الرئيسية | من الصحافة | أمير تاج السر - أرواح المكتبات

أمير تاج السر - أرواح المكتبات

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

أمير تاج السر

 حقيقة أحس بانجذاب كبير نحو الطريقة التي يدون بها الكاتب الأرجنتيني ألبرتو مانغويل، أفكاره عن القراءة والكتابة، سواء في تلك المحاضرات التي يشارك بها هنا وهناك، أو في الكتب التي يصدرها تباعا، وباتت الآن تترجم للعربية بسخاء، ويستطيع المتلقي العربي أن يعثر بداخلها على ما أسميه ابتكارات مانغويل وحيله لقراءة جادة.

 

في كتابه «المكتبة في الليل» يواصل الأرجنتيني، الإبهار بأدواته المبتكرة ويقدم لنا المكتبة بوصفها كائنا حيا يتنفس بأرواح الكتب التي تسكنها. ويمكن لقارئ الليل خاصة، أن يصادف كثيرا من تلك الأرواح أثناء وجوده في المكتبة، لكنه لا يراها. سيصادف روح شكسبير في «تاجر البندقية»، وروح همينغواي في «الشيخ والبحر»، وروح دستويفسكي وتولستوي وسارتر في تلك الكتب التي أبدعوها ورحلوا، لكنها باقية حية، تتحدث نيابة عنهم، وتمشي بين الناس بخطواتهم، وتخرج للقارئ في الليل من أجل أن تقضي وقتا طيبا.
إنه خيال الكتابة الذي طالما تحدثت عنه بوصفه الأداة التي لا تشيخ، ولا تضل الطريق إلى أهدافها أبدا، ما دامت تستخدم مع الموهبة، فلن يشدني على الإطلاق كتاب يقول إن المكتبة مجرد رفوف عامرة بالكتب المختلفة، وفيها كذا رواية وكذا كتاب تاريخي، وكذا كتاب في الفلسفة، وأن القارئ يحتاج للهدوء كي يطالع تلك الكتب. إنه وصف كلاسيكي، تعليمي بالطبع، لكنه ليس الوصف المبهر الذي يجعلني أواصل القراءة. وأواصلها حين يوحي إلي المؤلف أنه معي في كتابه هذا، ويتحدث بلسانه الشخصي عبر الصفحات التي أطويها صفحة إثر صفحة.
القراءة عند مانغويل، طقوس متشعبة، وكثيرة وينبغي الالتفات إليها كلها من أجل قراءة ممتعة، وأعجبني تعريفه عن الفرق بين القراءة والتعلم. ففي التعلم يأتي القارئ حازما وجامدا، وفي عقله مساحة أخلاها خصيصا، ليستوعب بداخلها المعرفة التي سيكتسبها مجبرا، شاء أم أبى، وفي القراءة من أجل القراءة، يأتي الشخص بذهن مكتظ بكل شيء، ولا نية لاكتساب معرفة. لكنه رغم ذلك وفي لحظات نشوة ما، يكتسب شيئا جديدا، يتخذ مكانه في الذهن المكتظ بلا تعب. هذه خلاصة ما فهمته من الفرق بين القارئين، وحين عدت لطريقتي في قراءة الكتب العلمية، والكتب الأدبية، اكتشفت بالفعل أن هناك جدية وحزما في تلقي العلم، وثمة فوضى في تلقي الأدب، لكن أيضا ثمة معرفة، ستدخل الذهن لا محالة.
يقول ألبرتو مانغويل إن المكتبات القديمة، كانت مشاريع جادة، أنشأها الأباطرة والحكام كنوع من اكتساب الريادة، فقد كلفوا النساخ والمكتبيين بالبحث والفهرسة، وتشييد المعرفة بجميع أنواعها، معرفة الطب والزراعة والصناعة والعمارة وعلم الفلك، وغيرها من العلوم. ويقول أن مكتبة الإسكندرية التي  شيدها البطالسة، كانت ربما سابقة لمكتبات الإغريق، وأن حضارة الإغريق أخذت منها الكثير. هذا الافتراض ربما يكون حقيقيا، إن عرفنا أن مكتبة الإسكندرية لم تكن كيانا هزيلا بأي شكل من الأشكال، ولكن كل الوثائق التي تحدثت عنها وصفتها بالعملقة، وأنها إحدى أشجار المعرفة المثمرة أبدا.
ماذا عن تنظيم المكتبات، وفهرسة الكتب؟
في الواقع، معظم الناس يملون من تنظيم فوضى المكتبات، داخل بيوتهم، والمكتبيون الذين توظفوا في مكتبات عامة، يحسون بإرهاق شديد حين يعيرون أحدا كتابا طلبه، وحين يستلمون كتابا انتهت إعارته، وحين يفقد كتاب لم يرده من استعاره. ويقول مانغويل إن أفضل المكتبيين، أي أمناء المكتبات، من كان بلا هواية اسمها القراءة. فالمكتبي القارئ يتحيز لرف أو كتب معينة، قرأها وتذوقها، وينفر من رفوف أخرى بها كتب لم تدخل تذوقه، وهكذا ثمة تناغم ومودة في إعارته للكتب التي يحبها، وتأفف وضيق حين يعير الكتب التي لم تدخل تذوقه. هذا رأي بالطبع يحتمل اعتباره رأيا صادقا، أو رأيا نظريا تخيليا، فأمناء المكتبات الذين أصادفهم، أثناء استعارتي للكتب عادة، يبدون لي آليين في تعاملهم مع الجمهور، يعيرون الكتب بآلية مطلقة، ويتلقونها بعد انتهاء استعارتها بنفس الآلية.
وبخصوص تنظيم المكتبات المنزلية، فكما هو معروف فأن الأجيال الناضجة السابقة للجيل الناضج الحالي، كانت أجيال قراءة نهمة، لأن لا ترفيه سوى ترفيه القراءة آنذاك. وكان الكتاب الذي يصدر في أي مكان، يذهب إلى كل الأمكنة، ويمكن للنسخة الواحدة أن تدور على مئة شخص وتعود إلى صاحبها، وهكذا. وكان المحظوظون مَن استطاعوا تكوين مكتبات في البيوت، من كتب جمعوها من هنا وهناك، إما شراء وإما هدايا. وأذكر أنه كانت في بيتنا مكتبة متوسطة، فيها مئات الكتب، وشخصيا لا أذكر كيف تكونت، وكيف تمت فهرستها، لكنها موجودة، وما زالت إلى الآن في نفس المكان الذي أنشئت فيه، وهو جانب من صالون البيت، وإن كان عدد رفوفها قد زاد، وسكنتها إصدارات حديثة لم تكن موجودة أيام والدي.
مانغويل يؤكد في هذا الشأن أن المكتبة العظيمة، حتى ولو ضمت كتبا قليلة، تضم معها ذكريات شتى، ذكريات الشراء والقراءة الأولى لكتاب ما، ورد الفعل على كتاب معين قرأه صاحب المكتبة ذات اليوم. هذه الذكريات قد تشمل ساحة رببليكا في وسط روما، وكشك الكتب المستعملة في وسطها والبائع العجوز الذي اشتريت الكتاب منه، والتقطت معه صورة. قد تشمل شارع أوكسفورد في لندن، حين كنت تجلس على مقهى، تقرأ رواية لجون غريشام، واندلقت القهوة فجأة على قميصك. تذكر أنك كنت تحمل هذا الكتاب في بيروت، فسقط المطر فجأة، وأتلف صفحات عدة منه. وهكذا تتوالى الذكريات مع تقليبك للكتب، وقراءة الإهداءات المكتوبة على الصفحات الأولى لبعضها، وربما تضحك لأن المؤلف كان صديقك وكان يحب الضحك، أو تبكي لأن الشاعر العظيم الذي صادقته ذات يوم، وأهداك هذا الديوان، مات وهو يقرأ قصيدته على مسرح شعري.
بهذا الافتراض، عدت إلى مكتبتي المتخمة بالفوضى، والتي تحتاج قطعا لإعادة تنظيم من أجل أن يصبح منظرها جاذبا في البداية، ومن أجل سهولة الحصول على كتاب عند الحاجة، أمسكت ببعض الكتب التي كانت إما محشورة في الرف لن يستطيع أن يراها أحد، وإما بارزة وتغطي غيرها، وبدأت أقلبها، وكانت ثمة ذكريات، لن يعتبرها المرء ذكريات مهمة، إلا بخيال ألبرتو مانغويل: كتاب تاريخي اسمه «السيف والنار»، عن مذكرات الجنرال النمساوي سلاطين باشا الذي كان موجودا أيام الثورة المهدية في السودان، تذكرت أنني بحثت عن هذا الكتاب في معظم مكتبات الخرطوم، في  نهاية ثمانينيات القرن الماضي ولم أعثر عليه، ثم عثرت عليه في مكتبة صغيرة في الدوحة، واستغربت فعلا. كتاب باللغة الإنجليزية، اسمه «بيوت الديكتاتوريين»، لفت انتباهي في مكتبة عادية، في مدينة «استوك أون ترنت» في بريطانيا، وقرأته في يوم واحد، لأفاجأ بجمال وأناقة بيوت الديكتاتوريين، وكيف كانوا يحتفلون بالمناسبات، ويدعون الضيوف ويقدمون الأشياء الفاخرة، من أكل وشراب، ولا رائحة لدم، من ذلك الذي يراق خارج بيوتهم، أو صوتا لعظم يتهشم  في الشوارع بفعل قراراتهم. رواية «خزي» للجنوب أفريقي كويتزي، التي تتحدث عن أستاذ جامعي، ينخرط في علاقات جانبية بطالباته، ويخسر مهنته، وموقعه في المجتمع ويذهب إلى ريف بعيد. وضحكت حين تذكرت أن فتاة أعرفها وكانت قارئة عظيمة، أرسلتها لي منذ عشر سنوات وكتبت على الصفحة الأولى للكتاب: «لقد خجلت من إكمالها، إن كنت لم تقرأها بعد، ربما تكملها بعدم الحياء الذي يملكه الرجال». ولكن ما آلمني حقيقة أنني عثرت على كتاب  لشاعر تراثي سوداني، جمع بعد وفـاته، وأهداه لي صـــديق كان يملك كشكا لبيع الكتب في مدينة بورتـســودان بهذه الكلمة: «عزيزي الأمير.. محبة منــي، لا تنــتـهي». لكن الصديق ذاك مات بعد إهدائه لي ذلك الكتاب بعامين فقط، وكان في الثامنة والثلاثين.
المكتبات النعمة، والمكتبات النقمة: صفتان مترادفتان، ربما تختصان بهما المكتبات، فالمكتبة تكون نعمة حقيقية حين تمنحك الكتب والصدر الرحب، وتكاد تكون قرأت معظم ما بداخلها، وتكون نقمة حين تتحول إلى ديكور منزلي، يضم في كل يوم كتابا جديدا، لكن لا رغبة لأحد في طرق بابها، وإزعاج أرواحها أو مؤانستهم. المكتبات كائنات حية كما يقول مانغويل ومن الجرم أن نقتلها في بيوتنا.

 

كاتب سوداني

القدس العربي  

شوهد المقال 1177 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

عبد الباقي صلاي ـ للاستطاعة ... حدود !

عبد الباقي صلاي في تجربة أجرتها نخبة من العلماء الباحثين حول قدرة النملة التي ضحك سيدنا سليمان عليه السلام لجرأتها، وصبرها ،وحرصها الشديد على
image

فارس شرف الدين شكري ـ بسكرة ليست العاصمة ..الناس تموت مشتاقة شربة ماء

د. فارس شرف الدين شكري  الرجاء تعميم النشر لو سمحتم، لأن الأمر يتعلق بحياة أفراد بسكرة ليست هي العاصمة يا الربّ العالي :  استلمنا نتائج تحليل
image

طارق السكري ـ ما الذي يدفعنا لأن نتأمل نصاً جمالياً وآخر ؟

 طارق السكريإنها حاجة النفس إلى التعبير عن مكنوناتها ، وتلمس أعماقها ، والكشف عن أبعادها ، والتلذذ بما يضفيه النص من جمال يثير فيها
image

أحمد عبد الحسين ـ رسالة في انطباق الشفتين

 أحمد عبد الحسين    قبل ثلاثين سنة قال لي شيخي في قمّ إن الميم هو حرفُ الحقيقة الآدمية، قال: انظرْ إلى تأخّره في آدم ثم
image

طيبي غماري ـ في محاولة الرد على دعوى دراسة تمرد الجزائريين على إجراءات الحجر الصحي سوسيولوجيا

 د. طيبي غماري يضع هذا المطلب علماء الاجتماع أمام المحك، حيث سنجد أنفسنا اذا ما اردنا استجابة صادقة مضطرين إلى إبراز علم اجتماع حقيقي لدراسة
image

ناصر جابي ـ الجنازة كلحظة سياسية مركّزة في الجزائر

د. ناصر جابي  علاقة السياسة بالجنازة والمقبرة والدفن، وبالتالي بالموت في الجزائر من أغرب العلاقات. هذا ما يخبرنا به تاريخنا السياسي في عديد مراحله،
image

رشيد زياني شريف ـ عودة حمالات الحطب لتحقيق ما فشلوا فيه أثناء الحراك

د. رشيد زياني شريف   كلكم لاحظوا عودة حرب الأيديولوجية، من نفس منابر الكراهية، التي عشناها وذقنا علقم صنيعها في التسعينات، وتقوم هذه الوكالات
image

سعيد لوصيف ـ لديّ حلم... (عن نصّ مارتن لوثر كينغ بتصرّف) I HAVE A DREAM ، في الذكرى 28 من اغتيال سي الطيّب الوطني أعيد نشر حلمه وحلم الجزائريين والجزائريات

د. سعيد لوصيف   قبل ثمانية وخمسين عاما، أعلن الجزائريون والجزائريات بالبندقية والشهادة بيان التحرير من ويلات الكولونيالية والاستعمار. كان ذلك اليوم التاريخي
image

وليد عبد الحي ـ دونية السياسي في الحوار الحضاري(2)

 أ.د.وليد عبد الحي  تنطوي المنظومة المعرفية الغربية على بعد معرفي تشكله البيانات والمختبرات واستنتاجات البحث النظري والميداني،وتستند هذه المنظومة إلى شبكة مفاهيمية(conceptual) تتوارى خلفها
image

مريم الشكيلية ـ حديث في مقهى الورق

مريم الشكيليه ـ سلطنة عمان  قالت له : أكتبني حين تكون متوحدا بذاتك...حين يأخذك الحنين إلى مسافات لا حدود لها...أكتبني حين أغادرك وامحو آثار وجودي من

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats