الرئيسية | من الصحافة | ناصر جابي ـ أحزاب مغلقة تدير ظهرها للمجتمع في الجزائر

ناصر جابي ـ أحزاب مغلقة تدير ظهرها للمجتمع في الجزائر

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

 
 د. ناصر جابي 
 
 
 
هذا هو حال الأحزاب الجزائرية، كما تظهره آخر احصائيات رسمية، تم عرضها من قبل وزارة الداخلية، تحدثت عن المستويات التعليمية للمرشحين، لهذه الانتخابات التي ستجري في نهاية نوفمبر المقبل. 
فقد بينت هذه الإحصائيات أن ربع المرشحين فقط، يحوزون مستويات تعليمية جامعية، في حين أن أكثر من نصفهم (57 في المئة) لا يتمتعون الا بالمستوى الثانوي وأخيرا (16 في المئة)، من ذوي المستويات الابتدائية، وهو ما يعني عمليا أننا امام مرشحين هم أقرب للأمية، بهذا المستوى المعلن، في مجتمع انتشرت فيه ظاهرة بطالة المهندس والطبيب وصاحب الشهادة الجامعية العليا، من الجنسين، جراء الانتشار الواسع والكثيف للتعليم. مقابل قانون انتخابي لا يزال يتجاهل هذه القضية. فالقانون لا يحدد أي مستوى تعليمي كشرط للترشح للانتخابات، مهما كانت، الرئاسية منها والتشريعية والمحلية.
نقوم بعرض هذه النسب، كما جاءت من المصدر الرسمي، ونحن على يقين من أن المرشح، بتواطئ في الغالب مع حزبه، يقوم بعملية «نفخ» في مستواه التعليمي وموقعه المهني، لأغراض تتعلق بالتنافس داخل الأحزاب نفسها والحفاظ على صورة مقبولة، في عيون المواطنين الذين يفترض أن يصوتوا له. فقد بينت الملاحظة المباشرة أن الذي يشتغل حارسا في مدرسة ابتدائية يتحول إلى موظف في قطاع التربية، عندما يتم الإعلان عن ترشيحه، وإن الذي لم يغادر مواقع الأمية الأبجدية، يُقدم بقدرة قادر، عند ترشحه كصاحب مستوى تعليمي متوسط. ضمن ثقافة اجتماعية سائدة لا تجهد نفسها كثيرا، وهي تتعامل مع المعطى الكمي والاحصائي. تبقى فيه «شوية « هي وحدة القياس الأكثر رواجا.
الغريب أن الأمين العام لوزارة الداخلية، وهو يقدم هذه المعطيات الإحصائية لم يذكر ولا أي مرة نسبة المرشحات من النساء. الصحافيين الحاضرين بقوة أثناء الندوة، هم كذلك تجاهلوا الموضوع، ولم يطرح أي حاضر منهم، أو حاضرة سؤالا عن نسبة ترشيح النساء ومستوياتهن التعليمية. وكأن الرجل فقط هو المعني بهذه الانتخابات، في حين أن المرأة الجزائرية مرشحة وناخبة في الانتخابات البلدية، منذ أكثر من نصف قرن. علما بأن الترشيحات وحتى الفوز في هذه الانتخابات المحلية ما زال ضعيفا لدى المرأة التي نجدها أكثر حضورا عند الترشح للانتخابات التشريعية. في انتظار معرفة تأثير نظام «الكوتا» على ترشح المرأة وفوزها في الانتخابات المحلية، التي ما زالت كانتخابات أكثر قربا من المجتمع وثقافته التقليدية المتحفظة، على الأدوار التمثيلية للمرأة.
معطيات إحصائية ونسب تؤكد العلاقة المتوترة، بين الحزب السياسي والمجتمع الجزائري. إذا عرفنا من جهة أخرى أن عمليات سبر الآراء تشير إلى أن 2 في المئة فقط من الجزائريين منخرطون في الأحزاب السياسية، وأن نسبة الانخراط هذه تتقلص، لتصل إلى 1 في المئة فقط، عند الشاب الأقل من 35 سنة، حسب آخر سبر آراء أجري في الجزائر هذا الصيف، لقياس علاقة الشباب بالسياسة والأحزاب.
الخلاصة التي يمكن الخروج بها من هذه الاحصائيات والنسب المعلنة، تؤكد أن الحزب لا يعكس التحولات التي عرفها ويعرفها المجتمع الجزائري. تحولات لا نجد صدى لها داخل الحزب السياسي، فقد ارتفع المستوى التعليمي للجزائريين وانتشر التعليم بسرعة حتى في المناطق الريفية، وبين أبناء الفئات الشعبية، في حين ما زال الحزب يرشح الأمي لرئاسة بلدية او التشريع للمواطن في البرلمان.
المرأة الجزائرية التي تعلمت واحتلت مواقع مهنية مهمة في القضاء والمحاماة والإعلام والصحة والتربية والإدارة، ما زالت مغيبة بشكل واضح داخل الحزب الجزائري الذي تسيطر عليه، عقليات ذكورية، تعمل المستحيل لاستمرار سيطرتها عليه. وضع لم يتغير كثيرا حتى بعد تطبيق نظام «الكوتا» لصالح المرأة. غلق الحزب على التحولات التي يعرفها المجتمع، وقلة الانخراط داخله من القوى الفاعلة والممثلة لهذه التحولات الإيجابية، كالإطارات والنساء المؤهلات وغيرهم، يُبقي الحزب رهينة عدد قليل من القيادات، يعملون فيه وبه ما يحلو لهم، خدمة لمصالحهم الشللية، في غياب مؤسسات حزبية جماعية لاتخاذ القرار وحل النزاعات التي عادة ما تؤدي الى الانشقاق واضعاف الحزب، الضعيف أصلا.
وضع يعطي قيادات الأحزاب قدرة كبيرة على الحركة وتغيير المواقع، بالانتقال من المعارضة الى الموالاة في رمشه عين، كما حصل أكثر من مرة، في أكثر من حزب سياسي. فالثابت الوحيد في هذه الأحزاب هو القيادة، عكس المناضل الذي يمكن أن يغادر وينتقل من حزب لآخر بسهولة. بعد أن اكتشفت قيادات هذه الأحزاب أنها في حقيقة الأمر لم تعد في حاجة كبيرة الى منخرطين كُثر، بقدر ما هي في حاجة إلى أصحاب أموال (شكارة) وممولين للعملية الانتخابية، التي لم تعد وسيلة تغيير سياسي، منذ وقت طويل.
فالأحزاب السياسية الوطنية الكبرى على سبيل المثال، هي بصدد تعويض آلاف المناضلين من المعلمين المتعودين على الانخراط فيها، بقناة تلفزيونية واحدة او جريدة تأتي مع الأغنياء الجدد، الذين عبروا عن اهتمام مريب بالعملية الانتخابية، عكس ما كان حاصلا مع البرجوازية التقليدية، التي كان من سماتها عدم الاهتمام بالعملية السياسية برمتها. فشرعيتها لم تكن في حاجة الى المرور عبر الانتخابات، عكس أصحاب النعمة الحديثة، الذين يبقون في حاجة ليس إلى شرعية اجتماعية مفقودة، بل إلى قرب أكبر من مواقع الريع المالي والسياسي كذلك، ما أدى عمليا إلى تغيير في قواعد الحزب وما تجنده الانتخابات، سيؤدي حتما إلى تغيير في قواعد الدولة الوطنية ذاتها.
ممارسات حزبية كانت لها تبعات أخلاقية رهيبة على مستوى هذا النوع من المناضلين وسلوكياتهم. مناضلون يملكون قابلية كبرى للارتشاء ومقايضة ذممهم، لمن يدفع أكثر. يكرسون بسلوكياتهم هذه الصورة السلبية التي يحملها المواطن، عن الظاهرة الحزبية والفعل السياسي في مجتمعاتنا، التي من دون القطيعة معها، لا يمكن تصور إعادة الاعتبار للحزب والسياسة كشرط، لممارسة حزبية وسياسية معقولة، في عالم تعيش فيه الظاهرة الحزبية أزمة عميقة .
بالطبع علاقة الحزب بالمجتمع ليست هي المفتاح الوحيد لفهم ما يحصل للظاهرة الحزبية في علاقاتها بالانتخابات. فما يميز النظام السياسي من أساليب تسيير، يفسر هو الآخر، بالدرجة نفسها ربما وأكثر. فالنظام السياسي الجزائري اعترف قانونيا بالحزب، لكنه يرفضه على أرض الواقع. كما تبينه الكثير من الشواهد اليومية. النظام الذي ما زال يرفض وجود أحزاب قوية وممثلة، ويعمل المستحيل على الانفراد بها وغوايتها بشتى الأساليب، بدءا من شراء ذمم إطاراتها وصولا إلى تشجيع الانشقاقات داخلها ومنعها من النشاط العادي.
 
القدس العربي 
 https://www.facebook.com/nacer.djabi
 

شوهد المقال 598 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

ناصر بن غيث ـ الضمير الإنساني المشترك

 د. ناصر بن غيث كتب بتاريخ 2012-09-18   حالات التطاول الغربية المتوالية على الرموز الدينية للمسلمين لا يمكن قراءتها كما تدعي الحكومات الغربية على أنها
image

سامي خليل ـ الحرف اللاتيني لكتابة الأمازيغية تفكيك قادم لجغرافية الجزائر

سامي خليل   من يسكت على فرض محافظة عصاد الحرف اللاتيني لكتابة الامازيغية فهو يشارك في اخطر جريمة ضد الجبهة الداخلية و الامن القومي. نحن
image

أسامة بقار ـ تعليقات حول مسألة تبني الأبجدية اللاتينية كأبجدية كتابة اللهجات البربرية

 أسامة بقار  أثار تصريح رئيس المحافظة السامية للأمازيغية حول تبني هذه المؤسسة للأبجدية اللاتينية كخط لكتابة اللهجات البربرية بين رافض لها ومرافع لتبني
image

السجين السياسي والناشط الحقوقي. عبدالله بن نعوم، سيدخل في إضراب عن الطعام ابتدءا من 18 سبتمبر 2018

#رسالة_الى_الراي_العام السجين السياسي والناشط الحقوقي. عبدالله بن نعوم،سيدخل في إضراب عن الطعام ابتدءا من 18 سبتمبر 2018في رسالة الى رأي العام عموما، و إلى السلطات
image

رياض حاوي ـ التفكير كخبير اقتصادي: دليل القرار العقلاني (6)

 د. رياض حاوي  المبدأ الرابع: تغيير جزء في النظام الاقتصادي سيكون له انعكاسات كبيرة في اجزاء اخرىa change in any one part of an economic system
image

يسين بوغازي ـ خريف الجنرال الرئاسي

  يسين بوغازي   كان صمتا مريبا ذاك الذي استمسكه الجنرال الاطول مكوثا فى كرسي مديرية الامن والاستعلام الآفلة ؟
image

مادونا عسكر ـ عذوبة وصلاة وقناديل

  مادونا عسكرـ لبنان             (1) ارمِ نفسك داخل القنديل واخترق لظى النّور واحترق غِب وأنت حاضر واحضر وأنت
image

مصطفى يوسف اللداوي ـ رئاسةُ بلديةِ القدسِ للأكثرِ تطرفاً والأشدِ يمينيةً

 د. مصطفى يوسف اللداوي هل انتهت مرحلة نير بركات رئيس بلدية القدس
image

اليزيد قنيفي ـ تأملات..!!

  اليزيد قنيفي ما من مشكلة أو أزمة أو مرض أو ألم يمرّ بنا إلا ونتعلم منها الصبر والتحمل والتعايش ..يزودنا العليم الحكيم  بطاقة هائلة من الأمل
image

رائد جبار كاظم ـ ديني لنفسي ودين الناس للناسِ

د.رائد جبار كاظمكثيرة هي المواقف التي تواجه الانسان في حياته اليومية باختلاف الالوان والاشكال والطبيعة البشرية، والحكيم والعاقل من يواجه تلك المشكلات والمواقف بوعي تام

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats