هذا الكلام طبعا، ليس إلا اضغاث أحلام فقط ، فالحقيقةُ أن العملة التي تصنعُ الحدث العالمي هذه الأيام هي العملة الصينية "اليوان"، والتي تعني "عملةُ الشعب" ، أما عملة الشعب في الجزائر ، أي الدينار، الذي ُيرثى له، فإنه يواصلُ انهيارَه القياسي، و لعل أكثر دلالات ذلك أن تفوق قيمة الدولار الأميركي الواحد 100 دينار لأولِ مرة منذ استقلالِ البلاد، و ذلك بالتزامن مع انهيارِ أسعار النفط.
وإن تسارع انهياره، منذ منتصف جويلية الماضي، فان الدينار الجزائري فقد خلال عام أكثر من 33 بالمائة من قيمته أمام الدولار الأميركي، أي أن قيمة الدولار الواحد قفزت من مقابل نحو79 دينارا إلى 106 دينارا، فيما فقدت العملة الجزائرية أكثر من 27 بالمئة مقابل الجنيه الاسترليني، وأكثر من 27 بالمائة مقابل الأورو، حيث قفزت قيمة الأورو الواحد من ما يعادل 99 دينارا إلى أكثر من 117 دينارا. وتبقى هذه قيمة الصرف الرسمية للدينار أما على أرض الواقع في سوق الصرف الموازية (الحقيقية!) في الشارع،وخاصة في "بورصة سكوار بور سعيد" في الجزائر العاصمة، فإن قيمة الأورو ـ (وهو العملة الأجنبية الأكثر تداولا في الجزائر) ـ تفوق 160 دينارا. والمفارقة هنا أنه فيما تنهار قيمة العملة الأوروبية الموحدة في كل أنحاء العالم، فانها تسجل ارتفاعات قياسية في الجزائر!.وإذا عُرف السبب بطل العجب، فكتاب "الجزائر ـ فرنسا ..قصة عاطفية" للصحفيين الفرنسيين كريستوف دوبوا وماري كريستين تابي، يكشف طبقا لتقديرات الاستخبارات الفرنسية أنه تم تحويل نحو 50 مليار يورو من الجزائر إلى فرنسا، وتم استثمارها خاصة في عقارات تشمل شققا فاخرة في قلب العاصمة الفرنسية باريس لمسؤولين،ووزراء جزائريين سابقين وحاليين ، بينهم الأمين العام الحالي لحزب جبهة التحرير الوطني، بكل ما لذلك من رمزية و دلالة!.
و إذا عرُف السبب بطل العجب مرة أخرى ، فهذا الرقم المذهل ( 50 مليار أورو) ، وإن كان وزير الخزانة الجزائري الأسبق يتحدث عن مبلغ أكثر "إفزاعا"، حيث قدر في حوار لصحيفة "الوطن" الجزائرية بأن ما تم تحويله من الجزائر خلال العشر سنوات الأخيرة يصل نحو 200 مليار دولار، يجيب لوحده ربما عن ذلك التساؤل بقيمة مليارات الدولارات عن وضع سوق الصرف في الجزائر والنظام المصرفي عموما ، الذي يبقى حالة خاصة في العالم، وليس من المبالغة القول أنه "الأكثر تخلفا في العالم".. وهو كذلك بإرادة من "كبار القوم" كما وصفهم الخبير المالي الجزائري محمد بوجلالفي تصريح لموقع "الجزيرة". 
واللافت أن الدينار لا يعتبر فقط من "أرخص العملات" عالميا فقط، بل وحتى إقليميا فهو أرخص من عملتيِ الجارتين تونس و المغرب مثلا رُغم أن الجزائر من المفروضِ أغنَى!. والمفارقة هنا كذلك أنه فيما تصل قيمة منحة السفر السنوية التي يمنحها البنك المركزي الجزائري لمواطنيه الراغبين في السفر إلى الخارج بـ130أورو فانها تتجاز 2600 أورو بالنسبة للتونسيين و 3500 أورو للمغاربة!. 
ما لا تقوله السلطات طبعا للجزائريين أن البنك المركزي الجزائري هو من "يتلاعب" و يخفض قيمة الدينار، وأن مسلسل التخفيض مرتبط بانخفاض أسعار النفط، والتي فقدت نحو 50 بالمئة من قيمتها خلال أشهر فقط، والمرشحة الى المزيد من التراجع، أو في أحسن الحالات عدم العودة إلى مستويات ما قبل عام أي نحو 110 دولار للبرميل. 
مصدر بالبنك المركزي الجزائري يقول لوكالة "رويترز" ان البنك سمح لعملة البلاد الدينار بالهبوط الى مستوى قياسي مقابل الدولار سعيا لخفض فاتورة الواردات المتضخمة بعد هبوط إيرادات النفط،التي تشكل نحو 98 بالمائة من مداخيل البلاد،بأكثر من النصف جراء انخفاض أسعار النفط ، الذي نزل مؤخرا دون 50 دولارا للبرميل.
ومن المتوقع أن تهبط إيرادات الجزائر من النفط والغاز هذا العام إلى 34 مليار دولار من 68 مليارا في 2014، فيما قد تبلغ فاتورة واردات البلاد 3ر57 مليار دولار في 2015 متجاوزة بكثير الصادرات للمرة الأولى .
ضعف الدينار، المرشح للمزيد من التخفيض، سيزيد طبعا من معدلات التضخم في البلاد ، و بالتالي غلاء الأسعار، و تراجع القدرة الشرائية للمواطنين، خاصة مع قرب الدخول الاجتماعي والمدرسي وتزامن ذلك مع عيد الأضحى. 
وضع الدينارمظهر آخر من مظاهر و أعراض الفشل الاقتصادي و السياسي لمنظومة حكم "تبرع" في التقدم بالجزائر إلى الوراء، وإدارة البلاد بالأساليب "الأركايكية" عن سبق إصرار ترصد!. 
للمعلومة فقط في الأخير عن "الدينار" يُقال إنه سُمي كذلك؛ لأنه ديــن ونـــار..ومعناه: أنه من أخذه بحقه فهو دينه، ومن أخذه بغير حقه فله النار!.

 

 

*كاتب وصحافي جزائري مقيم في لندن 
jamaledinetaleb@yahoo.com

 

جريدة الحياة الجزائرية