الرئيسية | من الصحافة | نورالدين هميسي - أخلاقيات الإعلام.. خطاب بائس

نورالدين هميسي - أخلاقيات الإعلام.. خطاب بائس

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

نورالدين هميسي 

 "وظيفة الإعلام هي مقاومة أي فانتازم جماعي قد ينشأ".

 

جيل ليبوفيتسكي.


أضحى من السهل جدا أن ينطق أبسط مشاهد أو قارئ ليتهم أي وسيلة إعلامية بالكذب، ومهما اختلفنا في تقييمنا لدرجة الكذب فإننا نتفق على أن التلفزيون والصحيفة والإذاعة لا ولن تتوقف عن الكذب. يصيب مثل هذا الطرح مهمة الإعلام، أو الباراديغم الصحفي، في صميمه، لأننا اعتدنا من خلال مقولة أخلاقيات المهنة التي لا نكف عن اجترارها في المنابر الأخلاقية، على أن نتخيل بأن الصحافة وظيفة اجتماعية نبيلة، تسعى لكشف الحقيقة على الدوام.
في الأصل، هناك اختلاف حول مفهوم الحقيقة، ولكن هناك اتفاق على أن هناك حقيقة واحدة، ووسائل الإعلام التي ندمن استهلاكها غالبا ما تنهي إلى وعينا حقائق متناقضة بحدة في الغالب الأعم، ونحن في سياق اعتراضنا على هذا الأمر نرفع عادة ذلك الخطاب البائس حول أخلاقيات المهنة، لتنقسم آراؤنا بسرعة حتى حول ما يجب أن يكون، لأننا في البدء لا نعرف ما هي الحقيقة. رغم ذلك، يبقى خطاب أخلاقيات المهنة حاضرا باستمرار، ولا يتفوق عليه في قوة الطرح سوى خطاب راديكالي حاسم.
في تعاطينا مع خطاب أخلاقيات المهنة، غالبا ما نتناول الموضوع من وجهة نظر مؤسساتية وظيفية بحتة، حيث نفترض دورا معينا لوسائل الإعلام في المجتمع يكمن في تتبع الأحداث ونقلها وتفسيرها والتعليق عليها، ونفترض كذلك بأن للصحافة سلطة توازي في تأثيرها على الواقع تأثير السلطة السياسية، ولكن هذه الأسطورة تسقط في الماء أمام تلك الإرادة التي يمكن فك شفراتها عن طريق مقاربة الاقتصاد السياسي لملكية الإعلام: ثمة إرادة واحدة تريد توجيهنا إلى مظهر واحد للحقيقة، وعندما تتوفر أكثر من إرادة، مثلما هو الحال في الأنظمة الديمقراطية، سوف نواجه أزمة أخلاقية أعمق.
بناء على هذه القاعدة، يمكن أن نقرأ كتاب كولين كراوتش الموسوم بـ"ما بعد الديمقراطية"، وهو في الحقيقة طرح ذو نقذ لاذع لواقع الديمقراطية في الغرب يمكن أن يسهم في انهيار الكثير من الأساطير والخرافات التي تسربت إلى أذهان الباحثين في السياسة والإعلام بطريقة محيرة. يرى كراوتش، بأن أسلوب "ما بعد الديمقراطية"، أو ديمقراطية الواجهة، أضحى حاضرا بقوة في كثير من الدول حتى تلك التي تدعي بأنها ديمقراطية، وهي في الأصل حقل لمواطنة مجروحة برصاص الإعلام. 
رغم الديكور التعددي الذي يزين الواجهة السياسية للكثير من الدول الغربية، إلا أن الفاعلين الأصليين في لعبة الديمقراطية لا يملكون بنظر كراوتش أي تأثير على مجرى الأحداث، من المواطن إلى الحركة العمالية إلى الدور الاجتماعي للمؤسسات، حيث ساهم الإعلام بوصفه عامل تشويش دائم في إفساد أي سعي إلى الديمقراطية بعد أن تحالف مع نخب أرباب المؤسسات في تحوير الدولة عن مسار انفتاحها على المجتمع. 
وبرأي كراوتش دائما، فإن تحول ملكية السلطة داخل المجتمع والدولة إلى الرئيس المدير العام للشركة العملاقة بنموذجها الأنغلو-أمريكي، والتي استولت على مختلف القطاعات الاجتماعية التي كان يجب على الدولة أن تتواجد فيها باستمرار، يمثل السمة الغالبة على الحياة السياسية في الغرب، ويقع الإعلام تبعا لذلك في سلطة هذا الشخص بالنظر لانعدام أي بديل آخر عن الإشهار، ولذلك فإن أي معركة قد تدور رحاها في الإعلام لن تكون سوى مظهرا خارجيا لمعركة تجري في الخفاء بين أرباب الأعمال حول مشروع واعد ومربح أو لإطفاء روح الاحتجاج التي قد تندلع في جهة من الجهات.
ورغم أن كراوتش يقف عند حدود هذا التحليل، إلا أن المعجبين بأبحاثه التي واجهت تهميشا كبيرا بدعوى غياب الموضوعية، تتبعوا مسارات الإصلاح القائمة حاليا، وهم يؤكدون في الحقيقة بأن ظهور الأنترنت أصبح يعري بشكل واضح تورّط الإعلام في تكريس ديمقراطية الواجهة. هناك تصاعد واضح في قوة فاعلية النشاط الحقوقي عبر النت online activism، وهناك التفاف متنامي حول مصادر جديدة للحقيقة وللعمل الجماعي المشترك لقوى بإمكانها أن تغير مجرى الأحداث ولا يمكن محاكمتها عبر ذلك الخطاب البائس: خطاب أخلاقيات المهنة الصحفية. 
في النقاش الدائر حاليا حول إمكانية أن يتراجع الإعلام التقليدي أمام ضربات مختلف أشكال الاتصال الناشئة عبر الإعلام الجديد الذي يستوطن شبكة الإنترنت، يلاحظ بجلاء بأن التلفزيون يفقد نسب المشاهدة باستمرار، فيما أضحت الصحف أعباء لا طائل منها بالنسبة لأرباب المؤسسات، لذلك رحل التلفزيون والصحيفة بسرعة إلى النت وصار يسترق السمع مما يقوله الناس، بينما أنشأ الناشطون مراصد تقتفي آثار الكذب فيما تبقى من تلفزيونات وصحف تقليدية. وسط هذه المعركة، لا حديث مطلقا عن أخلاقيات للمهنة.

 

 موقع الحوار المتمدن 

 

شوهد المقال 2209 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

وليد عبد الحي ـ مشروع سمو الأمير حسن للشرق الاوسط

أ.د .وليد عبد الحي نشرت صحيفة يديعوت أحرنوت مع نهايات شهر شباط/ فبراير الماضي نص رسالة او مقال منسوب لسمو الامير الحسن حول رؤيته لمشكلات
image

عبد الجليل بن سليم ـ الحراك بين.le peuple و l'individu

د . عبد الجليل بن سليم  قبل ما نبدا. مستحيل تفهم السياسة و الانسان ما قراش التاريخ، شخصيا من أهم الفترات اللي أفادتني ياسر في فهم
image

بوداود عمير ـ الاشعاعات النووية من الصحراء الجزائرية لجبال فرنسا

بوداود عمير   تظهر الصورة منظرا من السلسة الجبلية "جورا" الفرنسية على الحدود السويسرية، وهي منطقة معروفة بكثافة ثلوجها وسُمكها، وقد تحوّلت من اللون الأبيض إلى اللون
image

نصر الدين قاسم ـ عور التحليل وبؤس التدليل

نصرالدين قاسم أعاب بعض الإخوة بعض الشعارات التي رفعها بعض المحتجين، وهتفت بها حناجر بعض الغاضبين في مسيرات الجمعة السادسة بعد المائة، ووجدوا فيها صهوة للتحامل
image

نجيب بلحيمر ـ مجازفة التأويل " شعارات الحراك الجزائري "

نجيب بلحيمر  الاستغراق في التحليل قد يحجب عنا التفاصيل البسيطة التي نراها على الأرض، والاجتهاد في البحث عن قراءات تؤكد ما نفكر فيه يؤدي في بعض
image

رشيد زياني شريف ـ اسئلة للقانوني رضا دغبار حول الحراك الجزائري

د. رشيد زياني شريف  لا نخوّن أحد، لكن، لن تكمموا أفواهنا، نحن أحرار ولا نساوم فيما نعتقده حقاأوجه جملة من الأسئلة إلى السيد رضا دغبار، هي
image

أبوطالب شيبوب ـ كلمتين بالدارجة الجزائرية لمن يحاول التحريض على الحراك الجزائري

أبوطالب شيبوب  كلمتين بالدارجة راهم في خاطري وبغيت نقولهم قبل ما نرقد.. بالاك غدوة نموت ومازالوا حاصلين ليا في الڨرجومة: راه كاين واحد الفرق ااواضح -
image

العربي فرحاتي ـ نقد النقد ضروري..أيضا ..المتنمرون على الحراك الجزائري

د. العربي فرحاتي  كنا ننتظر من نخبنا الحراكية بعد هذه الهبة الاستئنافية للحراك أن تقرأ المشهد الاستئنافي بروية وبصيرة وتوجه انتقاداتها إلى السلطة .وتحثها على
image

خديجة الجمعة ـ امرأة ثلاثينية

خديجة الجمعة وقفت امرأة ثلاثينية، تخاطب نفسها!! اهو الزمان قدعصف بي أم أنا عصفت بهذا الزمان؟! وهل هم الأصدقاء مابرحوا ينتظرون الزهور التي أعددتها لهم؟ أم
image

مريم الشكيلية ـ على مائدة الكلمات

مريم الشكيلية ـ سلطنة عماندعاني ذات فصل لوجبه عشاء على أظرفة شتاء...قال لي :جميل لون الوشاح الذي يطوق عنقك..قلت :يا سيدي أنا أنثى ترتدي الفصول

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats