الرئيسية | من الصحافة | حميد زناز ـ تحول المقدس إلى فتنة معاصرة أمين الزاوي يرسم في خمسين لوحة محنة العالم مع الأصولية الإسلامية ومحنة الجزائر على وجه الخصوص مع التدين الزائف.

حميد زناز ـ تحول المقدس إلى فتنة معاصرة أمين الزاوي يرسم في خمسين لوحة محنة العالم مع الأصولية الإسلامية ومحنة الجزائر على وجه الخصوص مع التدين الزائف.

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

 حميد زناز 

 "علبة الإسلام السوداء، المقدس والفتنة المعاصرة" ذلك هو عنوان كتاب الروائي الجزائري أمين الزاوي الصادر أخيرا عن دار تافت بالجزائر. في 154 صفحة وبلغة فرنسية راقية يستنطق الكاتب الشهير الواقع الجزائري – والإسلامي المأزوم ويتساءل عن الأسباب التي جعلت مجتمعه يصاب بمرض التدين الشكلي ويبتعد كثيرا عن الروحانية والالتزام الديني العاقل مثله مثل باقي المجتمعات المسماة عربية-إسلامية.

وكما وعد الكاتب القارئ منذ البداية، لم يتردد في مساءلة المسكوت عنه حتى النهاية. هذا المسكوت عنه الذي يغتصب الحلم ويعطّل تقدم المجتمع الجزائري وازدهاره والمجتمعات الإسلامية بشكل عام، إذ كل مسلم أو كل من يعيش في بلد إسلامي محكوم عليه أن يكون رهينة الشريعة وفقهائها. والشريعة عنف فكري واعتداء على الحياة الخاصة للأفراد وقمع ثقافي للمواطنة. وهي العدوة اللدودة للأنوثة والحياة ولكل ما هو جمال وإبداع. لقد أفرغت الشريعة الإسلام من عمقه الروحي وانفتاحه على العالم ووضعته بين مخالب السياسويين والتجار.

في مجتمع تهيمن فيه الشريعة ورجال الدين، يقول الكاتب أمين الزاوي، يجد المسلم نفسه مسيّجا بترسانة من النصوص الدينية المتناقضة فيصبح مرتبكا، تائها، منقطعا عن محيطه العالمي على الدوام.

لا يجامل أمين الزاوي الخطاب السائد ولا يتستر وراء المصطلحات الفضفاضة والتنظير كما يفعل آخرون، بل يعلن موقفه منذ البداية كاتبا أن مشروعه مشروع تنويري يروم الدفاع عن قيم المواطنة، إذ الوطن أرحب من الدين كما يقول ويبدو جليا عبر صفحات الكتاب.

في خمسين لوحة رسم أمين الزاوي محنة العالم مع الأصولية الإسلامية ومحنة الجزائر على وجه الخصوص مع التدين الزائف، ذلك المرض العضال، من خلال المعايشة والملاحظة والتأمل والرفض لما وصل إليه البلد من تعاسة ثقافية وفكرية وروحية وأخلاقية. مجتمع ساد فيه النفاق الاجتماعي وبات لا يحترم الآخر المختلف ولا يعترف بحقوقه الفلسفية والعقائدية.

 

 

 المجتمع الذي لا يتمتع أفراده بقراءة الروايات والشعر والفلسفة والتاريخ، لا يمكنه أن يصل إلى قراءة صحيحة لكتابه المقدس

  ويعود معظم هذا العسر في رأي صاحب “علبة الإسلام السوداء” إلى نظرة المسلمين الباتولوجية إلى تاريخهم. ذلك التاريخ الثابت، الخامد الذي أصبح عبئا يعيق حركتهم. التاريخ هو الماضي في عرف المسلمين، ماضيهم الذي ينظرون إليه بقدسية وتعظيم وتمجيد وبلا تبصر أو نقد. بدل دراسته وتمحيصه، يعود المسلم إلى ماضيه ليسكنه وليعيده إلى الحاضر وليصنع منه مشروعا لمستقبله.

في غياب قراءة حقيقية لتاريخ الديانات ودراسات مقارنة، لا يمكن للمسلمين وضع كتابهم المقدس في سياقه التاريخي ومن ثمة السقوط في تلك القراءات الضالة المؤدية إلى الانتحار الفكري.

فالمجتمع الذي لا يتمتع أفراده بقراءة الروايات والشعر والفلسفة والتاريخ، يكتب أمين الزاوي، لا يمكنه أن يصل إلى قراءة صحيحة لكتابه المقدس. لقد وصل المجتمع الجزائري، حسب الكاتب، إلى مرحلة يتحدث كل الناس فيها عن الدين، غدا كل واحد فقيها، إماما او مفتيا. لقد تم تديين كل شيء كما يبدو من الاستعمال المبالغ فيه لعبارة “إن شاء الله” بمناسبة وغير مناسبة. مجتمع لا تكاد تفرق فيه بين ممارس الطب وممارس الرقية.

 لقد وصل عددها في الجزائر إلى أكثر من 30000 ومع ذلك يستمر بناء المساجد دون مبرر. مساجد سرية أحيانا يرتادها المتزمتون ومساجد في المنازل يلتقي فيها أصحاب الطوائف الدينية الممنوعة في البلد. وأيا كان توجه المسجد، فهو يرد سبب كل المصائب الاجتماعية والأخلاقية والاقتصادية إلى المرأة المرتدية بنطلونا أو التي تمضغ العلكة في الشارع.. وحتى العنف في المدارس سببه الاختلاط حسب معظم أئمة تلك المساجد.

ولا ينزل هذا الخطاب المادي للأنوثة من السماء بل من الفضائيات الإسلاموية ومن دعاة الأزهر وخاصة الإخوان المسلمين الذين فتحت لهم السلطات الجزائرية قناتها التلفزيونية الوحيدة ليؤسلموا الجزائريين ابتداء من منتصف الثمانينات. لقد بلغ السيل الزبى حينما جعل الرئيس الشاذلي بن جديد الإخواني محمد الغزالي وصيا على عقيدة الجزائريين وإيمانهم.

 نحن نعيش زمن شعوذة لأن دين الفقهاء انتصر على دين الله، لقد ضيعنا دين رابعة العدوية وابن عربي والسهروردي والحلاج.. يقول الدكتور الزاوي إنه عندما يتحدث عن “المجتمع المؤسلم”، فهو يقصد أن معظم الافكار والقيم المنتشرة بين أغلب الناس في هذا المجتمع آتية من الأيديولوجية الداعشية.


 ويلاحظ أن الدعوشة باتت واضحة في المجتمع الجزائري وتتجلى في العنف ضد المرأة وتهميشها وتشييئها وفي الكسل وعدم احترام الوقت وبصفة عامة في الحزن المخيم على المدن التي أصبحت تعيش كأنها في حداد أبدي.

لقد سمم الإخوان المسلمون مدننا، غسلوا أدمغة أطفالنا، هاجموا نساءنا، مساجدنا، لغاتنا، عاداتنا، مقاهينا، ملاعبنا.. يكتب أمين الزاوي ويضيف أن الشارع قد تصعلك وترّيف شيئا فشيئا وسادت فيه الكراهية والعنف.

ويميز أمين الزاوي بين فهمين للإسلام في الجزائر: إسلام المعربين وإسلام المفرنسين، فالمعرب بقي رهينة أيديولوجيا تبثها كتب ابن تيمية وسيد قطب ويوسف القرضاوي والبوطي وخالد محمد خالد والغزالي… في حين بقي القارئ بالفرنسية محتفظا بهامش من الحرية يضمنها الكتاب الجزائري المنشور باللغة الفرنسية.

فالفرنكوفوني المهتم بالكتاب الديني هو في غالب الأحيان قارئ أدب محلي وعالمي، رواية، فلسفة، تاريخ… وهو ما حافظ على بعض جزائريته وأصالته الدينية مقابل المعرب الغارق في أيديولوجية الإخوان المسلمين المسربة عبر الكتب التي تصل إلى الجزائر من دور النشر الدينية الرديئة المصرية، السورية، السعودية، الأردنية واللبنانية…

وعموما، يرد الكاتب أمين الزاوي أزمة الجزائريين والمسلمين إلى عدم الفصل بين الدين والدنيا، غياب العلمانية كأسلوب حياة اجتماعي، كوسيلة تفكير، كثقافة سياسية.

ولكن ما العمل؟

 ينبغي، حسب صاحب “علبة الإسلام السوداء” أن تتوفر الشجاعة الكافية للبدء في تطهير نصوص التراث الديني من أفكار التحريض. حان الوقت لتحرير النصوص الدينية من ثقافة الحرب والمغامرة من أجل العودة إلى ثقافة “العيش معا”.

لا مفر من العودة إلى إسلام التنوير ولا يكون ذلك سوى عبر الفلاسفة العقلانيين، أحفاد وورثة أبي بكر الرازي، ابن رشد، ابن سينا، ابن الراوندي، ابن مسكويه… والعودة إلى إسلام الثقافة عبر الشعراء، أصحاب الرؤى الحالمة كبشار ابن برد، عمر ابن أبي ربيعة، المتنبي والشريف الرضي.. كما يجب العودة إلى إسلام الموسيقى من خلال الموسيقيين الذين يضفون على التأمل معنى روحيا، ويسافرون بنا نحو عوالم أخرى دون قيد أو شرط أو حدود بلا كره وبلا خوف أمثال الفارابي، زرياب، سيد مكاوي، فيروز… نحن في حاجة ملحة إلى تدريس تاريخ الشعوب والأديان بطريقة بعيدة عن الكراهية والأحكام المسبقة من أجل تكوين مخيال جديد لدى المسلم وبناء مستقبل دون حروب، و ضرورة إصلاح المسجد الذي تحول إلى مؤسسة فتنة وتحريض وكراهية للمختلف، والعمل على بناء مجتمع حديث تكون فيه المواطنَة الدين الوحيد الذي يجمع بين كل الناس.

 

جريدة العرب اللندنية  

شوهد المقال 3432 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

حكيمة صبايحي ـ القاضي سعد الدين مرزوق (لا قضاء ولا محاماة..دون استقلالية عن السلطة التنفيذية ..!!

د. حكيمة صبايحي  إذا كان ارتداء جبة القضاء والتنسك بمحرابه المقدس وتصريف رسالة العدل السامية والسماوية في الأرض شرف ما بعده شرف ، فإن الافوكاتية التي
image

عبد الجليل بن سليم ـ مشروع الدستور حماية الدولة من نفوذ موظفيها حماية الدولة من النفوذ الخارجي

د. عبد الجليل بن سليم  للمرة الخامسة أعيد قراءة مشروع الدستور المطروح لاستفتاء يوم الفتح من نوفمبر المقبل و حاولت أن أقنع نفسي بان هدا الدستور
image

مرزاق سعيدي ـ بعيدا عن الرؤية بعين واحدة..

مرزاق سعيدي  لماذا يتعلق الجزائري بالمتغيّر وليس بالثابت، في الغالب، ويركز على الآني وليس على الإستقرار، ويستثمر في الكماليات وليس في الضروريات، ويجري خلف سيّارة جديدة،
image

زهور شنوف ـ الأرض والشعب يحتاجان للحرية في الجزائر

زهور شنوف   النائب الذي استقال من اجل خيار الشعب في السجن، الصحفي الذي اصر على اداء واجبه الوظيفي بأمانة تجاه الشعب في السجن، القاضي الذي انتصر
image

عثمان لحياني ـ ونوغي..عض الأصابع

عثمان لحياني  على اقتناع تام أن ما كان يقوم به العربي ونوغي كمدير لوكالة النشر والاشهار، هو جهد شخصي وتصور نابع من مزاج ذاتي وليس سياسة
image

رشيد زياني شريف ـ من ثمرات الحراك الجزائري المباركة، جامعة بورشات للأعمال التطبقية

د. رشيد زياني شريف  ما حققه الحراك من حيث الوعي يفوق مئات المحاضرات الراقية والحوارات السياسية المفعمة والخطب البلاغية العصماء والمقالات الموثقة، بل أصبح الحراك أكثر
image

نجيب بلحيمر ـ مخلفون

نجيب بلحيمر  إعلان بعض الأحزاب السياسية تصويتها على "الدستور" بـ "لا" يعبر عن قناعتها باستمرار توازنات ما قبل 22 فيفري، وحتى إن كانت الأحزاب قد عجزت
image

جلال خَشّيبْ ـ قراءة في كتاب " "القيادة وصعود القوى العظمى" للبروفسور الصيني يان شيتونغ : "رؤيةً من الصين"

د. جلال خَشّيبْ  حصلتُ أخيراً على هذا الكتاب القيّم والجديد (2020) "القيادة وصعود القوى العظمى" للبروفسور الصيني يان شيتونغ، الذّي أعددتُ سابقاً ملخّصاً لدراسة مُطوّلة كُتبت عنه
image

محمد نايلي استاذ في عمر 71 سنة معتقل بسجن العوينات ولاية تبسة ..الجزائر الجديدة

التنسيقية الوطنية للدفاع عن معتقلي الرأي‎  عمي #محمد_نايلي أطال الله في عمره الإنسان الطيب الاستاذ المحترم صاحب ال 71 سنة قابع

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats