الرئيسية | من الصحافة | الشاعر والإعلامي التشكيلي لخضر خلفاوي لـ: جريدة المواطن"

ـ "كنتُ دائما و ما زلت أحلّق خارج السرب‫!"‬


الشاعر والإعلامي التشكيلي لخضر خلفاوي لـ: جريدة المواطن"

ـ "كنتُ دائما و ما زلت أحلّق خارج السرب‫!"‬


بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

 
:

حاورته : سعاد طاهر / محفوظي 
شاعر حمل في جعبته وجعه وغربته وحنينه للوطن تتلاشى الكلمات حين تستمع لنزفه الشعري ... ، تتمتع أشعاره بالقدرة على الاستحواذ على قارئها بعد أن تترك آثارها على روحه، فهي محاطة بالألم والحزن من جهة والشموخ والكبرياء من جهة أخرى، فهو شاعر يتميز بإنسانية عالية التي يعيش الشعر من أجلها... فقد عانى خلفاوي في بداياته الأولى لكنه تمكن من التغلب على كل العقبات من خلال كتاباته ونصوصه القيّمة ليثبت حضوره الملفت للانتباه. 
فكان من الواجب أن نقرأ ألمه وحزنه وشموخه وكبريائه... فكان لنا معه هذا الحوار 



المواطن: أرحب بكم أستاذي الكريم، من هو لخضر خلفاوي؟ 
‏
لخضر خلفاوي: أهلا بك، لخضر خلفاوي إنسان يبحث عن مغزى إنسانيته من خلال ‫ ممارسة الكتابة ككل والإبداع الشعريبشكل خاص، أنا بكل تواضع وبساطة رجل تشعَّبت حياته وتفرّق دمه بين قصيدة ورواية وريشة وصورة وعدسة و "‬قصبة خط‫"‬.. وهبتُ حياتي لكل هذه الأجناس الإبداعية والفنية لا لشيء سوى محاولةً مني وفضولا منذ الصِّبا لترجمة وجودي ومحيطي بالطريقة التي أراها أرقى وأجمل.. فحبّي للجمال جعلني رحَّالة لا يتعب من السفر في كُنْهِ جماليات الأشياء‫.‬
‏‎وظهرت محاولاتي الإعلامية الأولى المتواضعة في صحف عدة كأسبوعية ‫"‬أضواء‫"‬ ومجلة ‫"‬الوحدة " و"الخبر‫"‬ تزامنا مع نشاطي الفني. من أعمالي الأدبية المتواضعة جدا ‫(مترجمة إلى الفرنسي)‬ في الشعر الدواوين التالية: ماجدة.. الحب حتى الموت، ديوان ‫"‬عدْ إليّ‫…‬سكر الكلمات‫"‬ وديوان أخير صدر في صيف 2014 بعنوان ‫"‬المُساءُ فهمه: رسالة مفتوحة إلى الله‫!"،‬ أما في مجال الرواية فلديّ أعمال كثيرة لم تنشر بعد منها المنشور سنة 2008 بعنوان: ‫"‬سان نايت، الهويات المنكّلة‫"،‬ وفي الأعمال التوثيقية صدر لي كتاب السنة الماضية بعنوان ‫‫"‬المتمرّد..‬ وغضب الكتابة"، دون أن أنسى طبعا أولى أعمالي المشتركة أو التأليف الجماعي لكتاب ‫"‬كيف تتعامل فرنسا مع اللجوء السياسي‫…‬ رسائل إلى أمهاتنا بَقَيْن في الوطن‫"‬.
كتاب قمتُ بتأليفه برفقة نخبة من الصحفيين الأفارقة الموجودين في المنفى آنذاك، صدر عن دار ‫"‬لارماتون" باريس سنة ألفين ‫(‬2000‫)‬ وكان باسم منظمتنا السابقة ‫"‬الصحفيون الأفارقة في المنفى" التي كنت من مؤسسيها الأساسيين وسكرتيرها العام‫.‬
* على ذكر منظمتكم "الصحفيون الأفارقة في المنفى
ما هي أسباب تأسيسها وأهدافها؟
●
عندما وضعتُ رحالي في باريس، كانت أولى الأمور والإجراءات الماراطونية هي إجراءات بناء حياة جديدة على أرض المهجر؛ تدابير وإجراءات جد معقدة وطويلة ومتعبة، بالرغم من أن صفتنا كصحفيين وكتاب ومثقفين ليست أكثر تعقيدا مقارنة مع إجراءات طالبي اللجوء الاقتصادي وطالبي وثائق الإقامة! بالنسبة إلى المهاجرين العاديين نُعتبر محظوظين، بالنظر إلى - الخطاب الرسمي - لهذا البلد (والمفروض أن) يسهل إجراءات طلب الوثائق الثبوتية والإقامة والحماية، لأنه يقدس حملة الأقلام وحرية التعبير ! لكن هذا من الناحية النظرية فقط، حيث الواقع يختلف تماما قبل أن أحط رحالي بهذا البلد كانت أحلامي المهنية الإعلامية والفكرية ومشاريعي كثيرة، وبمجرّد مرور أشهر تأكدت وتأكد زملائي ورفاقي الإعلاميين من القارة السمراء أن أحلامنا ومشاعرنا يجب أن تؤجل وتوضع جانبا ما لم يتحقق لنا "الاستقرار المادي والاجتماعي وحدوث "الإدماج الحقيقي نسبيا"، فليس كل صحفي قادم من إفريقيا بما في ذلك المغرب العربي يملك ثقافة فرنسية أو يجيد التحدث والتعامل بهذه اللغة. كانت اللغة وجهل التقاليد ونظام الحياة في المجتمع الفرنسي من بين العراقيل التي تقف حجر عثرة أمام هؤلاء، لهذا اهتديت وصديقي الحميم الكاميروني "أيوم أنجانجي" (صحفي ونائب رئيس تحرير سابق لـلصحيفة الساخرة الكاميرونية المسماة بـ "الرسول" إلى إيجاد إطار تنظيمي للخروج من هذا المأزق في إثبات وجود على أرض ليست بأرضنا.. 
هذا الإطار تمخض عنه تأسيسي وصحبة رفقائي الأفارقة لمنظمة دولية أطلقنا عليها اسم: "الصحفيون الأفارقة في المنفى" هدفها تسهيل عملية الإدماج ومرافقة ‪ومتابعة ‬كل مترشح لطلب اللجوء والدفاع عن مطالب من تتوفر فيهم الشروط أمام الإدارة الفرنسية لتسهيل عملية الحصول على الموافقة لطلبات اللجوء السياسي. المشروع كان طموحا، وترسخت لدينا هذه القناعة في تأسيس جمعيتنا بعدما تأكدنا وكشفت النوايا الحقيقية لبعض المنظمات الدولية التي تتغنى بحرية التعبير وبدفاعها عن الصحفيين المضطهدين في دول العالم الثالث، فالخلفية كانت استعمال قضايا "اضطهاد الصحافة وحرية التعبير وحقوق الإنسان" من أجل التدخل في سياسات بعض الحكومات والضغط عليها لصالح السياسة الخارجية الفرنسية ! رغم قلة إمكانياتنا وانعدام الرعاية من قبل المؤسسات الفرنسية الضخمة ذات الوزن الثقيل استمرينا في الدفاع عن حقوق الصحفيين الأجانب (والأفارقة على وجه التحديد) ومساعدتهم في إجراءاتهم اليومية للتخفيف من قلقهم وضغطهم النفسي بعدما فقدوا كل شيء في أوطانهم الأصلية. بعدها اتضح لنا جليا  بوضوح الشمس أن بعض الجهات وخصوصا المنظمات التقليدية التي صارت تنظر إلينا بنظر المغضوب عليه ووضعتنا في خانة (المنافس) الذي قد يشكل خطرا على وجودها التاريخي، فغلِّقت كل الأبواب في وجوهنا بغية تشديد الخناق على منظمة - دخيلة - كمنظمتنا بإمكانها أن تخطف الأضواء والأموال والمصالح ! 
فلم نستطع الحصول حتى على مقر رسمي للجمعية، رغم ذلك تمكنا من إنشاء موقعا إلكترونيا باسم الجمعية وإصدار كتاب بتأليف جماعي فضحنا فيه بأسلوب ساخر السياسة والخطاب المزدوج للنظام والمجتمع الفرنسيين .
بالرغم من ذلك فقد حاولت بعض وسائل الإعلام النزيهة الترويج لمنظمتنا ولأهدافنا إلا أنه مع مضي الوقت أجبرنا على توقيف نشاطنا وتم غلق موقع المنظمة لعدم تسديدنا لمستحقات وتكاليف التسيير والنشر .
وهنا يكمن تناقض الخطاب الغربي إزاء قضايانا العادلة، بإمكانهم صرف في حملات دعائية المئات الآلاف من الدولارات من أجل الدفاع عن كاتب أو صحفي" مشبوه" في بلادنا لأنه يسب دينه وعادات أجداده ويشجع على الدعارة والمثلية الجنسية، وتحرم منظمة حقيقية من دعم بسيط يتمثل في مقر أو عتاد آلي لا يتجاوز آلاف الدولارات؛ فأين نواياهم الفعلية والحقيقية هي حماية الصحفي وحرية التعبير !
علّمتنا التجربة أنك إذا أردت أن تخطف الأضواء وتكون محبوبا من قبل السياسة الفرنسية والإعلام الفرنسي، يجب أن تكون (منافقا، تسب الدين الإسلامي وتأكل لحم الخنزير وتشرب الخمر وتسخر من الله والرسول، ويجب أن تكون مطبّعا للاحتلال الإسرائيلي ومشجعا للنعرات والحركات الانفصالية والقبائلية والعرقية لتقسيم وتشتيت أوطاننا الأصلية، بينما هم يتوحدون جغرافيا واقتصاديا كل يوم! أما دون ذلك فأنت مثقف غير مرغوب فيه ولن يرضوا عنك حتى تتبع ملتهم !وبهذا تبخرت أحلام عناصر مجموعتنا، فمن كان يحلم في تأسيس جريدة مستقلة نسي الأمر، ومن كان يحلم بتأسيس دارا للنشر أعاد ملف ذلك في الدرج، وذهب كُلٌّ إلى حاله مرغما على ضمان قوته وقوت أولاده قبل كل شيء بقبول أيّ عمل! باريس ليس كما يعتقد المعظم ؛ وليس فيها عدا الأضواء والملائكة، بل هي تعج بالظلمات وبالأنفاق وبالجن المارد أيضا !
‏‎
* 
كيف يقرأ لخضر طفولته وأين قضاها، ومتى عرفت أنك مغرم بالكتابة الشعرية وفن الخط... وهل لديك تعريفا لهما؟
‏‎●
قضيتُ طفولتي وبداية شبابي في الجزائر وبالضبط في مسقط رأسي "مدينة مسكيانة‫"‬ ولاية أم البواقي بالشرق الجزائري ، ربما أمضي العمر كله ولا يمكنني أن أقرأها، لأنني لم انته من كتابتها واقتباسها ـ عبر إبداعاتي المختلفة ـ .. دون لف ودوران؛ طفولتي هي نعمة ونقمة في آن واحد! ربما قسوة بعض مراحلها وفتراتها هي التي كانت المحرّك والمستفز "السيكولوجي" الأوحد الذي أرادني أن أُغيّر المستقبل وأنتقم من "الظلم بكل أشكاله" اجتماعيا وسياسيا وحتى ربما أُسَرَيّا ".. وعندما أخلو إلى نفسي وأمعن في مراحل طفولتي أشكر الله كثيرا أنه ابتلاني بطفولة جد قاسية لكيْ أُصنَعَ على عينه وبرعايته؛ وحتى أكون عند ‫"‬حسن ظنه بي" وفي مستوى الرسالة التي أعتقد أنه خلقني لأجلها‫.‬
‏‎لا أعتقد أنه يمكنني تصنيف الكتابة الشعرية وفن الخط بالغرام وأتكلّم هنا عن حالتي طبعا؛ إذ في سن مبكرة جدا وجدتُ نفسي بحاجة ماسة إلى استعمال لغات إبداعية كثيرة ومختلفة، وهذه الحاجة أعتقد أنها وليدة عدم انسجامي مع محيطي العائلي ومع أترابي ومع المحيط ككل… ففي السنة الثالثة ابتدائي بدأتُ أشعر برغبة كبيرة في تدوين وكتابة بعض الخواطر التي كنت أسميها بالأشعار آنذاك، فسرعان ما انتبه إلى ذلك أساتذتي وشجعوني كثيرا… كنتُ تلميذا ممتازا ما جعلني ألفتُ انتباه الجميع، فأذكر ذات يوم وأنا في سن لا يتجاوز العشر سنوات استدعاني السيد ‫"‬علويط" إن لم تَخُنِّي الذاكرة، وهو مدير بالمدرسة الابتدائية ‫"‬شرفة لخميسي"‫..‬ وأشاد بتفوقي الدراسي وبموهبتي في الكتابة وأهداني ‫"‬دفترا كبيرا‫"‬ مقترحا عليّ تدوين يومياتي أوّل بأوّل، ومنذ ذلك اليوم ازدادت ثقتي بنفسي من خلال تشجيعات هذا الأخير وبتأييد أساتذتي. وكنتُ في كل يوم أكتب  أسرد في ذلك الدفتر يومياتي؛ في المنزل، في الشارع وفي المدرسة، وككل يوم تقريبا يأتي المدير إلى القسم يطلب مني الدفتر ليرى ـ صحيفتي ـ وما كتبته فيها متعلّق بحياتي، فلم يبخل عليّ في كل مرة بتعليقاته وتشجيعاته وتصحيحاته اللغوية‫.‬ في نفس الفترة تقريبا وجدتُ نفسي غير مكتف بممارسة هواية الخاطرة أو الشعر، والذي كان في البداية في شكل أغنيات قصيرة بالعربية والفرنسية، كنتُ تلميذا محبّا ومهووسا بالمطالعة وقراءة الكتب العلمية العالمية والأدبية والفلسفية، وأذكر قصة طريفة مع والدي الذي كان يقدس التعليم وكل ما يقوله المعلم، ربما يعود السبب الرئيسي لكونه من مواليد الثورة ومن بين الذين حُرِمُوا من التعليم، ولأنه كان صعبا جدّا، فكلما أعجبني كتابا ما في الأدب والفلسفة أذهب إليه وأتجنّى زورا وبهتانا على أساتذتي وأتقوَّل عليهم ـ كذبا ـ؛ كَأن المعلم (فلان‫)‬ طلب منَّا الكتاب ‫(‬الفُلاني‫)‬، فكان أبي لا يناقش الأمر، فإما يصطحبني أو يعطيني النقود لكي أذهب وأشتري الكتاب الذي أثار شغفي لقراءته وفي كل مرة يكون ما أردت من كتب مختلفة التي أشتريها من مكتبة‫" ‬زواقة‫"‬ بحيّنا، حيث كانت معظم هذه الكتب موجهة لقراء بالغين في السن وليسوا من سني. عندما أقتني في كل مرّة الكتاب الذي وقع عليه اختياري يكون وقتها شعوري كأني ملكتُ الدنيا.. حبّا في القراءة والثقافة، 
استمريت في الاحتيال المادي على أبي طويلا لغرض نبيل وثقافي وهو لحد الساعة لا يعلم بالأمر‫!.‬ بدأتُ محاولاتي في ممارسة ما يُسمّي ـ بالخط ـ بشكل فطري وغير أكاديمي، كنتُ أجهل قواعده وفنياته وكل ما كنت أفعله في تلك السن المتقدمة هو ـ تشكيل فوضوي، عشوائى للحروف ـ بشكل يبدو للجميع جميلا… واستمرّيتُ على هذا المنوال، إلى أن قادتني الأقدار والحظ  أتعرّف على أستاذ من نوع خاص، في مرحلة التعليم المتوسط، أين كان أستاذا لمادة ‫"‬الإقتصاد‫"‬ الأستاذ ‫"‬بوكحيل حوّاس" خطاطا رائعا بكل ما تحمله المعاني‫…‬ وذات يوم وقبل دخول الأستاذ القسم وكعادتي باعتباري رئيسا للقسم ذهبتُ لكتابة تاريخ اليوم واسم المادة على السبُّورة كما جرت العادة، محاولا تقليد أستاذي الفنان… وعند دخوله القسم ووجد ما  "خربشته أناملي" الساذجة ابتسم وقال من الفاعل، قِيلَ له ‫"‬لخضر‫"‬، فابتسم ودعاني إلى مكتبه أمام زملائي وضمني إليه بلطف وتشجيع كبير وقال أمام الجميع:"لقد أصاب زميلكم عصفورين بحجر واحد‫!"‬ قال هذا؛ لأنه يعرفني كتلميذ متفوّق وها هو يعرفني كموهوب… ومنذ ذلك اليوم تغيّرت علاقتي مع فن "الخط العربي‫"‬ ومع ‫"‬أستاذي"، حيث صرنا نلتقي خارج الإطار الدراسي ومنه كان يدرسني قواعد وأنواع الخطوط العربية... كان أستاذي في المتوسطة ومعلمي وصديقي خارج المتوسطة رغم فارق السن‫!…‬ وعندما تعلمتُ أبجديات الخط العربي شعرتُ بالخجل من نفسي ومن الخطوط التي كنت أنتجها قبل التقائي بهذا الشخص الرائع الذي أنار طريقي وسخره الله ليكون منارتي ومرشدي، وافترقت بنا السبل ‫(‬للأسف الشديد) لمّا انتقل هذا الأخير في مهمة عمل آخر كإطار في مصالح الأرصاد الجوية بالعاصمة… بعدها تعمّقتُ في دراسة هذا الفن بشكل أكاديمي ‫.‬
كما لا أنسى تشجيع بعض العناوين للصحافة المكتوبة آنذاك لمحاولاتي الإبداعية خصوصا الفنية في الخط، من بينها يومية "النصر‫"‬ التي تصدر من ‫"‬قسنطينة " شرق البلاد، واليومية الناطقة بالفرنسية ‫"‬ المجاهد‫"‬ بتوقيع الكاتب و الصحفي ‫"‬ لزهر بعزيز‫"،‬ وأتذكر أيضا في نفس الفترة أني فزتُ في مسابقة أحسن ‫"‬واجهة فنية‫"‬ أُعِدَّتْ لاختيار ثلاث واجهات لمشاركة أصحابها في مهرجان الشباب الدولي الذي أُقيم في ‫"‬بيونغ يانغ " بكوريا الشمالية تحت شعار مناهضة الإمبريالية‫.‬ وبعدما نُشرت النتائج الوطنية وعرفتُ من خلال مجلة ‫"‬الوحدة‫"‬ الأسبوعية فوز أعمالي، ثم أستدعيتُ من قبل ‫مديرية الثقافة لولاية أم البواقي، ليخبروني بإجراءات التحضير للسفر ومشاركتي الدولية في هذه الإحتفالية الشبابية، ثمّ سُرعان ما قُبِرت مشاركتي وتم تجاهل ملفي ولم أفهم إلى يومنا هذا ‬سبب إقصائي، كنتُ وقتها طالبا في الثانوية‫!‬ رغم محاولاتي لمعرفة سبب هذا الإقصاء ونشر الصحافة ‫"‬قضية إقصائي" إلا أن تظلماتي وُئدت هي أيضا‫..‬ وما من يومِ يمضي عليّ إلا وتترسخ لديّ أكثر فكرة وحقيقة ‫"‬ثقافة الإقصاء والتهميش والوأد‫"‬ التي كانت تُمارس من قبل من يُسمّون أنفسهم ‫"‬بالمسؤولين آنذاك في نهاية الثمانينيات‫!‬
‏‎
*  كيف يبرز وجه تفاعل الغربيين مع فننا. ومن خلال تجربتك في فرنسا ما الجديد الذي أضافته لكتاباتك؟
‏‎●
لايمكن للغرب تجاهل فنوننا العربية الشرقية الإسلامية ، حتى وإن تظاهروا بذلك في بعض الأحيان… فالفنون مهما كانت أجناسها هي إثراء للثقافات العالمية وهي لا تعجزها لغات ولا عادات باعتبار الفن والإبداع لغة يفهمها الجميع‫.‬ وما وجود‫ "معهد العالم العربي" إلا دليل على حاجة هؤلاء إلى فنوننا وإلى إنتاجنا المتنوع…‬ صحيح أن هذه المؤسسة ‫(‬معهد العالم العربي‫)‬ لا تؤدي الدور الحقيقي في إبراز والتشهير بشكل فاعل وفعال لموروثنا الثقافي الفني لاعتبارات سياسية حكومية محضة، وتعتمد على أسلوب الواجهة المناسباتية… مؤسسة ما زالت رهينة حكومات الدول العربية المشاركة في هذه المؤسسة الضخمة التي في رأيي ما زالت عقيمة وتعمل دائما وفق أجندات حكومية. ويدير مجلس إدارة هذا المعهد الضخم والمهم السيد "جاك لانغ‫"‬ الوزير الاشتراكي الفرنسي السابق‫!‬ المعهد تمّ تأسيسه في عهد الرئيس الفرنسي الراحل ‫"‬فرانسوا ميتران‫"‬ في الثمانينيات بغرض توطيد وتحسين العلاقة مع الوطن العربي.. السؤال الذي يطرح نفسه ماذا فعل أو قدم هذا ‫"‬المبنى‫"‬ في توطيد أو تحسين حوار الثقافات بين العالم الغربي والعربي؟‫!‬
‏‎تجربتي في فرنسا التي لم تكن ـ اختيارية ـ بل قسرية، ورغم ظروفها، فإني لا أُنكر أن ـ المنفى ـ أو حياة المهجر أثرت في تجربتي الإبداعية بشكل كبير، لم أتصوّر يوما أني سأجد نفسي في أرض غير أرض أجدادي وآبائي، لقد قدمتُ إلى هذه البلاد بلغة يتيمة وحيدة، صحيح لقد درستُ اللغة الفرنسية في الجزائر وكان لي الحظ الكبير أني تتلمذت أيضا على يد نوابغ في هذه اللغة كأستاذي المحترم "بعزيز" وهو كاتب وشاعر وصحفي؛ إلا أني لم أتوقع أن الفرنسية ستكون لغتي الإبداعية الثانية. عندما استقريت في باريس في الوهلة الأولى كانت هذه ‫"‬اللغة‫"‬ نائمة نوما عميقا فِي… ومع مضي الوقت تأكد لي بحكم التجربة أن هذا البلد وهذا المجتمع لا يمكنني مخاطبتهما بلغة ‫"‬المتنبي‫"‬ فهو بلد يرفض كل النبوءات ـ ما عدا الفولتيريات ـ ، وكنت مضطرا لإيقاظ لغتي ‫"‬الثانية" وتمرينها وصقلها، ثم المرور إلى مرحلة الإبداع والنشر، موازاة مع عملي وكتاباتي بلغة الضاد‫، مع مضي الوقت وتقدم العمر، أصبحت الكتابة بهذه اللغة شيئا آليا، ولم انتبه حتى وجدتُ نفسي مترجما باللغتين‫..‬ هكذا أرادت بي الأقدار، أو بالأحرى هكذا أراد الله بي، أن أفقد وطنا وأكسب لغة إبداعية ثانية أترجم بها انشغالاتي الفكرية والوجدانية‫.‬ في الحقيقة لم أفقد ‫"الوطن‫"‬ الذي منعوني وحرموني منه، لقد خبّأته ـ بين الأذين و البطين ـ في قلبي واصطحبني إلى ديار المنفى..‬ فعلاقتي بالوطن صارت عكسية؛ لأن الوطن أو ‫(‬الجزائر‫)‬ تسكنني منذ زمن طويل‫!‬ ولهذا يُبرّرُ سبب ظهور قصائدي ونصوصي ثائرة، أليست الجزائر قلعة الثوار واللاّخضوع‫!‬؟ وما لهم يعجبون وينزعجون من صولاتي في الغضب والثورة المستمرة؟‫!‬‬
‏‎
* مشكلة فهم اللوحة أو غموضها بالنسبة للمشاهد ما دور كل من الفنان والمشاهد فيها، وما الذي تريد إيصاله للناس من خلال كتاباتك؟
‏‎●
فهم اللوحة أو غموضها يتوقف بالأساس على أصل المدرسة الفنية التي جاءت أو انبثقت منها اللوحة كـ ‫"‬الانطباعية‫"‬، ‫"‬الطبيعة الميتة‫"‬ ، ‫"‬التكعيبية‫"‬، ‫"‬السريالية‫"‬ ‫(‬الفواقعية) أو بما 
يُسمى بـ ‫"‬الرمزية‫"‬ أي ‫(‬السامبوليزم بالفرنسية‫)‬، أكيد أن للفنان دور أوّل، رئيسي وأساسي خصوصا إذا أُستعملِت ـ التكعيبية أو السريالية والرمزية ـ ، وقد تكون تأويلات المُشاهد وقراءاته مختلفة عن قراءات وتأويلات الفنان نفسه.. وأحيانا تكون بعض القراءات الصادرة من قبل المشاهد أكثر رمزية وأكثر بلاغة من فكرة الفنان ذاتها‫.‬ اللوحة في الأصل هي نتاج أو نتيجة إلهام وفكرة خاصة بفنان ما وبعد تجسيدها على القماش أو على أيّ مساحة وفضاء أو مادة‫..‬ وقد تكون بعد عرضها سببا في إحداث أو استفزاز أفكار إلى ما نهاية من الزمن ‫.‬ مع ذلك يبقى الفنان صاحب الدور المباشر والمهم جدا في فهم أو غموض العمل الفني، خذي على سبيل المثال لوحة ‫"‬لا جوكوند‫"‬ أو ‫"‬ الموناليزا‫"‬ للشهير ‫"‬ دافينشي ‫"‬ حيث ما زالت هذه اللوحة لم تقل كل أسرارها وحتى و إن اعتقدوا أنهم اكتشفوها كلية!.  إذا أراد الفنان أن يستفز أكثر مخيّلة المشاهد أو المتلقي، فإن نسبة التعقيد والغموضية تزداد حبكة في وضع كل اللمسات، شريطة توفرّ مشاهد أو متلقّي فضولي ومحبّ للفن والثقافة‫.‬
‏‎
* ما الذي تريد إيصاله للناس من خلال كتاباتك؟
‏‎●
الذي أريد إيصاله إلى الناس من خلال كتاباتي وإبداعاتي؛ ضرورة سيادة الحب وتلاشي الأحقاد والحروب، وأن الإنسان لا يمكن أن يرقى ويأمن من شرور نفسه أولا وشرور الآخرين ثانيا إلا بالتسليم أن ‫"‬العدل ‫"‬ هو أساس ملك وسلام الإنسان، بدءً بنفسه وبأسرته وأهله، بالعدل نبني ونتقدّم وبالظلم نهدّم ونتأخر، يجب على الإنسان أن يكف عن محاولاته ليكون بديلا لله في الأرض!… أحاول دائما في كتاباتي أن أكون عدوّا لدودا لكل مظاهر الظلم والجور. فلا أسامح نفسي في كل مرة عندما يتأكد لي بأني قمتُ بمظالم صغيرة‫!‬ منذ طفولتي وأنا عندي ‫"‬حساسية" مفرطة إزاء الظلم والظالمين‫!‬ ولا يسلم كل ظالم من منعكسات ظلمه وغضب الله عليه وانتقامه مهما طال الزمن أو قصر ‫!‬
‏‎* 
هل ترى أن هناك ارتباطا بين اختصاصك كإعلامي والفن التشكيلي، وهل كان الرسم بالنسبة للخضر خلفاوي موهبة تطورت بمجهود شخصي أو موهبة تطورت بالدراسة؟
‏‎●
الفن التشكيلي والكتابة سبقتا تجربتي الإعلامية بطبيعة الحال، وفي الإجابة السابقة شيء من الإجابة عن السؤال، بمعنى أنه منذ صغري تبنّيتُ تلقائيا حربا ضد الظلم وضد انعدام العدالة الاجتماعية، فاختياري لهذه المهنة لم يكن حبّا في ‫"‬اللقب‫"‬ وحبا في حيازة ‫" بطاقة الصحفي‫"‬ التي نعلقها على أعناقنا، بل كنت أنظر إلى هذه المهنة على أنها‫"‬السلطة ‫"‬ التي تجعلنا أن نغيّر بها الأوضاع وإن لم نغيّرها ندينها ونفضحها للرأي العام‫..‬‬
‏‎أؤمن دائما منذ نعومة أظافري بمقولة:" أفضل النضال أو الجهاد، هي كلمة حق أمام سلطان جائر‫! "‬عطشي منذ نعومة أظافري للحرية وللعدالة قرّبني من عالم ‫"‬السلطة الرابعة‫"‬ ومن كواليسها ومتاعبها أيضا‫.‬
‏‎الفن التشكيلي ككل والخط العربي كانتا موهبة منذ الصغر تطوّرت في البداية بفضل مجهودات شخصية جبارة وبتشجيع الأقارب والأهل وبعض الأساتذة، أما الدراسة والبحث المستمر جعل من موهبتي تأخذ بعدا آخرا‫.‬
‏‎* 
ما مدى تأثير المهجر على حياتك ككاتب وإعلامي وحياتك الفنية؟
‏‎●
حياة المهجر أثرت كثيرا في كتاباتي وحياتي الفنية المتواضعة ، في الحقيقة هو ليس مهجرا بل‫ "‬منفى‫"‬، حيث قضيتُ نصف عمري بعيدا عن وطني وأهلي وأصدقاء الطفولة وكل ما هو ثمين ويمثل الكثير ‫بالنسبة لي، لقد فقدتُ العشرات من أقرب الأقربين ومن الأصدقاء دون أن يكون لي الحق في الحضور ومواساة أهلي وتشييع جنائز الراحلين من عائلتي ‬والأصدقاء ‫!. ‬
حياة المهجر لم تؤثر فحسب في كتاباتي و ممارساتي التشكيلية ، بل أثرت حتى في نفسيتي و مزاجيتي. ربما هذه الحياة أثرت إيجابا في المجال الإبداعي و الفني، لكن من الجانب النفسي كان التأثير سلبا سوداويا ومنكلا… بحكم أني لا أعرف متى يمكنني أن أزور وطني دون أي مشاكل إدارية ‫.‬
‎‫(‬يُتبع‫)‬ 
‎ـ منقول : جريدة " المواطن " الجزائرية. الجزء الأول 21 جويلية 2016ـ

شوهد المقال 2241 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

علي رحالية - بوتفليقة.. العسكر.. وسوق الحمير الحلقة الأولى : ومازال بوكروح يعتقد بأننا "غاشي"

 المواطن علي رحالية واحد من الغاشي رغما عني جذبني الحقل المغناطيسي للرداءة والتفاهة العامة التي غرقت فيهما البلاد والناس.. الرداءة في كل شيء.. وتتفيه أي شيء.. السياسة..
image

شكري الهزَّيل - الامم المتحدة : قهقهات على جثث الشعوب العربية!!

  د.شكري الهزَّيل الناس في بلادنا وبلادكم مشغولة ومنشغلة بامور الدنيا والدين ويكادوا ان ينسوا او يتناسوا امور العالم اللتي يغزونا في عقر دارنا ولا نغزوة
image

منظمة تواصل الاجيال بحي محمد شعباني ببوسعادة تصنع الحدث وتحقق الهدف.

   تقرير: هنيدة نورالدين. بادرت اليوم المنظمة الوطنية لتواصل الاجيال (ONCG) بحي محمد شعباني بوسعادة ،بفتح وتدشين نادي موجه للاطفال بمقرها حتى تصنع الحدث وتظيف فضاءات تحتضن
image

شكري الهزَّيل - جرائم حرب : تحالف النظام السعودي دمَرالمرافق الحيوية ونشر الكوليرا وزرع الموت في اليمن!!

 د.شكري الهزَّيل بعد عامين ونصف العام من العدوان السعودي الفاشي لاشئ يعمل في اليمن, فقد دمر القصف المستمر كل شئ في اليمن وزرع الموت والخراب
image

رائد جبار كاظم - الفلسفة النيتروسوفية نظرية جديدة في التفكير

  د. رائد جبار كاظم الاختلاف لا الخلاف، والتنوع والتعدد في الآراء والافكار، هو ما يميز الفلسفة والفكر الفلسفي عن غيره من أنماط
image

محمد مصطفى حابس - محن في مسيرة الدعوة و الدعاة.. !! حتى يتعلم القوم بأن هذه الأمة تمرض لكن لا تموت

  محمد مصطفى حابس: جنيف/سويسرا  الدعاة في الميدان أنواع و طباع وأشكال وأحجام، والأفكار أمزجة وأمتعة، وكما قال بعضهم،
image

خالد ديريك في حوار مع الشاعرة والباحثة والمترجمة والناقدة الجزائرية " نوميديا جرّوفي".

خالد ديريك   - أوّل نصّ لي كان خاطرة في عمر الحادية عشر بعد قراءتي لرواية الأمين والمأمون لجرجي زيدان. ـ إنتاجي الأدبي
image

مريم حمادي - سأعتزل محرابك

مريم حمادي       ســـــأنتفض........ ســـاّنتفض غصبا عــني سـأعــتزل محــرابك لإنـنـــي مـــــلــلت قــررت الرحــيــل ســـأهجر مملــكـتك و أكـــسر
image

الخطاط العراقي علي البغدادي وبرنامج الخط الجديد سومر ..... ترقبوه

 علي البغدادي   رداً على جشع بعض الشركات التي تستخدم الفن الاسلامي الاصيل (واقصد هنا الخط )وبعد تطاول شركة winsoft المتأثرة اشد التأثير بالعقلية الفرنسية المتحجرة على

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats