الرئيسية | من الصحافة | جمال الدين طالب - نوستــAlgeria "اللوازم المدرسية وانتحار أب.. تبًا لنا!"

جمال الدين طالب - نوستــAlgeria "اللوازم المدرسية وانتحار أب.. تبًا لنا!"

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

 

جمال الدين طالب 
 
كنت أريد أن أكتب هذا الأسبوع عن التصريحات "النِصالية والاستنصالية"، التي أطلقها الكاتب الجزائري بوعلام صنصال في حواره لصحيفة "الوطن" الجزائرية، وصحيفة "هآرتز" الإسرائيلية، بمناسبة صدور كتابه "2084"، ولعل أخطرها وأكثرها إثارة للغثيان، ليس استمرار "تشياته" الانتهازي للصهاينة (لأسباب مادية وجوائزية مفضوحة!)، إنما تصغير الجزائر (البلد القارة)، ومحاولة التسويق لـ"قدر" غريب، ويسلم فيه صنصال بمستقبل تخضع فيه الجزائر وشعبها وحتى شمال إفريقيا والعرب والأتراك وحتى الهند، لحكم احتلالي شيعي (كما قالها صنصال بشكل صريح!) للملالي في إيران من منطلق جاهل و"بسيكو خرطي" عجيب! سأعود إن شاء الله إلى هذا الموضوع بالتفصيل الأسبوع المقبل لأن هذا الأسبوع هزّنِي خبرٌ، أفجعني، أبكاني وجعلني أصرخ بصوت عال: تباً.. تبًا لنا! جمعياً كجزائريين في الداخل والخارج، وأولهم طبعا "المسهولون" على كافة المستويات.. الخبر المفجع، الذي نقلته صحيفتنا "الحياة" منذ يومين يقول إنه: "تم العثور على حارس ليلي يبلغ من العمر 50 سنة مشنوقا داخل مرحاض المدرسة، التي يدرس فيها أولاده بدائرة واد ليلي بولاية تيارت، لأنه لم يكن قادرا على تلبية احتياجات اللوازم المدرسية لأبنائه. وتعود الأسباب التي دفعت هذا الأب إلى الانتحار، إلى عدم تمكنه من شراء اللوازم المدرسية لأبنائه التسعة، خاصة وأنه يعمل حارسا في إحدى المدارس التي يدرس بها بعض أبناؤه. الرجل ترك وراءه تسعة أطفال وأرملة، ولازالت المنطقة التي يقطنها بولاية تيارت تحت تأثير الصدمة".

 

أتمنى من كل قلبي أن يتضح في الأخير أن هذا الخبر غير صحيح وأنه لم يكن إلا مجرد إشاعة.
في نفس العدد من صحيفة "الحياة" خبر آخر ذو صلة محزن جداً يقول إنه "في حادثة مؤلمة، شدت انتباه الحضور بمقر محكمة سيدي امحمد، أقر شاب بندم شديد، أمام القاضية أنه سرق هاتف ضحيته لأجل شراء الأدوات المدرسية، بمناسبة الدخول المدرسي للموسم الحالي. ويعتبر المتهم الموقوف حاليا بالمؤسسة العقابية بالحراش، أحد المتفوقين في شهادة التعليم المتوسط الصائفة الماضية، بمعدل جيد فوق 12.. وأن سبب سرقته هاتف الضحية التي صادفها بشارع حسيبة بن بوعلي ماسكة إياه لإجراء مكالمة، هو خوفه من إقصائه من قائمة المتمدرسين، لعجزه عن شراء الأدوات المدرسية بسبب الظروف الاجتماعية القاهرة التي يتخبط فيها، مضيفا أنه تلميذ مجتهد ولم يسبق له وأن ارتكب جرما، وأن حادثة السرقة تعلم منها درسا، ملتمسا العفو عنه، خاصة وأنه تخلّف عن الالتحاق بالمدرسة بسبب تواجده في السجن".
هذان الخبران ليسا فريدين، فأكيد أن هناك حوادث أخرى مؤلمة حدثت وتحدث لمعاناة مواطنين جزائريين مع الدخول المدرسي، الذي يتزامن هذا العام مع عيد الأضحى، وغلاء اللوازم المدرسية، التي ازدادت التهابًا مع انخفاض الدينار، حيث قدَّر رئيس جمعية حماية المستهلك، مصطفى زبدي، بحسب صحف جزائرية أن "أسعار الأدوات المدرسية ارتفعت بنسبة 15 بالمائة مقارنة بالعام الماضي". وقد قدَّر الناطق الرسمي لاتحاد التجار والحرفيين الجزائريين، الطاهر بولنوار "متوسط تكلفة التلميذ الواحد للوازم المدرسية بمليون سنتيم (10 آلاف دينار جزائري) لهذه السنة"، وهو مبلغ ضخم إذا ما قارناه بمتوسط الأجور وحجم الأسرة في الجزائر، فما بالك بمن لا عمل له أصلاً. وللربط والمفارقة هنا مثلا أن تقريرًا أمريكيا صنف الجزائر في المرتبة الأخيرة من حيث أجور المُدرسين، إذ يصل متوسط الأجر الشهري للمدرس المبتدئ في الجزائر 4 ملايين سنتيم، متأخراً مثلا عن المدرس المغربي، الذي يتقاضى ما يعادل 5 ملايين سنتيم جزائري، فيما لا مجال للمقارنة مع المُدرس القطري، الذي يتصدر القائمة العربية براتب شهري يعادل 80 مليون سنتيم.
ويقول بولنوار إن"العائلات الجزائرية تصرف حوالي 60 مليار دينار كل دخول مدرسي، على اللوازم المدرسية من محافظ وأدوات، بغض النظر عن نوعيتها"، حيث إن بعضها مصنوعٌ من مواد خطيرة مضرة بالصحة، وحتى مشعة، كما تنقل وسائل إعلام جزائرية.
وإن يعبر هذا الموضوع بكل أبعاده، خاصة ونحن في 2015، عن شيء فإنما يعبر عن الوضع "العجيني والخُشيبي والقُريصي" للأسف، الذي تدير (تدوّر!) به الجزائر، منطومة الحكم "الخُشيبة" المتحكمة، وليس الحاكمة، في البلاد منذ أكثر من خمسين عاما.
وكمقارنة بسيطة هنا بين الجزائر وبريطاينا، فإن موضوع الأدوات المدرسية والمحفظة الثقيلة التي تكسر ظهور تلاميذ المرحلة الابتدائية خاصة لا وجود له، فالتلاميذ يذهبون إلى مدارسهم بحقائب فارغة إلا من قارورة ماء أحياناً، فكل شيء يجدونه في أقسامهم، ولا وجود لكتب مدرسية يشترونها، إنما قصص يأخذونها معهم إلى البيت أسبوعيا، ويعيدونها مع ملخص لها. وتمارين الرياضيات تتم عبر الأنترنت بحساب خاص مربوط بالمدرسة.
ومن المؤسف أنه خلال الأسابيع الصيفية الماضية كان الجدل والنقاش المغلوط حول المدرسة الجزائرية منصباً حول استعمال الدراجة في التعليم، والتي حاولت وزيرة التربية نورية بن غبريط ومن معها فرضه بحسابات إيديولوجية معروفة، بدلاً من فتح نقاش حقيقي حول سبل تطوير المدرسة الجزائرية وإخراجها من الأساليب "الأركايكية"، التي تُدار بها، وجعلها تساير عصر الكمبويتر اللوحي، وليس عصر اللوحة والطبشور، الذي "تتخبط" فيه الآن، كما تتخبط فيه البلاد بأكملها!
*ملاحظة: تكاليف دعوة إلهام شاهين الممثلة المصرية، التي شتمت الجزائر وشعبها (التي لا تقل عن بضعة ملايين!) إلى حفل ذكرى رحيل وردة في قسنطينة عاصمة "السقافة"، والتي قيل إنها كلفت كم من مليار، كانت كافية لتغطية تكاليف اللوازم المدرسية لأبناء الحارس الليلي المنتحر وللتلميذ الذي اضطر للسرقة ولآلاف الآخرين في الجزائر! تبا ! .. "الله لا تربح" من يبدد وينهب الأموال باسم "السقافة" وغيرها، فيما لا يجد جزائريون مالا يأكلون به ويشترون لوازم مدرسية لأبنائهم!

 

 

شوهد المقال 1261 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

عماد البليك ـ لماذا يغني السودانيون؟ (2)

عماد البليك   يلفت الشاعر والباحث السوداني عبد المنعم الكتيابي في إطار قضية السفر والترحال في الأغنية السودانية، إلى أن السفر في جوهره هو نزوع
image

الدكتورة جميلة غريّب؛ عبقريّة العربيّة في معجزة القرآن، ولغة الحوسبة -2-

 د.جميلة غريّب  أ‌- نماذج من أنواع الألفاظ الجديدة بالقرآن الكريم:  تكمن خصوصية اللفظ في القرآن الكريم في جدته اللفظية والمعنوية، فقد تظهر في:- جِدَّة في جذره واشتقاقاته، وغالبا
image

محمد محمد علي جنيدي ـ إِبْتَهَال

محمد محمد علي جنيدي        يَمْضِي بِنَا رَكْبُ الحَيَاةِ كَعَابِرِ أخْفَى المَواجِعَ في عَبَاءةِ صَابِرِ يا طَالِبَ الدُّنْيَا سَتَفْنَى مِثْلُهَا لم يَبْْقَ مِنْكَ سِوَى تُرَابِ مَقَابِرِ
image

العربي فرحاتي ـ الكورونا..وضعت الباراديجم العلمي أمام امتحان ..تطور مرعب جدا..

د. العربي فرحاتي   الكورونا..وضعت الباراديجم العلمي أمام امتحان ..تطور مرعب جدا..بما أودع الله فيه من ذكاء وفطرة ..ظهر عند الانسان ما يسعد الانسان وانبثقت من فطرته الحياة
image

سعيد لوصيف ـ مجتمعات ما قبل الفكرة

د. سعيد لوصيف Changeons de Regard.. Changeons de voie.. في مجتمعات ما قبل الفكرة ؛ أي تلك المجتمعات التي يحدد معالمها المجسد وتصوراتها المقدس الهوامي (fantasmatique)
image

أحمد سليمان العمري ـ حرب النيل... سدّ النهضة المثير للجدل

 د.أحمد سليمان العمري ـ دوسلدورف النزاع بين إثيوبيا ومصر حول مشروع سدّ النهضة الضخم، أو كما يُسمّى في إثيوبيا سدّ الألفية الكبير قائم منذ سنوات. اليوم بدأت
image

عثمان لحياني ـ تونس ونكسة اخرى للثورة المضادة ولا عزاء

 عثمان لحياني  نكسة أخرى للثورة المضادة ولاعزاء، عيد مُر ورصيد رعاة الانقلابات غير كاف مرة أخرى ،الديمقراطية تنتصر على المال الفاسد و الفاشية الجديدة التي
image

خديجة الجمعة ـ شاه القلب ...أبي

خديجة الجمعة   شاه القلب :هو الذي يعلم أنه إذا غاب أنا بانتظاره، وإن نام اتفقده  . وهو الذي يعلم اشتعال الكلمات بين أصابعي حين اكتب عنه.
image

مريم الشكيلية ـ أوراق مرتبة

مريم الشكيلية ـ سلطنة عمان   يدهشني أن كل الأشياء التي تركتها مبعثرة خلفك تترتب في رفوف مخيلتي....رغم تلاشي رسائلك المكتوبة بربيع قلم لا تزال تنبت كالعشب
image

مخلوف عامر ـ المحامية جيزيل حليمي زمن المبادئ والالتزام

 د. مخلوف عامر  تفانَتْ (جيزيل حليمي)في الدفاع عن (جميلة بوباشا) وألَّفت عنها كتابها المعروف بتشجيع من (سيمون دي بوفوار)ورسم بيكاسو صورة مُعبِّرة لـ(جميلة).واستوحِي منه

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats