الرئيسية | من الصحافة | ناصر جابي ـ صيام… مخدرات وفساد في الجزائر

ناصر جابي ـ صيام… مخدرات وفساد في الجزائر

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

د. ناصر حابي

 يتزامن شهر الصيام في الجزائر كل سنة، مع حجز كميات مهولة من المخدرات على الحدود وداخل البلد، تعكس بعض وقائعها وسائل الإعلام وتدخلات المؤسسة الأمنية. واقع له علاقة مباشرة بشهر الصيام وشكل التدين السائد اجتماعيا في البلد. ففي شهر الصيام يلجأ الكثير من الجزائريين إلى المخدرات، بدل المسكرات الأخرى من السوائل التي ينعدم التسامح معها خلال شهر الصيام، عكس المخدرات التي تزيد نسبة استهلاكها، كما تؤكده كمية المحجوزات قبيل كل رمضان.
المخدرات التي يزيد عليها الطلب في سهرات رمضان، بعد ان تم الترويج، منذ سنوات لنوع من التسامح معها دينيا، يكون قد قال به بعض «رجال الدين»، كجزء من ثقافة شعبية «متسامحة» مع المخدرات الأكثر انتشارا في الجزائر، وكل المنطقة المغاربية… الحشيش، بعد أن استطاع الإسلام السياسي وأشكال التدين الجديدة، تجنيد الكثير من الفئات الشعبية الشابة التي حملت معها ثقافتها، بما فيها استهلاك المخدرات التي تتميز طقوس استهلاكها بنوع من «الفردانية» لا تستفز التدين الاجتماعي السائد، الذي يمنح أهمية قصوى للمظهر الخارجي والعلني المرتبط به. تدين جماعي يتطوع كل جزائري إلى مراقبته وإقامة الحد إذا لزم الأمر في هذا الشهر الذي يصوم فيه المجتمع وليس الفرد.
لكن ما حصل منذ أسبوع في ميناء وهران، بعد حجز كمية مهولة من الكوكايين (700 كلغ)، يتجاوز هذا المستوى من التحليل الاجتماعي أو الديني، الذي أصبح عاديا ويتكرر كل سنة. فما حصل في ميناء وهران يلخص كل التحولات التي عاشها ويعيشها المجتمع الجزائري والنظام السياسي والأزمة الخانقة التي يتخبط فيها. فالإعلان عن حجز هذه الكمية المهولة من الكوكايين التي تفوق قدرة استهلاك السوق الجزائرية، على حسبما هو شائع عن استهلاك الجزائريين، تم من قبل وزارة الدفاع الوطني، وليس المؤسسة الأمنية او الجمارك. كما كان يحصل في مثل هذه الحالات. فالأمر إذن تطلب تدخل قيادة المؤسسة العسكرية، ما يؤكد خطورة ما حصل وتجاوزه الخطوط الحمر المتعارف عليها، داخل هذه السوق غير المرئية.
المعلومات المتوفرة حتى الآن حول خلفيات ما حصل، تؤكد أن رجل أعمال صغير في السن، من أصول شعبية متواضعة جدا، هو الذي يكون قد حاول تمرير هذه الكمية من الكوكايين، الجديدة في السوق الجزائرية، كمخدر غير تقليدي. ارتبط ظهوره في كل العالم ببروز فئة من الأغنياء الجدد وحديثي النعمة الذين التصق بهم وبنمط حياتهم الجديد كاستهلاك. يفوق بكل تأكيد قدرة الفئات الشعبية المالية، التي تعودت تقليديا على استهلاك الحشيش، الذي يكون قد ازداد هو الآخر وانتشر عند فئات لم تكن معروفة به في الجزائر. التي تحولت في وقت قصير، من مجتمع عبور للمخدرات، إلى مجتمع منتج ومستهل! فلماذا لا تتحول من الحشيش إلى الكوكايين؟
مسار الرجل المتهم، كما عكسته المعطيات الإعلامية المتوفرة حتى الآن، تؤكد أنه ابن هذا النمط الاقتصادي المشوه، الذي أفرزته التحولات التي عاشتها وتعيشها الجزائر. فالرجل رسميا يقوم بأكثر من نشاط اقتصادي، يتراوح بين الأسود، الرمادي والأبيض. فهو رسميا بائع ومستورد للحوم المجمدة من دول أمريكا اللاتينية، انتقل نشاطه من بيع اللحوم إلى البناء والترقية العقارية، التي دخلها من باب الاستحواذ على عقارات قديمة في أرقى أحياء العاصمة، وتخصص في هدم بناياتها القديمة (من العهد الاستعماري) وإعادة بنائها على شكل عقارات فخمة جديدة، لتلبية طلب حديثي النعمة مثله، من الأغنياء الجدد الذين يريدون دخول الأحياء الراقية للمدن الكبيرة، التي كانوا لا يستطيعون لوقت قريب حتى المرور فيها، أو ارتشاف قهوة في مطاعمها. إنه نوع من الانتقام الاجتماعي- الطبقي الذي يقوم به الأغنياء الجدد، وهم يقومون باغتصاب المدينة الجزائرية، هم أبناء الريف والفقراء.
الرجل إذن ينشط في أهم قطاعين لتبييض الأموال، وكل أنواع الفساد المرتبط بهما في الجزائر. الذي يتجاوز المستوى الاقتصادي والمالي ليصل إلى المستوى السياسي. فنحن في نهاية الأمر أمام درس في الاقتصاد السياسي للفساد، على الطريقة الجزائرية من خلال هذه الحادثة المرتبطة بشحنة الكوكايين والشخص المتهم بإدخالها الى إلجزائر. المعروف في الحالة الجزائرية لهذا الاقتصاد السياسي للفساد، ان الذي يريد «الاستثمار» في العقار بهذا الشكل عليه التقرب من مركز السلطة المحلية التي يمثلها رئيس البلدية وكل أجهزة الدول المحلية (ولاية/دائرة/ مصالح تقنية، الخ). تقرب يبدأ من محطة العملية الانتخابية ذاتها ومن قيادة الأحزاب السياسية التي تسيرها وتؤطرها، وتؤكد الكثير من المؤشرات الإعلامية المتداولة، في الحالة التي نتكلم عنها، أن صاحبها كان قريبا لدرجة الالتصاق بها، فالرجل يكون قد موّل أكثر من حملة انتخابية وطنية ومحلية، واقترب من أكثر من حزب سياسي من كل التيارات، هو ابن الجهة التي كانت لوقت سابق قريب معروفة بحضور قوي للجماعات الإسلامية المسلحة، حسب معطيات الصحافة الوطنية التي تم تداولها، بعد حجز الباخرة في ميناء وهران، وإلقاء القبض على المتهم الرئيس واخوانه، لتكون العائلة كالعادة حاضرة في الخير والشر. كما تبينه التجربة الاقتصادية الجزائرية التي تسير في اتجاه تدعيم الصورة النمطية للعائلة – المقاولة التي تروج لها الدراما التلفزيونية، التي يزداد عليها الطلب في رمضان: فيلات فخمة. نساء جميلات. فساد مالي وسياسي. عنف واغتيالات.
الاقتصاد السياسي للفساد على الطريقة الجزائرية الذي يتطلب من رجل «الاعمال الجديد» ألا يضع في جيبه، المسير المحلي، السياسي والإداري، فقط عن طريق «الشكارة»، بل كذلك المسير على مستوى منافذ الدخول والخروج للتراب الوطني كالموانئ والمطارات، لكنه في حاجة إلى أكثر من هذا. عليه بالتقرب من منبع الريع على المستوى المركزي وقنوات مروره القانونية وشبه القانونية: النظام المصرفي الذي من دونه لن يضمن عمليات التحويل المالي للخارج بشتى الطرق التي يتحايل بها على القانون. وهو ما يؤكد مرة أخرى التداعيات الدولية لاقتصاد الفساد هذا، الذي وصلت الى أمريكا اللاتينية وإسبانيا في الحالة التي نتكلم عنها. وإلا كيف نفسر قدرة مثل هذا النوع من «رجال الاعمال « على تمويل صفقات دولية بملايين الدولارات للمتاجرة في الكوكايين (حوالي 35 مليون دولار حسب الإعلام المحلي) يغرق بها السوق الجزائري وقد تزيد عن حاجته، حتى في شهر التوبة والصيام الذي يزيد فيه استهلاك المخدرات وتعمر فيه المساجد، بدون ان ينخفض فيه منسوب الفساد.

 

جريدة القدس العربي

 

شوهد المقال 243 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

محمد محمد علي جنيدي ـ بلاد الروح

محمد محمد علي جنيدي – مصر         في بلاد الروح ادور واجري فيها أمشي بين الناس وروحي مش لاقيها كل لحظه تعدي طيفها يمر بيه مر
image

للتاريخ! مع تحيات المادة 102 من الدستورالجزائري المغتصب

 للتاريخ!مع تحيات المادة 102 من الدستور المغتصب.  المادة 102:" إذا استحال على رئيس الجمهوريّة أن يمارس مهامه بسبب مرض خطير ومزمن، يجتمع المجلس الدّستوريّ وجوبا،
image

جمال الدين طالب ـ الإسرائيلي يوفال هرري.. يفقد عقلانيته عند سؤاله عن فلسطين .. ملحد لكنه يؤمن أن الله وعد اليهود بفلسطين

جمال الدين طالب يُقدّم الكاتب والمؤرخ الإسرائيلي يوفال نوا هراري على أنه "أهم مفكر في العالم حاليا"، كما وصفته مجلة "لوبوان" الفرنسية. كتبه تحقق مبيعات
image

يسين بوغازي ـ بوحجة ــــ اويحيـي ـــــ ولد عباس حواش من صراع في البرلمان ؟

يسين بوغازي     بدأ مند ما يقل عن شهرا ، صراع سياسي  في البرلمان الجزائري ، ففتحت  بوابات هذه الأزمة في
image

عزالدّين عناية ـ نهضة الزيتونة.. أو كيف نخرج الحيّ من الميّت

  د. عزالدّين عناية*   بموجب الفترة المطوَّلة التي قضّيتها في جامعة الزيتونة طالبا وباحثا، على مدى السنوات المتراوحة بين منتصف الثمانينيات
image

إبراهيم يوسف ـ دهرٌ من التّشهيرْ والسُّمعةُ المُسْتباحة للأطفال الصِّغار.. والكِبار

  إبراهيم يوسف – لبنان   تقتضي الأمانة الأدبيّة الإشارة أنّ الحكاية نُشِرْت في مجلة عود النّد منذ
image

سيد أمين ـ وجهة نظر حول سوريا وايران والربيع العربي

  سيد أمين غياب الرؤى العميقة ، والأمية السياسية ، والتزمت والرعونة والانتهازية ، هي من الأسباب الأصيلة المسئولة عن تحول وطننا العربي
image

إيناس ثابت ـ ليالي شهرناس 2

 إيناس ثابت  حلَّ المساء ولف الظلام السماء. ولكن القمر كان ينشر خيوطه في الفضاء، والغيوم تحجب نوره من حين إلى حين. وهكذا تثاءبت حقول
image

مجمع اللّغة العربيَّة يصدر العدد التاسع من مجلّته المجلّة

    سيمون عيلوطي، المنسّق الإعلاميّ في المجمع         صدر حديثًا عن مجمع اللّغة العربيَّة في النّاصرة، العدد التاسع من مجلّة المجلّة، لعام 2018،
image

مادونا عسكر ـ الحبّ حتّى المنتهى قراءة في ديوان "لنتخيّل المشهد" للشّاعرة اللّبنانيّة سوزان عليوان

  مادونا عسكر "الحبُّ لا يصنعُ المعجزات هو، بحدِّ ذاتِهِ، معجزة" (سوزان عليوان) يتجلّى الحبّ في ديوان "لنتخيّل المشهد"، عذباً  رقراقاً

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats