الرئيسية | من الصحافة | شاكر لعيبي - موريس بلانشو: الصورة بصفتها جثةً

شاكر لعيبي - موريس بلانشو: الصورة بصفتها جثةً

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

 


د. شاكر لعيبي

 

 





 

 

تتلخّص نظرية أفلاطون عن الفن، كما شرحها في (الجمهورية) بمرموزة الكهف: استحالة الفن (والصورة Image ضمناً) على نقل معرفة موضوعية عن الواقع. فحوى المرموزة هو التالي: تقبع الكائنات البشرية في كهف تحت الأرض، له ممرّ طويل باتجاه النور الخارجيّ، عاشت تلك الكائنات هناك منذ الطفولة، وقُيّدتْ أرجلها وأعناقها بالسلاسل، فلا تستطيع الحركة والرؤية، سوى ما يقع حصرياً أمام أنظارها، فالسلاسل تمنعها من الالتفات. على مقربة منها نار تتصاعد يفصل بينها والكائنات طريق مرتفع. بالنتيجة لا يرى البشر سوى ظلال الأشياء والموجودات تتحرك أمامها، فلنقلْ صورة للظلال وحدها تسقط أمام أبصارها على جدار الكهف.
ما نراه وفق أفلاطون ليس سوى الظلّ، سوى الوَهْم، سوى وَهْم الواقع. الفن لا يستطيع تقديم تَصوُّر موضوعيّ للوجود، وإذا كانت الصورة نمطاً فنياً فبإمكاننا القول أنها تقدّم بالأحرى أوهاماً عن الواقع.
أما موريس بلانشو فقد اختار الجثة كمثال نموذجيّ وكاستعارة للصورة ، منطلقاً من فكرته عن الأفتتان fascination. ولفهم العلاقة التي يقيمها بلانشو بين مفهوم الافتتان والصورة، تتوجب العودة إلى الأصل الاشتقاقي اللاتينيّ للمفردة التي تأتي من الفعل اللاتينيّ fascinare أي خلَبَ وسَحَرَ، أو ألقى قدَرَاً، نصيباً، ظلالاً. ثم أخذت المعنين التاليين الذين يهماننا هنا. أولاً: السيطرة على شخص أو شيء، تجميده بتثبيت النظر عليه، وكان يُستخدم عند الحديث عن بعض الحيوانات، والسلطة المُنوِّمة المعطاة لبعض الزواحف لشلّ حركة فريستها وتسهيل القبض عليها. ثانياً: الأسْر أو الجذب عند الحديث عن تأثير وميض الحاجيات اللمّاعة على بعض الحيوانات. للافتتان علاقة أصلية إذنْ بالنظر الخلّاب، وسلطة التنويم المغناطيسيّ والوميض السحريّ.
جعل بلانشوالافتتان، كما تقول أليس ديلموت - التير، في تعارُض مع السيطرة التقليدية المنسوبة للبصر (الرؤية)، ففي حين يقترح البصر مسافة تتجنب الاتصال والالتباس وتسمح اللقاء بالحاجية والسيطرة عليها؛ يكشف الافتتان، خلافاً لذلك، مجال المبصور (أو المنظور إليه) الذي لا يستطيع الافلات من مجال الدهشة والصلة الخلّابة: المبصور يَفْرض نفسه فرضاً على النظرة (أو البصر). الصورة وفقاً للشائع تلي الحاجية التي تعيد، هذه الصورة، تقديمها re-présente في موقف الـ (بَعْد،أو الفيما بعد) الذي يفترض في آن واحد تبعيّة وجودية وصلة زمنية بين الصورة والحاجية. لكن بلانشو يتشكك جذريا في ذلك الـ (بَعْدُ، الفيما بعد) الذي لعله يَسِمُ، وفق رؤيته، مصيرها الفلسفيّ. النتيجة هي توصُّله إلى مفهوم آخر للصورة: إنها تتميز بقدرتها على تقديم الغياب عند حضور الجوهريّ وعبر التباسه، فما نراه في صورةٍ حاضرةٍ أمامنا ليس إلا حاجية أو كائن غائب في حقيقة الأمر، ما نراه يقع فينا، في افتتاننا.
يختار بلانشو الجثة كمثال نموذجيّ للصورة والافتتان الذي تولِّده: "الصورة، للوهلة الأولى، لا تشبه الجثة، ولكن غرابة الجثة يمكن أن تكون هي أيضاً غرابة الصورة". مثل الصورة، تفلت الجثة من التصنيفات الشائعة: هي ليست تلك التي كان على قيد الحياة، ولا أخرى، ولا مجرد "شيء". ومثل الكتابة، فإن الحلم وكل ما يتعلق بالمجال الفتّان للمخيلة، فإن سبيل وجود الجثة ليس ببساطة سبيل عدم الوجود: توجد الجثة في منطقة وسطى بين ما يَفْصل ويوحِّد الحياة والموت، وهي كالصورة التي تحتلّ مساحة غريبة ومقلقة بين الواقع - الذي يُفترَض لها تمثيله - وتحوّلها في المخيلة. الجثة تُضاعف الحيّ، أنها تشبهه تماماً دون أن تشبهه رغم ذلك، لأننا نَعِيْها على أنها أكثر جمالاً وضخامة وأكبر من الحيّ. في مواجهة الجثة، نقوم بتجربة - الشَّبَه التقريبيّ عن جدارة، شَبَهٌ لا يشابه شيئاً".
على التباعد الزمنيّ واختلاف المنطق الفلسفيّ بين أفلاطون وبلانشو، ثمة مساءلة لقدرات الصورة على النقل الموضوعيّ، لكنها مساءلةّ من طبيعتين نظريتين مختلفتين: عند أفلاطون الصورة في حقل الوَهْم، وعند بلانشو في نطاق افتتان وتحوّلات الذات التي تتخيّل. الصورة حاضرة بصفتها غياباً عند كليهما: ظلاً عند أفلاطون وجثة عند بلانشو.
 
المدى العراقية  

 

شوهد المقال 1332 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

نجيب بلحيمر ـ إهانة مظاهر "الدولة" أهم من ترسيم تسعيني

نجيب بلحيمر  أهم من ترسيم تسعيني رئيسا لمجلس الأمة، بعد نحو سنتين من توليه هذه المسؤولية بالنيابة، طريقة إخراج هذه العملية.ما حدث اليوم يؤكد أن هذا
image

عبد الجليل بن سليم ـ النظام السلطوي تعامله معنا .. تعاملنا معه

د. عبد الجليل بن سليم  عندما يتم إلقاء القبض على أي شخص قام بحقه في الكلام و التعبير عن سخطه ، فان ردة فعلنا لمادا النظام
image

عبد الرحمن صالح ـ عزيزي المواطن(ة): اعرف حقوقك عند الاعتقال من طرف الشرطة الجزائرية أو المخابرات

عزيزي المواطن(ة):اعرف حقوقكإن ممارسة التظاهر والتجمع و التعبير عن الرأي حق دستوري مكفول ، وتضمنه المواثيق الدولية و التشريع المحلياذا تم توقيفك بمناسبة ممارسة هذه
image

حكيمة صبايحي ـ الشعب ليس حزبا سياسيا، وهو أكبر من كل الأحزاب السياسية

حكيمة صبايحي  لهذا يحتاجه الجميع، فهو وحده مصدر كل شرعية، والذين يرددون: "إذا بقي الشعب بلا مشروع محدد ستبقى المسيرات بلا معنى" أعتقد أنهم يخلطون بين
image

خديجة الجمعة ـ اللامنتمي

خديجة الجمعة  اللا منتمي : هو الذي يبحر في سماء غير السماء المعهودة. وينطق بما في حياته للبعيد . وخيالاته تنطق بما في جوفه.اللا منتمي لاتوقفه
image

عثمان لحياني ـ عامان من الحراك الجزائري: منجزات ملموسة ومطالب مركزية تنتظر التحقيق

عثمان لحياني  يصعب جرد حساب الحراك الشعبي الجزائري في غضون عامين من الانتفاضة السلمية. فمنذ تظاهراته الأولى في 22 فبراير/شباط 2019، أعلن الحراك عن
image

ناصر جابي ـ الحراك الجزائري في سنته الثانية… ماذا حقق وما ينتظره من تحديات؟

د . ناصر جابي  ليس هناك اتفاق ولو جزئي بين الجزائريين، حول حصيلة للحراك الشعبي الذي انطلق في 22 فبراير 2019 وهو يدخل سنته
image

نصر الدين قاسم ـ وتسقط الأراجيف ويعلو صوت السلمية

نصرالدين قاسم  أثبتت السلمية مرة أخرى أنها سيدة قرارها، قررت تعليق المسيرات الاحتجاجية لا خوفا من السلطة ولا ارتداعا من سطوتها وبطشها إنما صونا لصحة الجزائريين
image

نجيب بلحيمر ـ السلمية.. ثابت وطني ومفتاح المستقبل

نجيب بلحيمر السلمية حية.. هذا ما أخبرنا به هذا الاثنين التاريخي الذي خرج فيه الجزائريون عبر مختلف أنحاء الوطن ليقولوا بصوت واحد انهم مصممون على إنقاذ
image

محمد هناد ـ التعديل الوزاري والجزائر تدي الإستقلال

د. محمد هناد   الشكل الذي أتى به «التعديل» الوزاري الأخير لم يكن منتظرا ؟ لاسيما بعد تلك النبرة الساخرة التي سبق لرئيس الدولة عبد المجيد تبون

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats