الرئيسية | من الصحافة | بادية شكاط - اللائكية العرجاء والتبعية العمياء

بادية شكاط - اللائكية العرجاء والتبعية العمياء

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

بادية شكاط 

 

 لقد بات لزاما التفكير في صناعة فكر بديل يخرجنا من سطحية الفهم ودوائر الوهم التي لم تبق ولم تذر، فجعلت الدول العربية مختبرا لكل الإيديولوجيات ما ولّى منها وما هو آت، وسنام كل ذلك هو وضع مفهوم للدولة مستقل عن هاته المفاهيم الغربية السائدة، أو تلك الرجعية منها والبائدة.


فما هو سائد الآن من مفهوم الدولة الحديثة قد كان له خلفياته البعيدة بالنسبة للدول الغربية، ولأننا قد فوضنا لهم مقام النصح والإرشاد، فقد سلمنا لهم بكل رأي، وصرنا قطعانا طائعين لا نملك من سبيل غير أن نكون لهم خاضعين، فنشأة الدولة المدنية الحديثة هي وليدة انفجار عظيم قد هز أركان الفكر الغربي القديم، فما عصر التنوير إلا عصر قد أعقب عصورا من الظلمات والويلات، تلك التي كان فيها القياصرة الرومان يحكمون بسلطة سماوية مزعومة.

فالقيصر في الوثنية هو ابن السماء، وفي المسيحية هو رئيس الكنيسة، وحليف الكهانة التي جعلت من نفسها وكيلا عن الإله ينطق، فحكمت بما اشتهت وطغت فأفسدت، ولأن كل ذاك الخراب والتدمير لابد له من تغيير، فقد برز العديد من المفكرين والفلاسفة الذين رأوا أن فكرة الدين هي الفكرة التي ينبغي الإفتكاك والخلاص منها، ومن بين القناعات التي لم يكن يرقى إليها كثيرٌ من الشك لدى مفكري القرن التاسع عشر، أنّ المكانة المركزية التي يحتلها الدين في الثقافة والمجتمع قد غدت شيئا ماضويا، إذ اعتبر هيغل ومن قبله من مفكري عصر الأنوار أن العقل بذكائه المتفوق قد تخطَّى الدين، في حين صور فويرباخ في كتابه جوهر المسيحية (1841)، علاقة الإنسان بالألوهية على أنها لعبة قوى محصّلتها الصفر، ورأى أن الإلحاح على الإيمان والتقوى ينتقص من رفعة الغايات الإنسانية. 

فظهرت بذلك تيارات الحداثة الثلاثة الرئيسية وهي: النقد الماركسي بزعامة كارل ماركس الذي رأى أن الإنسان، بوصفه عالم الإنسان والدولة والمجتمع، هو الذي يخلق الدين بوصفه الوعي المقلوب لعالم مقلوب، وليس الدين هو الذي يخلق الإنسان، ذلك أنّ الدين في نظره هو "زفرة المخلوق المضطهَد، قلب عالم بلا قلب، وروح عالم بلا روح_ الدين أفيون الشعوب_". 

وهذا ما يقتضي حسب رأيه إلغاء الدين كسعادة وهمية من أجل سعادة البشر الواقعية، لا بنقد الدين واللّاهوت بل بنقد الأرض والحق والسياسة التي تخلق الدين واللاهوت.

أما التيار الثاني فهو الجينالوجية النيتشوية، والتي أعلن من خلالها نيتشه على لسان زرادشت، أن "الله قد مات"، ووصف المسيحية بأنها "أخلاقية العبيد"، أو منظومة اعتقادية عامية تلائم الخانعين الجبناء، ولم يقرظ من بين ممثلي المسيحية سوى أولئك الذين وجدوا متعة بالغة في وقوفهم أمام محاكم التفتيش التي كانت تأمر بإحراقهم، فنظر هذا الأخير بازدراء كبير للدين، ورأى أنه مجرد ملجأ للضعف، وعقبة في طريق الإنسان الكامل، ثم تناول بعد ذلك الفيلسوف دريدا من خلال مساحة واسعة من التفكيك تلك التيارات في بعدها الإيماني، الباطني فالعهدي.

فمن هيغل إلى دريدا بقيت فكرة اللائكية وفصل الدين عن الدولة هي الحل البديل للتحرر من أهوال حكم كهنوتي تشيب له نواصي الولدان، غير أن الدول العربية راحت تمجد من غير فهم للمسببات ولا وعي بالإشكالات تلك الإيديولوجيات، فكانت تماما كما قال أفلاطون: "فقط الحراس يفكرون أما البقية فيطيعون"، وصارت منقسمة بين علمانيين يريدون فصل الدين عن الدولة، وإسلامويين يريدون دمج الدين في الدولة، فكان للأسف كلا الفريقين على ضلالة.

ذلك أن العلمانية هي نتيجة تجربة تخص الغرب لوحدهم، كما أنها تقتضي كما بيّن طه عبد الرحمن الإفادة بأن الدين شيئ والدولة شيئ آخر، فيكون الدين هو ما يتعلق بالمعتقدات الخاصة، والدولة هي ما ارتبط بتدبير المعاملات العامة، في حين أن الدين حقيقة هو نهج تدبيري للسلوك في الحياة، متكامل العناصر ومتداخل الجوانب، أما أهل التأسيس القائلين بدمج الدين في السياسة، فهم كما قال طه عبد الرحمن أيضا: "الإسلاميين قولا، العلمانيين فعلا"، فانحصر الدين عندهم في جملة شعائر وطقوس، وجعلوه تابعا للسياسة ،ولو كان ذلك مخالفا للشريعة، فكان دمجهم للدين في السياسة هو من أجل خدمة أغراض تسييسية تتيح للدولة السيطرة على المواطنين دون رقابة، فتجعل الأحكام التشريعية على مقاساتها.

إن فكرة إقحام الدين في السياسة وهي تفند العلمانية وتريد أن تكون بديلا عنها، هي في الحقيقة تثبثها من حيث أرادت نفيها، لأنه لا يراد إثبات عكس الشيء ونقيضه إلا إذا كان ذاك الشيء موجود على الحقيقة، إذ العلمانية غير موجودة أصلا، بل هي فكر على الدول العربية دخيل، وليس له أي قواعد أو أصول، ومجرد خبل ينبغي أن يزول، فما كان يوما الدين عندنا منفصلا عن السياسة، فمن ينادي بفكرة ضم الدين للسياسة في الدول العربية هو تماما كمن ينادي بفكرة ضم اللغة للأبجدية، فعلينا غربلة العقول من إمعة عمياء وتبعية عرجاء.  

 

عربي 21 

شوهد المقال 1997 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

عز الدين عناية ـ الكنيسة في العراق

عزالدين عنايةأعادت الأوضاع المتوترة التي تعيشها منطقة الشرق الأوسط في السنوات الأخيرة، لا سيما في العراق وسوريا، تحريك مسألة الأقليات والطوائف في الأوساط الدينية والسياسية
image

بوداود عمير ـ "أبي، ذلك القاتل" من أدب الإعتراف جرائم فرنسا في الجزائر ثييري كروزي

بوداود عمير  هناك بعض الأعمال الأدبية تبدو مرتبطة "بالذاكرة"، تتضمن شهادات إنسانية مؤثرة، تشرح التاريخ في بعده الأخلاقي والإنساني، من عمق الواقع."أبي، ذلك القاتل": كتاب صدر
image

حكيمة صبايحي ـ التاريخ السخيف الذي نعيش في لحظتنا الراهنة ..من يملك الحق في سحب الجنسية من الجزائريين؟

حكيمة صبايحي  من يملك الحق في سحب الجنسية من الجزائريين؟ هل نعيش في مملكة، إذا لم يعجب أحدنا الملك وحاشيته، تبرأ منا، وسحب منا الجنسية؟ ويمكنه
image

عبد الجليل بن سليم ـ سحب الجنسية .. دولة هشة....fragile state

د. عبد الجليل بن سليم   سحب الجنسية ....يعني أنه هناك ..... دولة هشة....fragile stateعندما تحمل في يدك قطعة بسكوت و تريد أن تقسمها نظريا انقسامها سهل
image

نوري دريس ـ حول السلطة و منطقها

د.نوري دريس   تعتقد السلطة ان الحراك يقوم به سكان المدن ( الشبعانين), و ان سكان المناطق الريفية( الذين يشكلون ما تسميه السلطة سكان مناطق الظل) غير
image

عثمان لحياني ـ التطهير " التجريد من الجنسية الجزائرية "

عثمان لحياني  "التطهير" والتجريد من الجنسية أسلوب فاشي تلجأ اليه الأنظمة الفاشلة التي همين عليها العقل الأمني. خطورة القانون تتعلق بعدم وجود معرف قانوني وفلسفي واضح
image

العربي فرحاتي ـ " ماكان اسلامي ..ماكان علماني "

د. العربي فرحاتي   من باب ".. لا تقف ما ليس لك به علم.. " أو من باب ..لا تسأل عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم .."فلو
image

حارث حسن ـ زيارة البابا وفكرة الأمة العراقية

د . حارث حسن   قرأت اليوم الكثير من الاراء العراقية حول زيارة بابا الفاتيكان الى العراق، تنوعت بين المحتفل والمرحب والمتشكك والرافض، لكن كنت مهتماً ان
image

نصرالدين قاسم ـ جرائم الاحتلال الفرنسي في الجزائر حقوق ضائعة ليس وراءها مُطالب

نصرالدين قاسم اعترف الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بتعذيب الجيش الفرنسي الشهيد علي بومنجل واغتياله، ليضع حدا لادعاءات الاحتلال بفرية الانتحار.. ماكرون اعترف بذلك رسميا أمام أحفاد
image

محمد هناد ـ هل تريد السلطة تحويل الجنسية الجزائرية إلى ملكية، تهبها وترفضها لمن تشاء !

د. محمد هناد  علمنا أن وزير العدل قام بعرض قانون الجنسية 86-70 على اجتماع الحكومة بهدف تعديله في اتجاه «استحداث نظام التجريد من الجنسية الجزائرية الأصلية

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats