الرئيسية | من الصحافة | محجوب الزويري - روسيا في سوريا وعام على الجريمة

محجوب الزويري - روسيا في سوريا وعام على الجريمة

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

 
د. محجوب الزويري  

قبل مائة عام استطاعت القوتان العظميان آنذاك بريطانيا وفرنسا أن تحرم روسيا من أن تصل إلى المياه الدافئة في البحر المتوسط. فاتفاقية سايكس بيكو التي كانت روسيا على اطلاع بها تغير نتاجها ليقسم بين بريطانيا وفرنسا. يرد هذا الكلام في سياق مهم يربط الأمس باليوم وكذلك الغد، فها هي روسيا تمضي عاماً من التدخل العسكري الذي لم تستطع دولة عظمى ولا غيرها أن توقفه أو حتى الحد منه، وتتزايد حدة التدخل عبر اختبار القوة العسكرية التي لم تختبرها روسيا ربما منذ الحرب على أفغانستان في أواخر القرن العشرين، تتكئ روسيا على الحقيقة الظالمة التي يوجدها مجلس الأمن وهي كونها عضوا دائما في مجلس الأمن الدولي ولديها حق النقض الفيتو والذي منع أي جهد دولي للحد من سيل الدماء السورية والتدمير لكل قواعد البنية التحتية في سوريا.
عام مضى على تدخل روسي قالت عنه موسكو انه سيدوم شهراً، لكن السؤال المهم هو ما الذي حمل روسيا إلى ارسال القوات العسكرية والبحرية والجوية إلى سوريا؟ ثمة أمران هامان تستند اليهما روسيا في تدخلها في سوريا لا يشملان بالضرورة المحافظة على الوضع القائم في سوريا، وانما المساهمة في تشكيل وضع جديد يكون لموسكو كل الدور في تشكيله. ولعل أحد أهم المفردات للوضع الجديد هو تكرار سياسة التقسيم التي اتبعتها الولايات المتحدة لضمان تحقيق نتائج أفضل على الأرض.
الامر الاول الذي دفع بروسيا للتدخل العسكري يتعلق بحالة الهزيمة التي مُني بها النظام ومعه إيران والميليشيات، بحيث خسر النظام وحلفاؤه معظم الأراضي التابعة للجمهورية السورية. الانتظار حتى الوصول إلى تلك النقطة ثم التدخل يبدو انه مقصود حتى تتمكن روسيا من فرض كلمتها على المشهد السوري وهو الامر الذي دفع بإيران إلى تعيين مبعوث سياسي وعسكري للتنسيق مع روسيا والنظام في سوريا بخصوص التطورات السياسية والعسكرية. روسيا تبدو حريصة على أن تجعل الأطراف التي تعمل معها في سوريا بما في ذلك النظام يتراجعون إلى الخلف ويتبعونها.
الأمر الثاني يتعلق بحالة استعادة زمام المبادرة في المشهد الدولي لا سيما في العلاقة مع الولايات المتحدة عبر البوابة السورية. ما تفعله روسيا في سوريا سبق وأن فعلت الولايات المتحدة مثله في العراق وفي أفغانستان حين اتكأت على قوتها العسكرية وحق النقض الفيتو الممنوح لها في مجلس الأمن وكذلك قدرتها على تكييف تحالفات سريعة مع شركاء لها لتحقيق أهدافها. لذلك لا فضل أخلاقيا لواشنطن على موسكو فكلاهما ولغ في الدماء العربية واسترخصها.
إن ما تسمعه موسكو من انتقادات أميركية لما يحدث في سوريا لا يبدو أن موسكو تأخذه على محمل الجد ولا الاهمية. لأن مثل هذا الانتقادات وجهتها موسكو من قبل لواشنطن للقتل في العراق أو ليبيا وهو ما لم تستمع له واشنطن. الحضور بفعالية في المشهد الدولي واستعادة الهيبة يجعل روسيا غير آبهة بالآلاف الذين يُقتلون في سوريا ولا التدمير وهي ترى أن ما تسميه الجماعات الإرهابية هي المسؤولة. 
عام من التدخل وتستمر جريمة تدمير الأرض والبشر في سوريا عبر البوابة الإيرانية وبوابة الامم المتحدة التي تبدو خرساء من حيث التحرك وليس لها الا الاستنكار. لا يبدو في الأفق ما يمكن أن يجبر روسيا على وقف جريمتها في سوريا، ويبدو أنه حتى تتحقق صيغة تضمن تشكيل الوضع الجديد الذي تريد روسيا ان تحقق مصالحها فيه فلا وقف للعدوان ولا يبقى الا الله للسوريين ومن آمن بما يؤمنون.
الوطن القطرية

شوهد المقال 1828 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

نهاد مرنيز - " سي بوعزيز بن قانة " .... كتاب مسمُوم يوظفُ وجهة النظر الإستعمارية للثورة التحريرية

نهاد مرنيز أثارت عودةُ " قاطع أذُن " الجزائريين من خلال كتابٍ يُمجدُ تاريخهُ " القذر "والذي توثقهُ شهاداتٌ وصورٌ وحقائق ، الكثير من الجدل بين
image

رائد جبار كاظم - النفط مقابل الحياة

د. رائد جبار كاظم صرح الرئيس الأمريكي الجديد دونالد ترامب حول مسألة النفط في العراق بقوله : "إن واشنطن كان عليها أن تأخذ احتياطيات الخام العراقية"
image

بوزيد بغدادية - امرأة من دانتيل

بوزيد بغدادية               كَكُلِ أُنثى أناأصنع الفراشات وأهديها لحقولِ وطنيوأهديها للورْدِ والزَّهْرِككل أنثى أنا أخيط العرائسَ من القطنِوانْفُخُ فِيهَا طُولَ العُمْرِوأسْرِي... وأسْرِي... حالمةًوحظي الودودُ مَحْبُوسٌ في الأَسْرِوقدري البَائِسُ بَاعَ
image

مادونا عسكر - الرمزية ومدلولاتها في ديوان "من عبادان نحو العالم الفرنكوفوني" للشّاعر الإيراني جمال نصاري

مادونا عسكر- لبنانعندما تعجز اللّغة يحضر الشّعر بانسيابه العذب ومنطقه الأعلى وروحانيّته المتّقدة. يحضر، وتحضر معه فضائل العالم الشّعريّ الملامس للأرض المطاول للسّماء. "من عبادان
image

عبد الباقي صلاي - ما هكذا تورد الإبل يا حاكم الشارقة؟ !!

عبد الباقي صلاي لم نكن ننتظر من حاكم الشارقة "سلطان بن محمد القاسمي" أن يخرج علينا بتصريح أقل ما يقال عنه إنه تصريح غير مسؤول عن
image

بادية شكاط - حين صار الإسلام مشكلة.. هل ستصير العلمانية هي الحل؟

بادية شكاط   لا شك أننا اليوم بتنا بحاجة إلى بوصلة تُحدّْد لنا مواقعنا الإيديولوجية، تمامًا كتلك التي تُحدّد لنا مواقعنا الجغرافية، خاصة ونحن نعيش هذه الفوضى
image

ولد الصديق ميلود - السياسي الانتهازي في مقابل المواطن الانتهازي : موسم التعايش السلمي

د.  ولد الصديق ميلود  إذا كان موعد إجراء أي استحقاق انتخابي في الديمقراطيات العريقة أو حتى الناشئة هو فرصة للتباري بعرض البرامج  الانتخابية ومسلكا مهما  للتجنيد
image

حمزة حداد - إقطاعيوا الإدارة .. " الصغار " !!

 حمزة حداد   الإقطاعية في أوربا انتهت بما عرفته من ثورة صناعية وعمليات تحديث وتحيين لمجموعة من المفاهيم التنورية التي تجعل من الإنسان مبتدأ الاهتمام ومنتهاهللأسف
image

كاظم مرشد السلوم - حكاية الهروب من جحيم إلحرب الى غياهب البحر

كاظم مرشد السلوم  ماريه نوستروم ، عملية عسكرية  امنية بحرية اطلقتها ايطاليا في اكتوبر تشرين الاول عام 2013 للحد من موجات النزوح والهجرة غير الشرعية من
image

نوميديا جرّوفي - جماليّة النّصوص في كتابات الشّاعر "بهاء الطّائي"

 نوميديا جرّوفي"بهاء هدب الطائي" من مواليد 1967 ، بالكاظميّة، بغداد، العراق، خرّيج كليّة الزراعة سنة 1991.صنع لنفسه عالمه الخاصّ من خلال كتاباته المتنوّعة و الكثيرة

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats