الرئيسية | من الصحافة | عبد الخالق كيطان - الثــــورة القــادمــــة

عبد الخالق كيطان - الثــــورة القــادمــــة

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

عبد الخالق كيطان 
 
 نحن مدينون لوسائل التواصل الاجتماعي التي نشّطت العديد من مفاصل الحياة وغيّرت أنماط العلاقات بين البشر بعضهم البعض وبينهم وبين الكثير من الأفكار القارّة. مصطلح الثورة، سواء أكان ذلك الوراد في العنوان أو الغائر في الوجدان، هو أحد تجليات فعل تلك الوسائل في العقل الجمعي. لقد نقلت وسائل التواصل هذا المصطلح من فضاء تلق تقليدي إلى فضاء آخر، يمكن نعته بما بعد الحداثي.

ثورات "الربيع" العربي، التي أفادت من وسائل التواصل بل وانطلقت منها، وبالرغم من تقهقرها اللاحق، إلا أنها قدمت نموذجاً جديداً للثورة، يمكن التفصيل فيه كثيراً. انها ثورات تنطلق من منصات حداثية قادرة على الوصول إلى ابعد المناطق جغرافية، وأكثر العقول صرامة، في الآن ذاته. أما لماذا تقهقرت تلك الثورات فهو موضوع آخر، ولكن يكفي القول في هذا المقام أن أحد الأسباب الرئيسة لهذا التقهقر هو في بروز طبقة رجال الدين القادرة، على الدوام، على سرقة أعظم الأحلام وتحويلها إلى واقع مرّ وظلم. 
ولكن، من الذي دفع برجال الدين هؤلاء إلى الواجهة؟
- مؤامرة امبريالية صهيونية أميركية استعمارية؟
- كثافة عقود الظلام التي عاشتها الشعوب العربية مع تدشين عصر الثورات القومية والوطنية أواسط الخمسينيات من القرن الماضي، والتي نشّطت فكرة الهروب من مجابهة الواقع لصالح الغيبيات؟
- النزعة الأصيلة للتدين الشعبي عند الجمهور، والتي كان من السهل ركوبها وتدجينها لكل أفّاق ارتدى جلباب رجل الدين؟
 لقد أفاقت الشعوب العربية على عدد لا يحصى من الفضائيات التي تبثّ على مدار الساعة، ويقودها، بالمال والإدارة، رجال دين. أما نجومها فهم رجال دين أيضاً، ولكنهم متأنقون! تبثّ تلك الفضائيات مئات الساعات التلفزيونية في اليوم الواحد عبر برامج لا تقدم سوى وجبات تضخ الكراهية في عقول المتفرجين، وهي كراهية تتقصد أمراً اساسياً هو الحياة. لقد بذلوا كل ما يملكون من أجل جعل الحياة محتقرة. وأن كل شيء في الحياة محتقر. وضمن هذه اليافطة العريضة تم التنكيل بالمجتمع المدني، بالديمقراطية والتسامح. بالتعايش. بالمرأة. بالتداول السلمي للحكم. بالملابس والأغاني والسيارات. بالطبخ والفرش والسفر. بالقراءة والسياحة. ومن المؤكد أن مثل هذا الخطاب سيؤدي إلى آثار جانبية ومن أبرز ضحاياه هم الأقليات الدينية والفكرية. تم تكفير الآخر المختلف بكل يسر. وتم سحق الديانات الصغيرة بلا رأفة. أما أصحاب الأفكار المختلفة فمغضوب عليهم على الدوام. هؤلاء لم يعد يكفي معهم التكفير، بل القتل بطرق مبتكرة في وحشيتها. 
لقد دشن الخوميني ثورته الإسلامية في إيران عام 1979 بوسيلة بسيطة لنشر أفكاره بين الشباب. لقد كان استخدام أشرطة الكاسيت وسيلة ناجعة في الترويج للأفكار قبل النزول إلى الشارع والاستحواذ بقوة الشعب على السلطة في طهران. كانت ثورة جديدة بعد أن كانت الوسيلة المتبعة هي كسب ود قيادات في الجيش ومن ثم نزول الدبابات في الشارع ومحاصرة القصر الرئاسي، كما حصل في العديد من دول العالم. 
ومع القوة الهائلة التي يتمتع بها رجال الدين في منطقتنا، والتي يمكن أن تعود جذورها لثورة الخوميني تلك، ثم عززتها ثورات "الربيع" العربي، والمنصات الحداثية للتواصل الاجتماعي، أصبح هؤلاء، أي رجال الدين، بمثابة آلهة على الأرض. أصبحوا يمتلكون أموالاً طائلة، وقدرة على تجنيد الأتباع، وضعوا أنفسهم في مصاف المقّدس الذي لا يأتيه الباطل لا من يمين ولا من شمال. كما أصبحوا نجوم مجتمع ينافسون بقوة حضورهم نجوم الطرب وعالم الموضة. 
حدّثني مخرج تلفزيوني أردني عن رجل دين "شهير" جداً صوّر برنامجاً تلفزيونياً من ثلاثين حلقة في أطراف العاصمة الأردنيّة عمّان قبل سنوات. قال لي هذا الصديق أنه تعامل مع عشرات المشاهير في عالم الموسيقى والغناء والرياضة والأزياء العرب، ولكنها المرة الأولى التي يتعامل فيها مع رجل دين، ولقد هاله أن يرى رجل الدين هذا يحيط نفسه بالعشرات من الخدم والحشم الذين يهيئون له كل شيء قبل التصوير. هؤلاء، والحديث لصاحبي، لا يعنيهم كادر العمل التلفزيوني الذي أقوده، فهم يفهمون في كل شيء. أما المخيم الذي نصبه رجل الدين لتصوير حلقات برنامجه فكان شيئاً من أعمال اشد الأثرياء تطرفاً. قال لي صاحبي: هذا ليس رجل دين، بل نجم تلفزيوني بلباس رجل الدين! ذكرني بكيم كارداشيان!
والآن، ما الذي قدمته وسائل التواصل الاجتماعي في التهيئة لثورة ما بعد ثورات "الربيع" العربي، وربما لتصحيح مسار تلك الثورات؟ الثورة الجديدة القادمة التي أقصدها هي تلك التي ستطيح بسلطة رجال الدين، وربما إلى الأبد. اما امارات هذه الثورة فلقد بدأت بالفعل، ومسرحها هو الفايسبوك وتويتر ويوتيوب وجروبات الفايبر و واتس آب وما إليها. ان من يقرأ هذه الكلمات ربما يكون قد شاهد، ولو عن طريق الصدفة، مقطعاً لرجل دين وهو يتحدث بحديث غير منطقي أو لا يلائم العقل العلمي الحديث. مثل هذه المقاطع الفيديوية تنتشر اليوم في وسائل التواصل الاجتماعي مثل النار في الهشيم من أجل اثارة الضحك والمتعة والسخرية. مقاطع تنافس نكات نجم الكوميديا عادل امام. انها مقاطع تسطّح أفكار رجل الدين، تسخر منه. مقاطع أقل ما يقال عنها أنها فضحت عوراته، وليست عورة واحدة، تلك التي يريد أن يخفيها رجل الدين فيفشل. وعي الناس هو ليس وعي بدايات القرن الماضي عندما كان رجل الدين يجلس على دكة عالية فيتلقى المستعمون تحت قدميه ما يقوله وكأنه الحق. لقد اختلف كل شيء. البعض يتداول تلك الفيديوات تحت أسماء مستعارة، خاصة إذا ما كان هذا البعض يعيش في مجتمع منغلق غير متسامح وعنيف، فيما آخرون، وخاصة من يعيشون في الغرب، يبثّون تلك المقاطع بأسمائهم الصريحة. استمرار تدفق تلك الفيديويات، والتي هي مأخوذة أو مجتزأة من محاضرات "دينية" طويلة، سيفعل فعله في تسخيف فكرة رجل الدين المقدس، وفضح أكاذيبه وادعاءاته، وهو الهدف المرجو من أجل الإطاحة بسلطته المتضخّمة. 
لا يعقل أننا نعيش في القرن الواحد والعشرين فيما رجل الدين، المتنعم بكل اختراعات ومكتسبات علوم هذا القرن، يمنعنا ممّا يتمتع به هو، بل ويحذرنا من كل ما هو انساني بحجة ان ذلك ضد الله.
الثورة القادمة هي ثورة الانسان المقهور ضد ظلم طبقة رجال الدين التي تحالفت مع كل شيء من أجل أن يظل البشر عبيداً لهم.

 

المدى العراقية  

شوهد المقال 6603 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

سعيد خطيبي ـ رشيد طه… المُسافر خارج الأزمنة

 سعيد خطيبي   غالباً ما نبتلع تلك العبارة المكرّرة، التي تقول: «الرّاي وصل للعالمية»، دونما تفكيك لها، أو فهم صريح لما تُخفيه. يظهر على البعض
image

ناصر بن غيث ـ الاسلام الليبرالي .. قراءة برؤية جميلة

 الاسلام الليبرالي .. قراءة برؤية جميلة د. ناصر بن غيث المريكتب بتاريخ  2012-09-13   لماذا تخلفنا؟ سؤال قديم جديد سهل ممتنع ولعله أحد أصعب الأسئلة التي يمكن
image

المغرب والكعكة الفقودة

 فريد بوكاس  منذ اندلاع حراك الريف شمال المغرب، والدولة تتخبط في سياستها الداخلية والخارجية، باحثة عن مخرج بأقل الخسائر، لكن وللأسف لازال
image

مفدي زكريا..عندما تخونه الجزائر؟؟

د. وليد بوعديلة عندما يتجدد الاحتفال بلحظات هامة من الذاكرة الجزائرية على الجزائريين أن يتأملوا واقعهم وأحوالهم في جميع الميادين، لأجل قراءة واعية للمتغيرات التاريخية و
image

اسلام سلال ـ أمهات ساحة مايو والاختفاء القسري

اسلام سلال   في عام 1971 قام جنرال عسكري في الارجنتين يدعى خورخيه فيديلا بانقلاب عسكري وفي خلال ثلاثة اشهر اختفى الالاف من المواطنين
image

سعيد عبد القادر عبيكشي ـ الأفلام الوثائقية.. متعة التحيز المرغوب

د.سعيد عبد القادر عبيكشي يشاهد الكثير منا الأشرطة الوثائقية على اعتبار أنها جزء من منظومة تثقيفية ومعرفية، فهي تزيد من معارف الشخص وتطلعه على مجموعة
image

وفاة رمز الآهاليل الجزائري مولاي الصديق سليمان { مولاي تيمي }

  د. ميلود ولد الصديق  الواحة الحمراء تفقد ذاكرتها الحية وموسوعتها في الاهليل والتراث الشعبي. انتقل الى جوار خالقه أمس الثلاثاء السيد مولاي
image

وليد عبد الحي ـ من كتابي:إيران 2020(2)

 أ.د. وليد عبد الحي  الثقافة السياسية في المجتمع الإيراني:نقصد بالثقافة السياسية مجموع الاتجاهات والمعتقدات والمشاعر التي تشكل نظاما وتعطي معنى للعملية السياسية،وتقدم قواعد حاكمة لسلوك
image

عادل السرحان ـ رُفِعَ الغِطاءُ وانْكَشَفْ

  عادل السرحان             رُفِعَ الغِطاءُ وانْكَشَفْ وامْتازَ تَمْرٌ عَنْ حَشَفْ وَتَوَقَّدَتْ قِيَمُ العِراق ولاحَ يَوْمُ المُنعَطَفْ وازْدانَ صُبْحٌ بالْهِتافِ على الخِداعِ المؤتَلِفْ نحنُ العراقُ اذا
image

عبد العزيز بوباكير ـ تداعيات الأمير والإمام

  د. عبد العزيز بوباكير في كتاب للمؤلفة الانجليزية ليسلي بلانش "سيوف الجنة"The sabres of paradise صورة نادرة حفظها لنا التاريخ، لحسن الحظ، التقطت سنة

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats