"الحدود التي رسمت على تلك المرتفعات خاطئة. في الحقيقة إنّها حدود المنطقة التي توجد فيها حقول النفط. الجيولوجيون هم من رسموا تلك الحدود، فجعلوا تركيا تبدأ حيث تنتهي تلك الحدود".

سليمان ديميريل (رئيس تركيا للفترة 1993 / 2000)


حيث يوجد فراغ، لا بد أن توجد قوة أو عدة قوى تسعى لملئه. نشوء الدول أو تفككها هو قبل كل شيء حدث جيوسياسي. فالدولة (في تعريفها الفيبري المتقن "السلطة التي تحتكر العنف الشرعي في إقليم معين")، تؤثر من خلال موقعها وتوجهاتها على مجمل نظام القوة في منطقتها. وغياب تلك الدولة او انهيارها يعني إعادة تشكيل نظام القوة بكل ما يثيره ذلك من تنافس وتصادم وتسويات، وأحياناً.. تغيير للخرائط.

أزمة بَعْشيقة

هكذا يمكننا أن نفهم لماذا أرسلت تركيا جنودها إلى منطقة بَعْشيقة العراقية. فمرحلة ملء الفراغ تقترب كلما تصاعد زخم الحرب على "داعش". وحيث لم يعد خافياً أن جزءاً مهماً من قوة هذا التنظيم يكمن في حقيقة أنه لا يمثل العدو رقم واحد لأي من "أعدائها"، وهي تستمد بعض مصادر قوتها في كونها تفض الاشتباك بين القوى المتصارعة على ملء الفراغ في مناطق الصراع في العراق وسوريا.
وبينما تزداد هشاشة دولة كالعراق بحيث لا تعود قادرة على "احتكار العنف الشرعي في إقليمها"، فإنّ الطامحين الأكثر قوة، الذين ما زالت لديهم سلطات مركزية وجيوش متماسكة ومصالح محددة، سيسعون لتقاسم تركتها. وفي ذاكرة الأتراك - وخصوصاً إسلاميّيهم - أنّ الدولة العثمانية كانت قبل قرن من الزمان هي "الرجل المريض" الذي تقاسم الآخرون تركته، وظهرت من تلك التركة دول جديدة كالعراق وسوريا.
قبل يوم واحد من إلقاء رئيس الوزراء العراقي خطاباً مليئاً بالشعارات والكلام الرومانسي عن السيادة ووحدة الشعب والتنديد بالانتهاكات التركية للأراضي العراقية، كان نائب رئيس الجمهورية، أسامة النجيفي، يشجب في حوار لصحيفة سعودية، السياسة الخارجية العراقية وموقفها "المستغرب" من تواجد القوات التركية في شمال العراق. أكد النجيفي بأن الحكومة العراقية طلبت منذ أكثر من عام المساعدة التركية، والعبادي يقول إنّ العراق لم يطلب أبداً من تركيا أو أي دولة أخرى إدخال قوات برية. وفي هذا التناقض الصارخ بين مسؤولين كبيرين في "الدولة العراقية" تتجسد هشاشتها، وتتأكد حقيقة أنها الآن "رجل المنطقة المريض".
شكوى ديميريل
بعد الحرب العالمية الأولى، فرض الحلفاء "معاهدة سيفْر" على الدولة العثمانية المهزومة، والتي جرى تعديلها بعد الانتصارات العسكرية التي حققها مصطفى كمال بين عامي 1919 و 1922، لتستبدل بـ "معاهدة لوزان" التي تشكلت في ضوئها حدود تركيا الحالية، باستثناء الحدود مع العراق. وخلال المفاوضات مع بريطانيا، رفضت الحكومة التركية التخلي عن إقليم الموصل، مبررة ذلك برغبة سكان المنطقة التي يتواجد فيها الكثير من الناطقين بالتركية، وبسبب خزينها النفطي المكتشَف حديثاً، ولأنها ممر تجاري مهم بالنسبة لتركيا. أصرت بريطانيا على إلحاق الإقليم بالعراق لأنها أرادت أن توسع دائرة نفوذها، وأن تضمن مزيداً من السيطرة على نفط المنطقة، وأن تستفيد من كون غالبية سكانها هم من المسلمين السنّة، لموازنة الثقل السكاني للغالبية الشيعية المتأثرة حينها برجال الدين المعارضين للاحتلال البريطاني. وبعد فترة من التوتر، قبلت تركيا بالتخلي عن إقليم الموصل، برغم أنها وبفعل اعتبارات السياسة الداخلية، ظلت تفترض ارتباطاً إدارياً شكلياً معه، وأفردت له باباً رمزياً في الميزانية التركية، حتى الثمانينيات من القرن الماضي.
ولكن في تلك المرحلة تحديداً، عادت الفكرة تداعب الذهن التركي حينما فقد نظام صدام سيطرته على الحدود الشمالية بسبب التمرد الكردي، فأقدم على توقيع اتّفاقات مع تركيا تسمح لها بعبور الحدود لملاحقة مقاتلي حزب العمال الكردستاني. وفي التسعينيات من القرن الفائت، حينما خرج إقليم كردستان عن سلطة النظام، كان آلاف الجنود الأتراك يعبرون الحدود بشكل روتيني لمحاربة المتمردين الكرد. وفي أحد أكثر التصريحات مباشرة، أعلن رئيس تركي سابق، سليمان ديميريل، بأنه لو بقيت الموصل جزءاً من تركيا، كما كانت جزءاً من الدولة العثمانية، لما حدثت كل المشاكل التي نواجهها اليوم، ويقصد الحرب مع حزب العمال الكردستاني.
تراجع ديميريل عن تلك التصريحات لاحقاً. وهكذا فعل أغلب المسؤولين الأتراك في كل مرة، فكما أنّ الظروف الدولية والإقليمية لم تكن تسمح بتحقيق الحلم الكردي بإنشاء دولة قومية، فإنّها ما كانت لتسمح بتغيير جذري بالخرائط، مع وجود قوى إقليمية ستستفزها أي محاولة من هذا النوع، وقوى دولية لا تريد تحولاً جيو - سياسياً بهذا الثقل، فضلاً عن أن تركيا كانت تتطلع دوماً إلى غربها ـ أوروبا - ولم تكن عينها على الجنوب، حتى جاء أردوغان.
كان هناك أيضاً سببان يتعلقان بالوضع العراقي، فكردستان لم تكن بعد صديقة حميمة للأتراك، بل كان العداء التاريخي هو الذي يشكل علاقاتهما، وبالتالي فإنّهم ما كانوا سيتساهلون مع دخول تركي أعمق إلى الأراضي العراقية. كما أن الموصل لم تكن مدينة هامشية، بل أصبحت منذ صعود التيار القومي العربي وسيطرته على مقاليد السلطة في العراق، واحدة من مصادر قوة النظام والمنطقة التي رفدت الجيش العراقي بأكبر عدد من ضباطه. شكّلت النزعة القومية العربية المختلطة بنزعة إسلامية سنية، هوية الغالبية في الموصل، بما جعلها غير ميالة إلى تركيا ذات النزعتين القومية التركية والعلمانية.

تركيا الأردوغانية والرجل المريض

في بدايات عهد أردوغان، ظل الموقف الكردي متوجساً من الأتراك، في وقت كانت القوى الإسلامية الشيعية تجد بعض المشتركات مع حزب أردوغان الإسلامي وتحتفي بالخطاب "غير الطائفي" له (كما أنه لم يكن هناك توترٌ بين الإيرانيين والأتراك قبل الحرب الأهلية السورية). في عام 2006، أضحت زيارة ابراهيم الجعفري، رئيس وزراء العراق الأسبق، إلى تركيا بدون إذن رئيس الجمهورية العراقية وقتها، جلال الطالباني وهو كردي، وبدون معرفة التحالف الكردستاني، هي السبب المعلن لإصرار التحالف على عدم التجديد له.
ستتغير الأمور تدريجياً في السنوات الأخيرة بانتقال أردوغان من التركيز على أوروبا إلى الاهتمام بالشرق الأوسط، وببدئه مشروعاً للمصالحة مع الكرد داخلياً، وخلق شبكات تحالف إقليمية. حصل تقارب غير مسبوق مع حكومة إقليم كردستان تطور تدريجياً إلى شراكة اقتصادية، حيث باتت الشركات التركية تشرف على معظم المشاريع في الإقليم بما في ذلك بناء خط الأنابيب النفطي شبه المستقل للإقليم، وهي تعمل على بناء خط خاص بنقل الغاز الذي يعتقد الأتراك أن اعتمادهم عليه والوفاء بحاجتهم إليه من لدى قوى منافسة، مثل روسيا وإيران، هو نقطة ضعف ينبغي تجاوزها.
ونجحت تركيا في صناعة حلفاء داخل الطبقة السياسية السنّية، تحديداً في الحزب الإسلامي وعائلة النجيفي التي كان أحد أفرادها محافظاً للمدينة منذ العام 2009. ولعب ذلك التقارب دوراً في تحويل علاقة النجيفي بكردستان من العداء إلى الصّداقة، لتكتشف الأطراف الثلاثة، تركيا وكردستان ومحافظ الموصل، مصلحة مشتركة في تحالف يستثمر ضعف بغداد، ويعمل على صناعة محور عراقي ــ تركي ينافس المحور العراقي ــ الإيراني، يضمن المصالح التركية ويعطي عمقاً إقليمياً للحزب الديموقراطي الكردستاني الحاكم في كردستان ولمجموعة النجيفي/ الحزب الإسلامي (الذي نشأ أصلاً كفرع عراقي للإخوان المسلمين). كان لافتاً عند انسحاب أسامة النجيفي وحلفائه من الجلسة الأولى لمجلس النوّاب العراقي التي انعقدت بعد تشكيل حكومة المالكي الثانية، أن داوود أوغلو، الذي كان وزير الخارجية التركي حينذاك، هاتف النجيفي وطلب منه العودة إلى البرلمان. الأتراك اعتبروا أنهم المرجع ("الباترون") الثالث الذي يجب أن يؤخذ رأيه في العراق إلى جانب الولايات المتحدة وإيران.
عادت الطموحات التركية بشكل جديد، أساسه تحويل كردستان العراق والموصل إلى منطقة نفوذ خاصة بها عبر علاقة توفر لها بعض مصادر الطاقة التي حُرمت منها بسبب الترسيم السابق للحدود، وتسمح لها بأن تغدو لاعباً آخراً في الشأن العراقي، وشريكاً في تركة الرجل المريض. هذا ما قاله أردوغان مرة، وهو يستغرب رفض الحكومة العراقية للدور التركي: "لماذا يقبلون بإيران والولايات المتحدة ولا يقبلون بتركيا؟". واليوم، حيث تنجح قوى الحشد الشعبي المدعومة من إيران في تحويل نفسها إلى ذراع عسكري شبه مستقل عن الدولة، ولديه خياراته السياسية الخاصة ونفوذه الذي يمتد من محافظة صلاح الدين إلى البصرة، وطموحه للسيطرة على الدولة أو ما يتبقى منها، وتتولى الولايات المتحدة إدارة المعركة في الأنبار ومناطق غرب العراق، يحاول أردوغان التذكير بأن لتركيا حصة في تركة الرجل المريض.

الاستفتاء غير المنجز

في زمن التوتر التركي ــ البريطاني حول الموصل، في عشرينيات القرن الماضي، طالب الأتراك باستفتاء سكان الموصل على البقاء كجزء من تركيا أو الانضمام للعراق. لم يجر هذا الاستفتاء أبداً. ما الذي سيحدث لو جرى الاستفتاء اليوم، في المدينة التي جرَّبت حكم داعش وحيث ألقى البغدادي خطبته الشهيرة؟
لا يمكن لأحد أن يجزم بما يمكن أن تكون نتيجة مثل هذا الاستفتاء، كما أن أحداً لم يكن ليتنبأ أن تغدو ثاني كبرى المدن العراقية وواحدة من أهم الحواضر التاريخية في الشرق الأوسط، تحت قبضة عصابة من المتطرفين الدينيين والطائفيين في القرن الحادي والعشرين.
في العجز عن تحديد ما يمكن أن يريده الموصليّون، تتجلى معضلة العراق اليوم، كبلد بلا هوية واضحة، وبلا خيارات محسومة.. كرجل مريض غادرته الروح منذ زمن.