الرئيسية | من الصحافة | بادية شكاط - الجمود السياسي والطوفان الاستبدادي

بادية شكاط - الجمود السياسي والطوفان الاستبدادي

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

 

بادية شكاط 

 

 إننا ونحن نحاول تعبيد طريق الحرية، لم نُعبّدها إنما للأسف عبَدنا الكثير من الأصنام التي عليها، فجعلنا كبيرَهُم يخال أنّ بيده أن يطعمنا ويسقينا، يضحكنا ويبكينا، بل ويميتنا ويحيينا، مِن غير أن نتساءل بأيّ سلطة قد ملّكناه أمرنا، ولا لأيّ قِبلةٍ سيُوَلِّينا، ما جعلنا في ظلمات الاستبداد، وقهر الاستعباد نتقلب آناء اللّيل، وأطراف النهار، فهل تساءلنا يومًا كما تساءل من قبل فلاسفة الشرق والغرب حول طبيعة السلطة: أرسطو، ابن خلدون، نيتشه، مونتسيكو، لوك، فوكو، وغيرهم؟ أم أننا تعوّدنا الاستسلام لِما هو موجود مِن غير بحث عن الابتكار والتجديد، وكأننا أمة قد وُجِدت للتقليد؟

 يقول الفيلسوف برنشفيك: "لا يوجد شيء خارج حرية العقل، ولا خارج حركة المنطقة الخلاّقة التي تتوسّع في كل يوم بأشكال أعلى من بعضها البعض، لكي تصل في النهاية إلى الوحدة التامة للوعي" فنحن بحاجة إلى كسر قيود الفهم، تمامًا كما كسرها من قبل جاليليو، حين تحرّر من فكرة مركزية الأرض في النظام الفلكي، فنبحث من جديد عن أنظمة حكم تؤسّس لسلطة الأخلاق، وليس لسلطة على الخلائق.

فإنجلترا مثلا حين كان للملك فيها سلطة مطلقة، أورثت الاستبداد وأفسدت البلاد، لم يبق مفكريها شاخصي الأبصار، بل حاولوا البحث عن الأفكار التي تحدث التغيير، وتقرّر المصير، كالفيلسوف "لوك"، هذا الأخير الذي بحث عن نظام حكم يحد فيه من سلطة الملك، الذي كانت له هيمنة تامة على السلطة التنفيذية، فجعل لوك للبرلمان سلطة اختيارالسلطة التنفيذية رغم أنّ ذلك سرعان ما جعلها تعود للسيطرة على السلطة التشريعية، وتلتصق بها تدريجيًا، فلم يحقّق ذلك المطمح الكامل للوك، إنّما حقّق على الأقل كسر جليد التقليد.

 فإلى متى نبقى نمشي على أطراف كوكب الأرض كأننا عليها دخلاء، بينما هم عليها أوصياء؟ لماذا نسلّم نحن بنظرياتهم بينما هم ينتقدون أهم المسلًّمات الدينية عندنا؟ حتى أنّهم انتقدوا صحة الأحاديث النبوية الشريفة، كنظرية المدار التي أسّسها شاخت ويونبل، وأتباعهما، تلك المتعلقة بنشأة الحديث النبوي الشريف ونظرية "السكوت عن الدليل" و "النحو العكسي للاستناد والتي بدورها تفرعت عنها نظرية "إسناد العوائل" ونظرية انتشار السند، وتاريخ وضع الأثر، وصولاً إلى تفسير معنى السنة.

 

بينما نحن وكأننا رادار يلتقط كل صوت من غير أن يصدر منه أي صوت، خاصة ونحن نعيش فكرة تقديس الأنا والذات لدى الغرب، أو ما يدعى بسلطة "الإيغو" الأوروبي الرافض للآخر القاري، سواء كان إفريقي، آسيوي أو أمريكي.

 

وفوكو حديثا هو الآخر قد حاول تقويض نظريات السلطة السابقة، كنظرية التعاقد التي اعتبرت أنّ أساس السلطة هو العقد الاجتماعي، رغم توافقية وتراضي أطراف العقد وشرعيتها، إلا أنّ فوكو رأى أنّ السلطة هي نتيجة علاقات قِوى، تقوم على إخفاء العلاقات بين ذرّات حرّة، مرتبطة بمفاهيم المعركة، المواجهة والحرب. 

 إضافة إلى نظرية السيادة والحق التي تنطلق من كون الحق هو الذي يحدد فعل السلطة، ومفعولها يتنبّأ به القانون، فنقضَها أيضا معتبرًا أنّ الحياة، وليس الحق هي من تشكّل الرهان السياسي، كما أنه انتقد كارل ماركس الذي جعل السلطة تتمركز في جهاز الدولة، حيث رأى فوكو أنها غير قابلة للإمساك، عديمة الماهية، مفكّكة ومبعثرة، فهو كما قال المفكر "سالم يفوت": قد مارس عمليات الهدم على مسلّمات السلطة.

 فقد آمن أنّ السلطة ليست ملكًا لطبقة لها الغلبة، إنما لها استراتيجية أكثر منها ملكية، فمصدر قوة السلطة حسبه هو تولّدها في كل لحظة، ومن كل اتجاه. ففوكو قد أحدث انقلابا فكريا وقوده الحرية، ما يجعلنا نتساءل بدورنا: لماذا لا يكون لدولنا الإسلامية نظام سياسي موحد بطرق فكرية سلمية؟ لماذا لا نحرر تفكيرنا ونقبل بقليل من التغيير مادام ذلك يحقق وحدتنا وقوتنا كمسلمين؟ فنؤسس لنظام حكم سياسي، نحقق من خلاله سلطة داخلية منفصلة عن السيادة الخارجية، وفق ديمقراطية ومؤسسات تنفيذية، تراعى فيها الحرية والأخلاق.

 وأما أن يكون حول الحاكم مجرد مصفّقين، فهو لن يورث إلاّ طغاة مستبدين، يحبون أن يُمدحوا بما لم يفعلوا، فلا يكون لأحدهم رقيبًا، سواء كان مخطئًا أو مصيبًا. يقول وولتر بنجامين عن النصر الذي يحققه المثقف المتملق للسلطة "إنّ كل من كُتب له النصر هو يشارك حتى يومنا هذا، في مواكب النصر التي يطأ فيها الحكام الحاليون، بأقدامهم على الذين انبطحوا على الأرض". فإذن على المثقف الحقيقي كما يقول غرامشي أن يواجه اختيارين: إما الحكام أو المحكومين.

 

مدونة الجزيرة  

شوهد المقال 3149 مرة

التعليقات (2 تعليقات سابقة):

ابو عمر في 12:09 24.01.2017
avatar
الأخت الكريمة السلام عليكم و رحمة الله..أثمن المواقف الإجابية جدا تجاه الوضع الذي تعيشه الأمة منذ فترة وبالتحديد منذ ما يسمى بعصر النهضة ...فلقد إنتقلنا من الجمود و البيات الشتوي الذي عشناه أيام الفترة العثمانية الى ظاهرة متناقضة و متحاربة تتمثل أولا في الإرتماء في أحضان الغرب و الإنبطاح أمامه و التسليم له يقابله من الجهة الأخرى النفور التام وربما المرضي من التفوق الحضاري الغربي ..و مع الأسف لا زلنا لم نخرج من دائرة ذلك الصراع الذي إستنفذ قوانا واهلك حرثنا و نسلنا و شتت شملنا...حتى يكون لنا نظام سياسي موحد بطرق فكرية سليمة: يجب اولا إسترجاع الثقة المفقودة بالذات ثم يجب أن نجلس بكل طوائفنا و تناقضاتنا امام طاولة الحوار حتى نتفق على الحد الأدنى ثم في المرحلة الأخيرة إسترجاع السيادة على الذات - ذات الأمة- و القرارات السياسية ..بريطانيا وفرنسا لم تكن تعاني أيام لوك و روسو وفولتير من التبعية لقوى أخرى ..اما نحن فبقعة ضوء تلاحقنا اينما حللنا و ارتحلنا
بادية في 11:22 24.01.2017
avatar
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته

أشكر تفاعلك القيم أخي الكريم،غير أنني أختلف معك في كون لوك وغيره لم يعانوا من تبعية،التبعية ليست بالضرورة لمستعمر أو لدولة خارجية،فتبعيتهم كانت للأفكار،وللكنيسة التي كانت تحجر على العقل بألف قفل،وكل اعتقاد في زمنهم كان ينبغي أن ينقاد للبابا،ولذلك نحن قبل كل شئ نحتاج للتفكير في سلطة تُمكن الإنسان من أن يكون سيدًا في الأرض،عبدًا لله،ولاسلطة بدون حرية.
مع شكري

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

عادل السرحان - أوجاع بصرية

 عادل السرحان - العراق             الرصيف يسرح النظر الى آخر السفن الخشبية المغادرة وهي ترشه برذاذ من دموع الوداع دون ان تلتفت اليه بين انين ووجوم ودخان وصيحات سرب
image

كلمة الى الرئيس بوتفليقة من دون زيف او تدليس

جزائرية  أيها الرئيس إنني الآن قبل أن أخاطب فيك قلب صاحب الجاه والسلطان فإنّني أخاطب فيك قلب الإنسان ،لأتوجه إليك باسم عدالة السماء التي لم تجعل
image

الصمت القاتل: سجن باحث اقتصاد في الإمارات الدكتور ناصر بن غيث

 أورسولا ليندسي  حكمت محكمة إماراتية الأسبوع الماضي على ناصر بن غيث، الخبير الاقتصادي البارز الذي يدعو للمزيد من الديمقراطية وحقوق الإنسان، بالسجن عشر سنوات. وتضم جرائمه المزعومة
image

تاريخ مؤلم من العبودية خلف تنوع الموسيقى العُمانية

بنجامين بلاكيت  مسقط – لم يمضِ وقت طويل على مقابلتي مع ماجد الحارثي، المختص بعلم موسيقى الشعوب (علم الموسيقى العرقية)، حتى تحدث عما يراه تميّزاً هاماً. قال موضحاً بحماس ودود “لا
image

ناهد زيان - فيرحاب أم علي عمدة النسوان

 ناهد زيان  كنت لا زلت طفلة تلعب بالدمى وتقضي يومها لاهية في جوار جدتها وعلى مرأى من أمها في غدو ورواحها وهي تقضي حوائجها وتنجز
image

عبد الباقي صلاي - غياب الاستثمار الحقيقي في الجزائر إلى أين؟؟

عبد الباقي صلاي* لا أدري لماذا كلما استمعت إلى خطاب الحكومة حول الاستثمار سواء كان محليا أو أجنبيا  إلا وتذكرت فيلما شاهدته عدة مرات عنوانه "بوبوس"
image

سهى عبود - موعد مع الياسمين.. تفصيل بحجم الكون.. الحلقة الاولى.

  سهى عبود سماء القرية هذا الصباح متواطئة مع حالتي النفسية.. تزيح عنها الغيوم برفق لتفسح الطريق لخيوط ذهبية خجول..تحدثتُ طويلا مع امي قبل ان أغادر البيت،
image

محمد مصطفى حابس - الرجيمة" مسرحية تستغيث ، من يرشدها ؟

  محمد مصطفى حابس : جنيف -  سويسرادُعيتُ نهاية هذا الأسبوع في إطار النشاطات الثقافية للتقريب بين الأديان، للتعليق على مسرحية دولية، أمام جمهور غربي!! و كل ما في أمر
image

مادونا عسكر - القصيدة مخلوق في لحظة سجدة " لمحة نقديّة في نصّ للشّاعرة التّونسيّة فريدة بن رمضان

مادونا عسكر - لبنان - النّصّ:يناوشني اللّيل:"في قلبي لكِ كلمة"يهمس في أذني الشّعر:"حان أوانُ الغزل"أختلسُ غفلةً من زمنٍ هجيعوأفرُّ إلى سجدة!(فريدة بن رمضان)- لا يكون الشّعر شعراً
image

عامر موسى الشيخ - عكود السماوة و سماء التسميات ...

عامر موسى الشيخ - شاعر و روائي.عكد اليهود  ، عكد الشوربة ، عكد دبعن : أسماء مرّت عليها عقود  ولازالت على قيد التداول. فوق  أريكة من

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats