الرئيسية | من الصحافة | نجيب بلحيمر - الرئاسة والمخابرات.. تسويق معركة وهمية

نجيب بلحيمر - الرئاسة والمخابرات.. تسويق معركة وهمية

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

نجيب بلحيمر 

 قبل نحو عامين نشرت الصحافة أخبار تغييرات هامة في جهاز المخابرات، لم يكن الحدث هو التغيير في حد ذاته بقدر ما كان نشر المعلومة وتداولها على نطاق واسع، فقد ظل جهاز المخابرات أقرب إلى الأسطورة، ولم تكن وسائل الإعلام تتناوله بشكل مباشر رغم تحول في التعاطي معه منذ مجيء عبد العزيز بوتفليقة إلى الحكم سنة 1999.

جرت العادة في الجزائر بعدم تنشر المراسيم الرئاسية التي تتضمن إجراء تغييرات في هذا الجهاز الذي يقال إنه المركز العصبي للسلطة، وصانع الرؤساء، وصاحب الكلمة الفصل في اختيار من يتولون المسؤوليات الكبرى في الدولة، غير أن هذه العادة تم الالتفاف عليها من خلال التسريبات التي تخصصت فيها وسائل إعلام جديدة معروفة بقربها من الرئاسة، فلم تعد للجرائد الورقية تلك السلطة ولا القدرة على نشر الأخبار بالسرعة المطلوبة، فضلا عن أن استعمال السلطة المفرط لتلك الجرائد جعلها غير صالحة لنقل أخبار المرحلة الجديدة.

لقد أغفلت الصحافة الجزائرية، ربما عن عمد، مسألة التسريبات التي كانت تحمل أخبار التعيينات التي تجري في جهاز المخابرات، وعملية إعادة هيكلته، ولم يكلف أحد نفسه عناء طرح الأسئلة الحقيقية حول الهدف من نشر هذه القرارات التي تخص جهازا يتخذ من السرية نظام عمل، لماذا يتم نشر القرارات ويرفض المسؤولون المدنيون والعسكريون التعليق عليها ؟ وما الدافع لإخبار الجمهور الواسع بمثل هذه القرارات في حين يتم التعتيم على كثير من القرارات التي تخص قطاعات مختلفة، وتؤثر بشكل مباشر على مصالح المواطنين ؟

ثمة خيط واحد يقود إلى الإجابة على هذين السؤالين وهو البحث عن الأثر السياسي لقرارات تبدو تقنية، فالرئيس بوتفليقة جعل من مواجهة المؤسسة العسكرية ورقته الأولى، وقد اختار أن يطلق أول تصريح مثير حول الجيش أياما قليلة بعد توليه الرئاسة، وفعل ذلك في منتدى كرانس مونتانا الاقتصادي، ومنذ ذلك الحين وهو يكرر تصريحاته ويسحبها، يمجد الجيش دون أن ينسى التذكير بأنه هو الرئيس الفعلي وصاحب القرار، ومع مرور الوقت بدأت القصة تتحول إلى ما يشبه “خروجا عن النص” لا يؤثر على التوازنات القائمة داخل السلطة في شيء.

إن التآكل الذي تعرض له خطاب بوتفليقة مع مرور سنوات حكمه، وتراكم الخيبات التي آلت إليها مشاريعه “العملاقة”، وورشات الإصلاح الكبرى التي أطلقها مع مجيئه إلى الحكم، دفعت به إلى الاستنجاد مجددا بورقة الصراع مع الجيش تارة، ومع المخابرات تارة أخرى، ولعل المتابع لفترات حكم بوتفليقة المختلفة يلاحظ أن هذه الورقة تطفو إلى السطح عندما تجتمع بعض العوامل الضاغطة التي تؤثر على حظوظ بوتفليقة في الاستمرار في الحكم.

في سنة 2004 واجه بوتفليقة خصومه الذين كانوا يحاولون قطع الطريق عليه للترشح لعهدة ثانية، وقيل آنذاك إن قيادة أركان الجيش ممثلة في الفريق الراحل محمد العماري، مدعوما بجنرالات آخرين، كانوا وراء ترشح علي بن فليس، ولا تزال هذه القصة متداولة على أنها حقيقة، رغم أنه لم يتم تأكيدها من أي طرف، في حين جرى التأكيد أكثر من مرة على أن الجيش لا علاقة له بالانتخابات، والأهم من هذا أن الأمر لم يتحول إلى صراع علني، ولم يتم تسريب أي قرارات، وقد انسحب العماري ورفاقه بهدوء وأحيلوا على التقاعد.

الإيحاء بوجود صراع بين الرئاسة والمخابرات بدأ قبل نحو سنتين من الآن، ففي شهر سبتمبر 2013 بدأت حملة عزل مسؤولين كبار في جهاز المخابرات، وقد ذهل الجزائريون وهم يقرأون أخبار هؤلاء في الجرائد، ووقفوا مشدوهين وهم يتابعون ذلك الهجوم “التاريخي” الذي قاده أمين عام جبهة التحرير الوطني عمار سعداني على رئيس الجهاز الفريق محمد مدين، لقد بدا الأمر في قمة الإثارة، إلى الدرجة التي أنست الجزائريين طرح السؤال الأهم : كيف جعل المرض الرئيس بوتفليقة بهذه القوة الخارقة التي تسمح له بتطويع هذا الجهاز المهاب الجانب؟ في زحمة الحدث ضاع السؤال ولم يطلب أحد الإجابة عليه.

رئيس أقعده المرض يسير نحو الترشح لعهدة رابعة ناكثا عهدا بتسليم السلطة للشباب، وحصيلة هزيلة لخمسة عشر عاما من الحكم، ليست أوراق رابحة لمن يريد لبوتفليقة أن يبقى في منصبه، ولتجاوز هذا لا بد من أمر مثير بدرجة تعكس الحرج الذي وقعت فيه الجماعة الحاكمة، كان لا بد من حدث كبير، وفي اعتقاد بوتفليقة ليس هناك ما هو أكبر من مواجهة جهاز المخابرات، وإخراج المواجهة إلى العلن أهم من المواجهة في حد ذاتها.

كذبت الأيام جل ما نشرته الصحافة من تكهنات نسبت للصحافيين أو لمن يوصفون بالخبراء الأمنيين، فقد تم اعتماد قاعدة بسيطة تقول أن كل من تتم تنحيته هو بالضرورة مقرب من الفريق مدين، وأن كل من يأتي يدين بالولاء للفريق الآخر الذي يقف إلى جانب بوتفليقة، فلعبة الثنائيات أثبتت جدارتها منذ أن دفعت بملايين الجزائريين إلى صناديق الاقتراع في سنة 2004 وهم يعتقدون أنهم بفلعهم ذاك ينقذون رئيسهم من مؤامرة تحيكها مجموعة من الجنرالات دفعت ببن فليس إلى ساحة المعركة، وقد اكتشف كثير من محترفي السياسة أن اللعبة أعدت بإتقان، وأنها نجحت فعلا، وسرعان من انطلت الحيلة على الناس مجددا فركنوا إلى اختزال كل أمراض النظام الجزائري في هذا الصراع المفترض بين الرئاسة والمخابرات.

لم يف بوتفليقة بوعده الكبير بإعادة بناء الدولة الجزائرية، ولم تتجسد تلك الإصلاحات التي توقع الجزائريون أن تضع أسسها لجنة إصلاح هياكل الدولة، ولم يأت الدستور الذي كان أولوية في سنة 1999 ولا يزال كذلك اليوم، أولوية لا تجد طريقها إلى التجسيد، وبعد ستة عشر عاما من الحكم لم يبق إلا إعادة هيكلة جهاز المخابرات وتبادل المناصب بين قادته، دليلا على وجود مشروع للإصلاح سوقه عمار سعداني تحت شعار “بناء الدولة المدنية” التي اختزلت في توجيه النقد للجنرال توفيق أو “سي علي” كما سماه، وبعد سنتين من بداية هذه اللعبة المثيرة لا شيء تغير، فقط مزيد من القرارات المسربة إلى الإعلام تحاول أن تثبت أن المرض يكسب السياسي مزيدا من القوة، وأن فشل ستة عشر عاما يمكن تداركه في بضعة شهور من خلال قرارت قد تكون خاتمتها إعلان ذهاب الفريق محمد مدين إلى التقاعد، وبقاء بوتفليقة في الحكم إلى حين.

جريدة سبق الإلكترونية الجزائرية

 http://sabqpress.net/

 

شوهد المقال 2831 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

وليد عبد الحي ـ مشروع سمو الأمير حسن للشرق الاوسط

أ.د .وليد عبد الحي نشرت صحيفة يديعوت أحرنوت مع نهايات شهر شباط/ فبراير الماضي نص رسالة او مقال منسوب لسمو الامير الحسن حول رؤيته لمشكلات
image

عبد الجليل بن سليم ـ الحراك بين.le peuple و l'individu

د . عبد الجليل بن سليم  قبل ما نبدا. مستحيل تفهم السياسة و الانسان ما قراش التاريخ، شخصيا من أهم الفترات اللي أفادتني ياسر في فهم
image

بوداود عمير ـ الاشعاعات النووية من الصحراء الجزائرية لجبال فرنسا

بوداود عمير   تظهر الصورة منظرا من السلسة الجبلية "جورا" الفرنسية على الحدود السويسرية، وهي منطقة معروفة بكثافة ثلوجها وسُمكها، وقد تحوّلت من اللون الأبيض إلى اللون
image

نصر الدين قاسم ـ عور التحليل وبؤس التدليل

نصرالدين قاسم أعاب بعض الإخوة بعض الشعارات التي رفعها بعض المحتجين، وهتفت بها حناجر بعض الغاضبين في مسيرات الجمعة السادسة بعد المائة، ووجدوا فيها صهوة للتحامل
image

نجيب بلحيمر ـ مجازفة التأويل " شعارات الحراك الجزائري "

نجيب بلحيمر  الاستغراق في التحليل قد يحجب عنا التفاصيل البسيطة التي نراها على الأرض، والاجتهاد في البحث عن قراءات تؤكد ما نفكر فيه يؤدي في بعض
image

رشيد زياني شريف ـ اسئلة للقانوني رضا دغبار حول الحراك الجزائري

د. رشيد زياني شريف  لا نخوّن أحد، لكن، لن تكمموا أفواهنا، نحن أحرار ولا نساوم فيما نعتقده حقاأوجه جملة من الأسئلة إلى السيد رضا دغبار، هي
image

أبوطالب شيبوب ـ كلمتين بالدارجة الجزائرية لمن يحاول التحريض على الحراك الجزائري

أبوطالب شيبوب  كلمتين بالدارجة راهم في خاطري وبغيت نقولهم قبل ما نرقد.. بالاك غدوة نموت ومازالوا حاصلين ليا في الڨرجومة: راه كاين واحد الفرق ااواضح -
image

العربي فرحاتي ـ نقد النقد ضروري..أيضا ..المتنمرون على الحراك الجزائري

د. العربي فرحاتي  كنا ننتظر من نخبنا الحراكية بعد هذه الهبة الاستئنافية للحراك أن تقرأ المشهد الاستئنافي بروية وبصيرة وتوجه انتقاداتها إلى السلطة .وتحثها على
image

خديجة الجمعة ـ امرأة ثلاثينية

خديجة الجمعة وقفت امرأة ثلاثينية، تخاطب نفسها!! اهو الزمان قدعصف بي أم أنا عصفت بهذا الزمان؟! وهل هم الأصدقاء مابرحوا ينتظرون الزهور التي أعددتها لهم؟ أم
image

مريم الشكيلية ـ على مائدة الكلمات

مريم الشكيلية ـ سلطنة عماندعاني ذات فصل لوجبه عشاء على أظرفة شتاء...قال لي :جميل لون الوشاح الذي يطوق عنقك..قلت :يا سيدي أنا أنثى ترتدي الفصول

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

2.00
Free counter and web stats