلام في زمن الحراك الشعبي..‼

اليزيد قنيفي في ظل التحول والمخاض الذي تعيشه البلاد يجدر بنا طرح السؤال عن دور الصحافة في هذا الظرف الدقيق .. مرئية كانت أو مكتوبة

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats