الرئيسية | من الصحافة | ناصر جابي ـ الجزائر: فساد في صيف سياسي حار

ناصر جابي ـ الجزائر: فساد في صيف سياسي حار

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

د. ناصر جابي 

 


 

الصيف من الناحية السياسية لم يكن دائما هادئا في الجزائر. فقد احتُل البلد في الصيف وحصل على استقلاله في الصيف وقام بانقلاباته الأولى في الصيف، وتم اغتيال رؤسائه في الصيف ودخل حالة الاضطراب السياسي أكثر من مرة في الصيف. لهذا فإن صيف 2018 لن يكون الاستثناء عندما نقول إنه سيكون صيفا حارا من الناحية السياسية، والبلد على أبواب انتخابات رئاسية العام المقبل.
ما ميز صيف هذه 2018 هو انفجار فضيحة القبض على كمية مهولة من الكوكايين (سبع قناطير)، أدت تداعياتها الأولى إلى إقالة مدير الأمن الوطني التي كانت بعض السيناريوهات ترشحه لاحتلال موقع رئاسة الجمهورية في حالة تعذر ترشح بوتفليقة. فالرجل كان يملك مؤهلات كثيرة ترشحه الى هذا الموقع المهم، على رأسها انتماؤه الى ولاية تلمسان مثل بوتفليقة، كما كان يستطيع ان يضمن السيطرة الجهوية على نظام الحكم التي عمل بوتفليقة على تثبيتها، منذ وصوله إلى الحكم في 1999. زيادة على خلفيته العسكرية وانتمائه الى جيل جديد شاب نسبيا ـ بالمقاييس الجزائرية ـ الذي شاخت فيه النخبة الحاكمة (من مواليد 1955).
بوتفليقة الذي رسخ المنطق الجهوي وهو يقيل الرجل الذي كان الكثير من المؤشرات يؤكد أنه كان قريبا جدا منه. لنكون أمام هذه الصورة، تلمساني (بوتفليقة) يقيل تلمساني (الهامل) ويعين تلمساني آخر على رأس مديرية الأمن الوطني العقيد مصطفى الهبري، المؤسسة التي يجب أن تبقى بالمنطق الجهوي السائد تحت سيطرة أبناء الجهة، في انتظار أيام الحسم السياسي القريبة. على غرار مؤسسات سيادية كثيرة عسكرية ومدنية، بعد أن وصلت الجهوية إلى مستوى شطط لم تصله في السابق، رغم أن النظام السياسي الجزائري كان دائما جهويا في منطق تسييره، فبوتفليقة لم يخترع الجهوية، لكنه أوصلها الى حدودها القصوى خلال فترة حكمه، التي تزامنت جزئيا على الأقل، مع ضعفها كظاهرة لدى الأجيال الأصغر سنا من الجزائريين.
بالفعل فإن حرارة هذا الصيف مثل تداعيات فضيحة الكوكايين، ذات ارتباط واضح بالانتخابات الرئاسية المقبلة، التي من المقرر أن تحصل في ربيع 2019، ليتم التحضير لها عمليا خلال هذا الصيف الحار سياسيا، بعد أن انطلقت حملتها الانتخابية بطريقة غير رسمية منذ منتصف هذه السنة. حملة انتخابية سترتفع وتيرتها بالتأكيد بداية من الخريف المقبل، في انتظار الإعلان عن الترشح الرسمي لها من قبل الرئيس الحالي، كما جرت العادة عنده في تأخير الإعلان عن ترشحه الرسمي، فقد تعودت الجزائر على حملتين انتخابيتين واحدة غير رسمية تقودها الأحزاب الموالية والكثير من مؤسسات الدولة، تنطلق شهورا عديدة قبل انطلاق الحملة الرسمية التي تتأخر لغاية الشهور الأخيرة. 
حملة انتخابية لن يتم فيها الحديث كثيرا عن الفساد، رغم ذلك، كما كان الحال في الحملات الانتخابية السابقة، فقد تكيًف النظام السياسي وحتى جزء مهم من المجتمع مع الفساد بكل اشكاله، ناهيك عن الطبقة السياسية التي تحول جزء منها الى رابط موضوعي بين الفساد المالي والسياسة. بعد ان تغول الفساد، كما ظهر في فضيحة الكوكايين التي بينت بعض المعطيات الإعلامية، وما هو مسكوت عنه حتى الآن، الذي يمكن ان تكشف عنه محاكمة المتهمين التي قد تتأخر إلى أجل غير مسمى، على الأقل إلى غاية ما بعد الانتخابات الرئاسية، حتى لا تشوش عليها وعلى الكثير من الفاعلين السياسيين، الذين يمكن ان تُذكر أسماؤهم في التحقيقات، هم أو أبناؤهم الذي تحول جزء مهم منهم الى رجال ونساء أعمال بفضل بركات الأب ودعواته، بعد ان أصبح الفساد يمشي في الشوارع في وفود رسمية، كما بينت صورة المتهم الرئيسي وهو «يتبختر « مع وفد حكومي اثناء تدشين مشاريع السكن الأخيرة، بجوار أكثر من وزير في إطار حملة انتخابية رئاسية استباقية.
فساد لا يمكن عزله عن طرق تسيير النظام السياسي نفسه، كما هو حال الجهوية والمحاباة وعدم احترام القانون وما يرافقها من شلل في عمل المؤسسات الكثيرة المكلفة رسميا بمراقبة الفساد ومحاربته. فكيف يمكن تفسير عجز هذا الكم الهائل من المؤسسات وهي ترى أن إنسانا فقيرا بل معدما يتحول في رمشه عين إلى أغنى أغنياء الجزائر، بدون أن تسأله السؤال الغبي الذي يتكلم عنه الكثير، وبدون ان يطبقه على ارض الواقع، من أين لك هذا؟
فساد تؤكد الكثير من المؤشرات انه ينخر ويخترق مؤسسات الدولة الباطن منها والظاهر، يتبارى الجزائريون في ذكر تفاصيله في جلساتهم اليومية، بدون أن يتجاوز في أحسن الحالات مرحلة الاستغراب والاستهجان المحتشم. فقد بينت المعطيات الأولية للتحقيق في قضية الكوكايين وعدة حالات سابقة (قضية بنك الخليفة). إن هؤلاء الأغنياء الجدد قد تحولوا فعلا إلى عامل اضطراب رئيسي داخل السياسي الذي لم يتعود على حضورهم الكثيف بهذا الشكل. فقد بينت حالة «البوشي» (الجزار) في قضية الكوكايين التي انفجرت منذ أسابيع، أن تاجر لحوم متواضع بمستواه التعليمي وأصله الريفي الفقير، يستطيع بسهولة وبعد وقت قصير أن يصل إلى عمق مؤسسات الدولة، ليعيث فيها فسادا. يرتشي ويرشي ليس الأب الموظف والمنتخب والمعين من أسلاك الدولة المختلفة، بل أبناءهم وبناتهم كذلك، كما تكلمت عن ذلك وسائل الإعلام. لنكون أمام مستوى آخر للفساد يتعلق هذه المرة بإعادة إنتاجه اجتماعيا عن طريق الجيل الجديد من الأبناء والبنات، يراد له أن يتحول إلى قدر محتوم مستقبلا للجزائر، التي تتجه نحو النموذج المافياوي الروسي الذي أصبحت تشبهه في أكثر ملمح. بعد أن أنتجت التجربة الاشتراكية السوفييتية مئات الآلاف من أصحاب المليارات من رحم النظام الاقتصادي الاشتراكي، تماما كما هو حال الجزائر في السنوات الأخيرة، مع بروز تأكد ترسيخ هذا الاقتصاد السياسي للفساد، الذي ارتبط بعملية انتقال الاقتصاد التي باشرتها بتعثر الحالة الجزائرية منذ بداية التسعينيات.
فساد تبين مع الوقت أن لا إرادة ولا حتى نية سياسية في محاربته، رغم كثرة المؤسسات الرسمية المكلفة بمحاربته شكليا. سيكون من الصعب محاربته مستقبلا إذا استمر تغوله بهذا الشكل. بعد ان غزا مؤسسات الدولة ونخر ثقافة المجتمع الجزائري الذي أصبح أكثر تسامحا معه وتفهما له. لدرجة تلاشت فيها الحدود بين «القفازة «(الشطارة) والسرقة بل النهب خاصة عندما يتعلق الأمر بالمال العام الذي يتحول بسرعة فائقة إلى مال خاص عن طريق الفساد في جزء كبير منه. 

 

 

القدس العربي 

شوهد المقال 633 مرة

التعليقات (1 تعليقات سابقة):

ابن الجزائر في 01:09 05.07.2018
avatar
هذا الفساد الكبير الذي افسد الجزائر دولة وشعبا وكيانا و يكاد ان يدمر البلاد لا سمح الله سببه الرئيسي الرئيس بوتفليقة لانه عندما جيئ للحكم بدا بتعيين كل اقاربه وابناء عشيرته وابناء تلمسان وزرع جهوية لامثيلة لها وكانها الابارتايد الجنوب افريقي وجعل من اخيه السعيد بوتفليقة ربا يجب تقديسه اذا اردت ان تحصل على منصب مثل رئيس دائرة او والي او حتى وزير وكل من عينهم بو تفليقة في مراكز الحكم كانوا تسعون في المئة تلمسانيون واصولهم اكثرهم مغاربة حثالى وكلهم فاسدون مفسدون ولكن الله يمهل ولايهمل وانتقم منه في الدنيا قبل الاخرة وجعله اضحوكة للكبير والصغير

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

ناصر بن غيث ـ الضمير الإنساني المشترك

 د. ناصر بن غيث كتب بتاريخ 2012-09-18   حالات التطاول الغربية المتوالية على الرموز الدينية للمسلمين لا يمكن قراءتها كما تدعي الحكومات الغربية على أنها
image

سامي خليل ـ الحرف اللاتيني لكتابة الأمازيغية تفكيك قادم لجغرافية الجزائر

سامي خليل   من يسكت على فرض محافظة عصاد الحرف اللاتيني لكتابة الامازيغية فهو يشارك في اخطر جريمة ضد الجبهة الداخلية و الامن القومي. نحن
image

أسامة بقار ـ تعليقات حول مسألة تبني الأبجدية اللاتينية كأبجدية كتابة اللهجات البربرية

 أسامة بقار  أثار تصريح رئيس المحافظة السامية للأمازيغية حول تبني هذه المؤسسة للأبجدية اللاتينية كخط لكتابة اللهجات البربرية بين رافض لها ومرافع لتبني
image

السجين السياسي والناشط الحقوقي. عبدالله بن نعوم، سيدخل في إضراب عن الطعام ابتدءا من 18 سبتمبر 2018

#رسالة_الى_الراي_العام السجين السياسي والناشط الحقوقي. عبدالله بن نعوم،سيدخل في إضراب عن الطعام ابتدءا من 18 سبتمبر 2018في رسالة الى رأي العام عموما، و إلى السلطات
image

رياض حاوي ـ التفكير كخبير اقتصادي: دليل القرار العقلاني (6)

 د. رياض حاوي  المبدأ الرابع: تغيير جزء في النظام الاقتصادي سيكون له انعكاسات كبيرة في اجزاء اخرىa change in any one part of an economic system
image

يسين بوغازي ـ خريف الجنرال الرئاسي

  يسين بوغازي   كان صمتا مريبا ذاك الذي استمسكه الجنرال الاطول مكوثا فى كرسي مديرية الامن والاستعلام الآفلة ؟
image

مادونا عسكر ـ عذوبة وصلاة وقناديل

  مادونا عسكرـ لبنان             (1) ارمِ نفسك داخل القنديل واخترق لظى النّور واحترق غِب وأنت حاضر واحضر وأنت
image

مصطفى يوسف اللداوي ـ رئاسةُ بلديةِ القدسِ للأكثرِ تطرفاً والأشدِ يمينيةً

 د. مصطفى يوسف اللداوي هل انتهت مرحلة نير بركات رئيس بلدية القدس
image

اليزيد قنيفي ـ تأملات..!!

  اليزيد قنيفي ما من مشكلة أو أزمة أو مرض أو ألم يمرّ بنا إلا ونتعلم منها الصبر والتحمل والتعايش ..يزودنا العليم الحكيم  بطاقة هائلة من الأمل
image

رائد جبار كاظم ـ ديني لنفسي ودين الناس للناسِ

د.رائد جبار كاظمكثيرة هي المواقف التي تواجه الانسان في حياته اليومية باختلاف الالوان والاشكال والطبيعة البشرية، والحكيم والعاقل من يواجه تلك المشكلات والمواقف بوعي تام

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats