الرئيسية | من الصحافة | عبد الخالق كيطان - الاغتيال المعنوي في "العراق الجديد"

عبد الخالق كيطان - الاغتيال المعنوي في "العراق الجديد"

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

 
عبد الخالق كيطان
 



 

في عصر الثامن من أيلول عام 2011 كنت أجلس على الرصيف المحاذي لمنزل صديقي المخرج المسرحي هادي المهدي رفقة عدد من الأصدقاء. جثة المهدي كانت على باب مطبخ المنزل والشرطة لما تصل بعد. لم أكن أُصدق ما يجري. بعد أيام ينشر موقع مقرّب من رئيس الوزراء، أنذاك، تقريراً يتّهم فيه مجموعة من أصدقاء المغدور بتدبير عملية الإغتيال. كان اسمي واحداً من الأسماء التي يذكرها التقرير. لقد استند كاتب التقرير إلى كلمة للاعلامي عماد العبادي نشرت بُعيد اغتيال المهدي بقليل، ويرد في هذه الكلمة ان العبادي اتصل بي هاتفياً حين سمع بنبأ المهدي. كنت حينها في الطريق إلى منزل الأخير. نعم حدث ذلك، كما انني تلقيت حينها العشرات من المكالمات الهاتفية التي تسألني عن حقيقة الموقف. لأقل هنا، استدراكاً، أنني كنت من بين اوائل مَن تلقوا الخبر الحزين، وذلك عبر صديق يسكن إلى جوار منزل الفقيد. ماذا أرد الموقع القريب من "دولة" رئيس الوزراء أن يقول في تقريره الذي يتهمني فيه بالضلوع باغتيال صاحبي؟ أعتقد أن الأمر لا يحتاج إلى تحليلات عبقرية. لقد وصلت الرسالة. 
تذكرت هذا المقطع وأنا أتابع الحملة المنسّقة التي تتعرّض لها الزميلة الصحافية أفراح شوقي منذ ساعة اختطافها الوقح وإلى ساعة إطلاق سراحها بعد "تحقيق بسيط"، كما ذكرت. هذه الحملة صاغت سيناريو خبيثاً عن عملية الاختطاف، وشيئاً فشيئأ بدأت، أي الحملة، توزّع التّهم على صحفيين ناصروا الزميلة في محنتها، وكان من أبرز هذه الأسماء، حتى الآن، هم: أحمد عبد الحسين، زياد العجيلي وعماد جاسم. من الممكن أن تتّسع القائمة. لقد ظهر عماد العبادي في أول الصور التي أظهرت أفراح في منزلها بعد الافراج عنها. الحملة التي دشّنها ناشطون كانت ضخمة في انسانيتها وصدقها، وهي حملة تذكر بتلك التي دشّنها الناشطون أيام اغتيال هادي المهدي، على الأرجح أنهم أنفسهم الذين تلقوا الاتهامات بشأن الضلوع بمقتل المهدي. 
والآن: ما الذي نفهمه من ذلك؟
لا نأتي بجديد إذا ما أكدنا قوة عمل "المجاميع المسلحة = بامكان القارئ أن يطلق عليها التسمية التي تروق له، فكل ذلك صحيح ما دامت الدولة ومؤسساتها الأمنية عاجزة عن حماية المواطن سواء أكان في بيته أو في الشارع أو المؤسسة التي يعمل بها أو... الخ". هذه المجاميع تستطيع أن تفعل أي شيء وفي أي وقت ثم تختفي ولا يمكن الوصول إلى اي خيط يقود إليها. إنها جزء من الدولة. أو أنها محمية من قبل الدولة. أو أنها جزء من أشخاص نافذين في الدولة. أو أنها هي الدولة. ترسل هذه المجاميع رسائلها علانية للجميع. وعلى الجميع أن يصدق تلك الرسائل. لا أريد أن أسرد هنا قائمة بالرسائل الدموية لهذه المجاميع. على أنها مجاميع جبانة. تحتمي باللثام دائماً، ولا تتمكن من الدفاع عن نفسها إلا بقوة السلاح، الكاتمة في أحيان كثيرة. أعظم أهداف تلك المجاميع هم الأبرياء، اي أولئك الذين لا يملكون السلاح، فتتقصدهم في الساحات العامة، الأسواق، الجوامع والحسينيات والكنائس، وفي المنازل أيضاً. ومن ينجو من هؤلاء يتحول إلى تابع يردد إشاعات تلك المجاميع الخبيثة.
وفي مجتمع تسود فيه الخرافة، ومن قبلها، أو ما يتصل بها، قوة السلاح، تصبح رسائل تلك المجاميع نوعاً من الحل بالنسبة لكثيرين. عندما تقلب الأخبار التي رافقت اغتيال هادي المهدي، وتلك التعليقات التي رافقت عملية اختطاف وإطلاق سراح أفراح شوقي، ستجد كمية هائلة من المتلقين الذين يرون في مثل هذه الأفعال القذرة نوعاً من الحل. أنهم لا يبررونها ولكنهم يدافعون عنها، ذلك أن رسائل القوة قد أتت مفعولها بالنسبة لهؤلاء الذين لا يرون أبعد من الذي يظهر أمامهم.
في الثمانينيات، وأيام اشتداد الحرب مع إيران، كان الزي العسكري، الزيتوني، على أنواع كثيرة. أبرز تلك الأنواع كان الذي يرتديه عناصر حمايات الرئيس. لقد تحول هذا الزي إلى أمنية كثيرين. صرت ترى الشعراء والرياضيين يرتدونه جنباً إلى جنب مع عناصر الحماية. كان ينظر باحتقار إلى البسطال الأسود، بسطال الجنود البسطاء، بينما ينظر بافتخار إلى البسطال الأحمر، بسطال القادة الأشاوس. اختفت ملابس السفاري التي كانت تميز رجال الأمن والمخابرات في السبعينيات، وحلت محلها البدلة الزيتونية المكوية بعناية! ازدهرت تجارة هذه البدلة عند خياطي شارع الخيام. ومن المضحك المبكي هنا، على سبيل الاستطراد، أن فناناً مسرحياً كبيراً دعاني، في أوائل التسعينيات، لمنزله. هناك وجدت أستاذاً بعثياً يجالس صاحبي. ولكي يجامل الأول الثاني قام باهداءه قطعة قماش زيتونية مثل تلك التي كان يرتديها عناصر حماية الرئيس. ينقصها حتماً قراب مسدس بكركوشات، كما كان شائعاً حينها. لقد كانت رسالة صاحب القوة بليغة، بمعنى أنها صارت المثال، وما على الأتباع سوى تقليدها. رسائل القوة تصل أسرع من غيرها. 
لقد استطاع دهاقنة السلطة في العراق بعد 2003 أن يرسلوا رسائل لا يمكن تجاهلها بالنسبة لعموم الناس. وفّرت لهم المليارات المنهوبة من خزينة البلاد قنوات لتسريب هذه الرسائل، عبر قوة السلاح مرة وعاطفية الخطاب الطائفي مرة ثانية. وهكذا أصبح في حكم النهائي القول أن أي نقد لما يجري مصدره بعثيون صداميون إرهابيون. لقد شملت هذه الرسائل حتى شخصاً بمنزلة السيد مقتدى الصدر لأنه مسّ مقدسهم في لحظة ما!
ببساطة شديدة نقول لقد وصلت رسائلكم منذ زمن بعيد أيها القتلة. تلك الرسائل التي تفعل أكثر مما تقول، هي تحشرنا بين أن نكون قتلى مغدورين، أو صامتين مروّعين. وهنا يتجلى الاغتيال المعنوي في أوضح صوره، عندما يهاجم بسطاء القوم أخوتهم في البلاد تماشياً مع رسالة القوة التي نثرها الممسكون بالقوة على الرؤوس في الميادين العامة. شيئاً فشيئاً نصل إلى المجتمع المثالي، ذلك الذي يسهل قياده بقوة بسطال أحمر أو مجاميع مسلحة. 
أما القتلى، بنوعيهم، الذين حملوا إلى المقبرة أو إلى بيوتهم صامتين، فما علينا سوى نسيانهم. هؤلاء وقفوا ضد قوة الرسالة فاستحقوا النسيان. يمكنكم أن تستذكروهم بصمت، لا ضير في ذلك، ولكنهم قتلوا حتف أنوفهم، وأنوفكم!

 

جريدة المدى العراقية  


شوهد المقال 6114 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

جيهان أبواليزيد - أحمد خالد توفيق .. تركتك تغزو عقلى فكيف تكون قصاصاتك قابلة للحرق ؟

 د.جيهان أبواليزيد  هل فهمت الآن الحكمة من كون عمر الإنسان لا يتجاوز الثمانين على الأغلب؟. لو عاش الإنسان مائتي عام لجن من فرط الحنين إلى أشياء
image

رشيدة زروقي - وضع عبد الله بن نعوم عينة من واقع حقوق الإنسان في الجزائر محكمة غليزان تدين الناشط بن نعوم بالسجن سنتين نافذة

 رشيدة زروقي  وضع عبد الله بن نعوم عينة من واقع حقوق الإنسان في الجزائرمحكمة غليزان تدين الناشط بن نعوم بالسجن سنتين نافذة      
image

شكوى من مظلوم تعرض للظلم والتعسف من محكمة حجوط إلى وزير العدل الجزائري

 السيد زقاوة محمدرقم القيد 13382 مؤسسة إعادة التربية و التأهيل القليعةبسم الله الذي ليس مع عدله عدل لا في الارض و لا في السماء و
image

ناهد زيان - مدرسة إلهام ذهني التاريخية

 د. ناهد زيان إن كنت من المهتمين بالتاريخ عموما أو من الدارسين له والباحثين فيه ولاسيما التاريخ الحديث فإنك حتما تعرف من هي الدكتورة "إلهام محمد
image

بوفاتح سبقاق - الكاذب الرسمي

بوفاتح  سبقاق الزعيم منزعج و متشائم بخصوص إستمرارية حكمه ، إشاعات كثيرة هذه
image

حميد عقبي -جوع

حميد عقبي             هذه الأرصفة الجائعة تبدو وحيدة ترتجف تلك خطواتنا لا أثر لها الآن مصباح الشارع يلتزم الصمت كانت هنالك حافلات مزركشة كانت
image

وليد بوعديلة - قصة حيزية عند الشاعر الفلسطيني عز الدين المناصرة

 د. وليد بوعديلة (حيزية) هو اسم امرأة جزائرية، سجلت الذاكرة الشعبية قصتها التي وقعت في القرن التاسع عشر، وهي حسب قصة رواها
image

شكري الهزَّيل - خُذ غصنك وارحَّل!!

د.شكري الهزَّيل لا ادري متى ضبطا بدات علاقتي او ملاحظتى ووعيي بتلك الشجرة الضخمة الوحيدة وسط ارض شاسعه وواسعة وشبة قاحلة,
image

جيهان أبواليزيد - من سيذهب ليقول " يُتبــــع " ومن سيذهب ليقول " تــــم " ؟

   د. جيهان أبواليزيد  كأس العالم ...أعتبرها فرصة لتصفية خلافات وأحقاد سنين فمن لم يأتى بالسياسة يأتى بالرياضة ، فخريطة المجموعات الغريبة إلى حد
image

جيهان أبواليزيد - الهند ليست سيف على خان وكاترينا كييف

 د. جيهان أبواليزيد ذهبت مع صديقتى رافينا وريشما وهما من المسلمات الجديدات بمكتب الدعوة والارشاد بالأحساء  شرقى المملكة العربية السعودية وذلك للتعرف على كومار عامل نظافة ببلدية الإحساء وسابقا عامل صرف صحى بالهند، أردت أن استنطقه لما دفعه لاعتناق الإسلام وعن

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats