الرئيسية | من الصحافة | جمال الدين طالب - نوستــAlgeria مدرسة "المغبرطين" !

جمال الدين طالب - نوستــAlgeria مدرسة "المغبرطين" !

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

جمال الدين طالب 

 

 كنت أريد أن أكتب هذا الأسبوع مقالاً، عن الجدل الدائر في الجزائر حول اللغة و الهوية واقتراح استعمال الدارجة أو العامِّيَّة في التدريس بالمرجلة الابتدائية،يمزج بين المقاربة العلميةوالتجارب العالمية، و التجربة الشخصية كجزائري تمدرس في الجزائر، و أقيم حاليا في لندن، حيث يتعلم إبني و إبنتي في المدرسة الابتدائية العمومية في بريطانيا، وأسبوعيًا في مدرسة خاصة لتعليم العربية. ولكنني أصدقكم القول أنني "افتجأت" أيما "افتجاءة"!(باللغة الغبريطية!) ) بالبعد االذي أخذه الجدل حول هذا الموضوع ، و الذي "تَكرَبَس" ( وهي عربية فصحى بالمناسبة!) فيه النقاش في "دروج" وزيرة التربية نورية بن غبريط رمعون الى ما يشبه عرضا تراجيكوميديا ، قد يكون أفضل عنوان له "مدرسة المغبرطين" على وزن مسرحية "مدرسة المشاغبين" المصرية الشهيرة!.

 

"مدرسة المغبرطين" هذه تظهر فيهاالوزيرة بن غبريط ليس في دور المُدرِسة (أبلة..!)، وهي تُقدم درسا عن "المنطق"، مثلما صورها شباب برنامج "جرنان القوسطو" الساخر و الجميل،إنما أقرب إلى مزيج من شخصية التلميذ " اللي ما يجمعش"، و لا يستطيع تكوين جملة مفيدة، والذي أداه الممثل الراحل يونس شلبي ، وكذلك شخصية التلميذ مٌرسِي الزناتي ( انهزم يا مينز !.."دي انكليزي دي يا مرسي ..لا دي "غبريطي"!)..وان كانت بن غبريط تصرح، هنا، كما تنقل عنها الصحف " أن لا أحد يستطيع هزمها"!.
التبريرات التي تحاول بن غبريط تسويقها بلغة "ماتجمعش" لتسويق استعمال الدارجة أشبه بمقاربة مرسي الزناتي:(هذه عربية أو دارجة يا بن غبريط .. لا ، هذه "غبريطية")!. 
العَمَى! .. ياله من تهافت ، وسفسطة و ديماغوجية و "خرطولوجيا" عَامِيَة..ومقاربة ، ربما الأصح مُغَارَبة ( من الغُراب) مَعمية تلك التي يروج لها أنصار الدارجة بشعارات العِلمية،و التوصيات العالمية ( لليونسكو، أيمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة، مثلا)، والتي مقرها باريس، و لكن لا تجد لهذه التوصيات صدى مثلا هناك، في عاصمة فرنسا ، التي بها نحو 20 لغة دارجة، غير أن لغة التدريس تبقى الفرنسية الأكاديمية. 
نعم أنا ضد خطاب "شيطنة"السيدة الوزيرة بن غبريط، الذي يقوم به تيار معارض لها منطلق مدان فيه أيضا كثير من التدليس،ولكنني أيضا ضد "تقديسها" من منطلق غريب لتيار "ديمخراطي"،فرانكفوني،عرب فوبي ، يدعي انه يمتلك الحقيقة يرى مثلاً في سلطة الرئيس بوتفليقة الذي عين بن غبريط ، "سلطة جيفة و بن غبريط حلال!".
المثير للضحك و البكاء في آن واحد أن السيدة الوزيرة ، التي لا تحسن التعبير بطلاقة بالدارجة ، فمابالك بالعربية الفصحي، تقول ان تعليم العربية بواسطة الدارجة يرفع مستوى تعليمها،وأن مستوى التلاميذ في أدرار بالصحراء ضعيف رغم أنهم يدرسون القرآن قبل دخول المدرسة..مع أن المفارقة هنا قد تكون أن هؤلاء التلاميذ ربما مستواهم و نطقهم للعربية أفضل من مستوى الوزيرة نفسها، التي تقول أنها تريد تحسين مستوى اللغة العربية الضعيف في المدارس الجزائرية!. اللافت أن الوزيرة لم تتسائل أن ضعف المستوى في أدرار وفي الجنوب الجزائري بشكل عام يعود ربما، و بشكل أساسي إلى غياب الإمكانات والكودار التعليمية في المنطقة. 
ثم قبل هذا و بعده، لماذا يُطرح موضوع الدارجة الآن؟!أليست الدارجة مستعملة من زمان في المدارس الجزائرية بصفة أو أخرى كوسيلة مُساعِدة للتعليم، والمدارس الجزائرية لا يتم الحديث فيها بلغة قريش أو بما يشبه لغة فيلم "الرسالة" الشهير مثلا!.
كما أن ثورة المعلومات و انتشار قنوات الأطفال الفضائية الناطقة باللغة العربية الفصحى، يجعل "التناغم" مع العربية في الجزائر ، أكثر سهولة مما كان في السابق. و إن تبقى هنا استثناءات يجب أخذها بعين الإعتبار و احترامها، في المناطق الأمازيغية، حتى وان قدمَ، هنا، مستشار وزيرة التربية نموذجا غير صحيح في تسويق موضوع "اللغة الأم" بالحديث عن أطفال بني ميزاب في غرداية،على اعتبار أن الميزابيين ربما هم النموذج الجزائري الأمثل للانسجام و الثراءاللغوي الأمازيغيوالعربي، و المفروض بلغات أخرى. 
إنه لمثير للمرارة فعلا أن يبقى موضوع اللغة و الهوية الجزائر بعد 53 سنة من الاستقلال رهينة هذا التخندق الايديولوجي، الاقصائي الخطير على وحدة البلاد و مستقبلها، و بعضه مصلحي انتهازي، والحقيقة تقال هنا، ليس فقط من التيار الفراكفوني ، العرب فوبي الاقصائي المتطرف، إنما كذلك من تيار عروبي، اقصائي هو بدوره خاصة فيما يتعلقبالمكون الأول للهوية الجزائرية أي الأمازيغية، و التي صنع هذا التيار العروبي منها أزمة أو قنبلة موقوتة ، بدلا من "تفكيكها" أو عدم السماح بظهورها أصلاً بعد الاستقلال بمقاربة أكثر واقعية و جامعة.هذا التيار العروبي قد لا نبالغ لوقلنا أن دوره في أزمة المدرسة الجزائرية أشبه بدور "الناظر" في مسرحية "مدرسة المشاغبين"، ويتحمل بدوره دورًا في ما آلت اليه المدرسة الجزائرية..تيار بعض رموزه كانوا يُجربون الحفافة ـ(وهي عربية فصح بالمناسبة!) ـ في رأس اليتامى من أبناء الشعب بسياسةتعريب متسرعة، بينما كان هؤلاء المسؤولونيُلحقونأبناءهم بالثانوية الفرنسية في الجزائر العاصمة، ويضمنون مستقبلهم بارسالهم في بعثات للخارج على نقفة الدولة!. 
إنه لمثير للأسى فعلا أن نبقى ندور في هذه الحلقة المفرغة بينما المفروض أن الجزائر نموذجا عالميا"للثروة اللغوية" المفيدة للبلاد و العباد. وهذا ما سأطرحه في المقال المقبل انشاء الله.

 

جريدة الحياة الجزائرية

 

شوهد المقال 1411 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

نجيب بلحيمر ـ إهانة مظاهر "الدولة" أهم من ترسيم تسعيني

نجيب بلحيمر  أهم من ترسيم تسعيني رئيسا لمجلس الأمة، بعد نحو سنتين من توليه هذه المسؤولية بالنيابة، طريقة إخراج هذه العملية.ما حدث اليوم يؤكد أن هذا
image

عبد الجليل بن سليم ـ النظام السلطوي تعامله معنا .. تعاملنا معه

د. عبد الجليل بن سليم  عندما يتم إلقاء القبض على أي شخص قام بحقه في الكلام و التعبير عن سخطه ، فان ردة فعلنا لمادا النظام
image

عبد الرحمن صالح ـ عزيزي المواطن(ة): اعرف حقوقك عند الاعتقال من طرف الشرطة الجزائرية أو المخابرات

عزيزي المواطن(ة):اعرف حقوقكإن ممارسة التظاهر والتجمع و التعبير عن الرأي حق دستوري مكفول ، وتضمنه المواثيق الدولية و التشريع المحلياذا تم توقيفك بمناسبة ممارسة هذه
image

حكيمة صبايحي ـ الشعب ليس حزبا سياسيا، وهو أكبر من كل الأحزاب السياسية

حكيمة صبايحي  لهذا يحتاجه الجميع، فهو وحده مصدر كل شرعية، والذين يرددون: "إذا بقي الشعب بلا مشروع محدد ستبقى المسيرات بلا معنى" أعتقد أنهم يخلطون بين
image

خديجة الجمعة ـ اللامنتمي

خديجة الجمعة  اللا منتمي : هو الذي يبحر في سماء غير السماء المعهودة. وينطق بما في حياته للبعيد . وخيالاته تنطق بما في جوفه.اللا منتمي لاتوقفه
image

عثمان لحياني ـ عامان من الحراك الجزائري: منجزات ملموسة ومطالب مركزية تنتظر التحقيق

عثمان لحياني  يصعب جرد حساب الحراك الشعبي الجزائري في غضون عامين من الانتفاضة السلمية. فمنذ تظاهراته الأولى في 22 فبراير/شباط 2019، أعلن الحراك عن
image

ناصر جابي ـ الحراك الجزائري في سنته الثانية… ماذا حقق وما ينتظره من تحديات؟

د . ناصر جابي  ليس هناك اتفاق ولو جزئي بين الجزائريين، حول حصيلة للحراك الشعبي الذي انطلق في 22 فبراير 2019 وهو يدخل سنته
image

نصر الدين قاسم ـ وتسقط الأراجيف ويعلو صوت السلمية

نصرالدين قاسم  أثبتت السلمية مرة أخرى أنها سيدة قرارها، قررت تعليق المسيرات الاحتجاجية لا خوفا من السلطة ولا ارتداعا من سطوتها وبطشها إنما صونا لصحة الجزائريين
image

نجيب بلحيمر ـ السلمية.. ثابت وطني ومفتاح المستقبل

نجيب بلحيمر السلمية حية.. هذا ما أخبرنا به هذا الاثنين التاريخي الذي خرج فيه الجزائريون عبر مختلف أنحاء الوطن ليقولوا بصوت واحد انهم مصممون على إنقاذ
image

محمد هناد ـ التعديل الوزاري والجزائر تدي الإستقلال

د. محمد هناد   الشكل الذي أتى به «التعديل» الوزاري الأخير لم يكن منتظرا ؟ لاسيما بعد تلك النبرة الساخرة التي سبق لرئيس الدولة عبد المجيد تبون

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats