الرئيسية | من الصحافة | ستار سامي بغدادي - في مهب رياح المادية

ستار سامي بغدادي - في مهب رياح المادية

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

ستار سامي بغدادي 
‏بين  تراخي وتفكك روابط العلاقات الاجتماعية العراقية هناك منطقة تتفق عليها آراء الكثيرين ، تتباين فيها درجة الخطر كمؤشر لظاهرة قد تكون مستفحلة تحتاج الى معالجة سريعة من وجهة نظر البعض ، او سطحية ستختفي تدريجيا بانتهاء اسبابها حسب وجهة نظر البعض الآخر ..
‏يشير استمرار طريقة التعامل والتواصل فضلا عن التعاون في علاقتنا الاجتماعية اليوم الى ظاهرة ترمي بكل ثقلها نحو المادية والمصلحية ، ما يدفع الى تزايد القلق تجاه تهديد ، او نسف ، مبدأ هذه العلاقات في مجتمع كان لفترة ليست بالبعيدة ( مثل الجسد ، اذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسّهر والحمّى ) ، ضريبة باهضة قد يفوق ثمنها ، اثمان الأرواح التي قدمناها لحروبنا وللحصار الاقتصادي ..
‏يقول صحفي دنماركي مدافعاً عن تمسك اللاجئين بأديانهم  : مالذي يستطيع ان يحتفظ به اللاجئ في غربته غير دينه ، كي يُلام عليه ، حتى لغته الأم أصبحت في خطر .. انتهى. ضمن نفس هذا المفهوم  كان التعلق بالمادية ، الدين الذي احتفظنا به داخل زوادة الحروب والحصار الاقتصادي ، والذي اعتبره البعض احد اهم  اسباب البقاء خلالهما .. داخل هذه الدراما ( كانت السينما تأخذ من يوميات الناس وتجاربهم . حتى صار الناس اليوم يأخذون نماذجهم من السينما ) كما يقول مارتن سكورسيزي ، هكذا تماماً صارت الجريمة ذات الدوافع المادية خصوصاً "مبتكرة" في الكثير من مجتمعاتنا العربية اثناء ، او بعد ما شهدته من حروب ، الامر الذي خلق ردة فعل احدثت اضطراباً في السلوك البشري وتعقيداً في مفهوم تقارب الناس مع بعضهم ..
‏بعد احد مهرجات المربد في بداية التسعينيات كتب صحفي عربي مقالةً في جريدته عن مشاهداته "للعراق المحاصر" ضمّنها دعوة جمعته مع أدباء عراقيين اخرين في بيت شاعر عراقي (كبير) تحدث فيها عن مأدبة عشاء عامرة بالخير الذي لم يكترث بالحصار الاقتصادي .. المقالة التي كُتبت بنيّة تقديم الشكر على اغلب الظن تسببت تالياً في استدعاء الشاعر العراقي لمكتب نائب رئيس جهاز المخابرات ، بعد ان فُسرت الدعوة بأنها رسالة منه لبيان عدم تأثر الشعب العراقي بالحصار حينها أكد الشاعر لمضيفه : اذا كانت هنالك رسالة بهذا الخصوص فهي فقط ، ان الحرب والحصار لن يستطيعا ان يغيرا شيئاً من عراقيتنا كما فعلا مع شعوب اخرى .. لف الموت الشاعر بعد ان شهد ان "عراقيتنا" قد برهنت بجدارة نظرية ماريا ليزينسكا ، زوجة لويس الخامس عشر ( أنا ومن بعدي الطوفان ) ..
‏من  جهة اخرى تخالف "كالعادة" لغة المنطق ، كان من المفترض ان تساعد رمزية النظام العشائري المتنامية في المجتمع على تعميق اواصر القرابة التي تمثل وحدتها ، لكننا نجد ان دور العشائر أخفق في الحفاظ على حميمية العلاقات في بيوتات أفرادها ، ان قامت العشيرة اصلاً بلعب هذا الدور بحرفية ، بينما ابقت على الدّية ( الفصل المادي ) المركز الذي يدور حوله رجالاتها لتقديم  حلولا لمشاكلها فعمقت هي الاخرى للمادية والمصلحية في مجتمعنا ..
‏تتجهه علاقاتنا الاجتماعية دونما قصد نحو "الغربنة" .. بينما تستمد المادية في العلاقات الاجتماعية الغربية قوتها من نظام رعاية اجتماعي قديم مبني على نظام مالي متماسك يؤمن الجميع بأنهم يساهمون  في صياغته ، يكفل حياة كل فرد من افراده دون منّة من احد منذ ولادته حتى حجز سيارة نقل نعشه واختيار قطعه المرمر الطبيعي التي يُنقش عليها اسمه ، حين لا يكون الى  جانبه احد من أفراد عائلته .. وقد شكل إنجاز  هذا النظام ثقافة لا تمثل جوانبها بالضرورة أهميةً او  تطوراً للإنسان في مجتمع يعتبر العراضة في تشيع الأموات فخراً أو كثرة إعداد السيارات في مواكب أعراس ابنائه وجاهة .. وضمن نفس هذا المنظور ، بعيداً جداً عن مؤسسات الرعاية والضمان الاجتماعيين التي تعاني عندنا من تهاوٍ وأهمالٍ شبة كاملين والتي لا تحظى بقدر مقبول من الكرامة الانسانية  ، مازالت ثقافة رعاية المسنين ودور العجزة تشكل دونية وانحطاط من القدر تؤشر أصابع اتهامها الى عقوق الأبناء وخيبة الظن بتنشئتهم ..
‏هذا وغيره يفرض واقعاً ، يجعل من "غربنة" المجتمع عاهة مستديمة .. فالتغيير بهذا الاتجاه ليس سهلاً لصعوبة ان نكون مثلما يريد الآخرون ، على غير ما جبلته فينا بيئتنا والطبيعة .. بينما الحل نتيجة  تكمن فقط في التعاون للعودة بأخلاقنا الى الأصل ..!!
 
موقع الصدى  

شوهد المقال 2287 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

اليزيد قنيفي ـ الجزائر ..الوجه الآخر..!

اليزيد قنيفي في ايام الشهر الفضيل أعطى الشباب المتطوع صورة رائعة ومشرقة عن المجتمع الجزائري ..بهبات وخرجات تضامنية قمّة في العطاء والانسجام وخدمة المجتمع .
image

غادل خليل ـ خليك راكض بالحلم يابني

  غادة خليل            ما ضلّ في عيوني دمعيبكيكولمّا المسا .. تنسى العشاكيف ما ناديك؟!ومين في برد العتم..يمدّ الحلم.. تَيغطّيك ؟!ويفتّح عيونه الصبح..ع الورد فتّح فيك؟  يا ريحة أرض
image

ثلاث مؤلفات عن مركزية المغرب الأوسط للباحث الدكتور عبد القادر بوعقادة من جامعة البليدة 2

الوطن الثقافي  باحث مركزية المغرب الاوسط: د. عبد القادر بوعقادة.سنكون في معرض الكتاب الدولي 2018 على موعد مع مؤلفات الأستاذ القدير عبد القادر بوعقادة-
image

فوزي سعد الله ـ عندما تُردِّد مآذن قصَباتنا ...صدى ربوع الأندلس.

  فوزي سعد الله  عندما يحين آذان المغرب لتناول الإفطار في شهر رمضان المعظَّم بألحان وأشكال متباينة أحيانا بعمق، القليل منا تسعفهم البطون ليتساءلوا عن سر
image

سامي خليل ـ انقلاب 1992 المحرقة الجزائرية وتبعاتها

سامي خليل   لا حرج في إنتقاد بوتفليقة و محيطه و ذلك ما نقوم به شبه يوميا على هذا الفضاء لكن الخطر أن يتحول هذا
image

فرحات آيت علي ـ متي ينتهي الكرنفال الذي سيدمر الدشرة ان استمر

فرحات آيت علي   كما كان منتضرا حتى من المتخلفين ذهنيا، أنهت حوكمة "غير هاك"، مشوار قانون المالية التكميلي كما كان مقررا له بإلغاء
image

فضيل بوماله ـ الموقف! تساؤلات ؟؟؟ فرنسالجزائر: بين الدبلوماسية والمركوبية؟!

  فضيل بوماله  المتابع لسياسة الجزائر الخارجية وترجمتها الدبلوماسية يلاحظ ركودا و تحولا غريبا في اتجاهاتها. كما يلاحظ تأثرها الكبير بسياسات الدول الكبرى والفواعل الإقليمية
image

رياض حاوي ـ كيف تلاعب الصينيون بالبورصة الأمريكية وأخذوا 14 مليار دولار من جيوب الامريكيين؟

د. رياض حاوي  كان قد نبهني الأخ العزيز الدكتور سعيد عبيكشي الى شريط ممتع وكثيف المعلومات ويقدم تصور عن التحولات الجارية في عالم الاقتصاد اليوم..
image

6 جوان 2018 . النطق بالحكم النهاءي في قضيۃ الاستاذ "عبد الله بن نعوم" فك الله اسره .. وتثبيت الحكم بسنتين سجن نافذة

الوطن الجزائري   6 جوان 2018 . النطق بالحكم النهاءي في قضيۃ الاستاذ "عبد الله بن نعوم" فك الله اسره .. ابرز ما جاء في المحاكمۃ المستانفۃ

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats