الرئيسية | من الصحافة | محمد العباس - حقوق القارئ

محمد العباس - حقوق القارئ

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

محمد العباس 

 ينحاز دانيال بِناك في كتابه (متعة القراءة) إلى أهمية استمتاع القارئ بالمادة التي يطالعها. إذ يقرن تلك المتعة المتأتية من التماس بالكُتب ومتعلقاتها مع مفهوم الحرية. حيث يستهل كتابه بعبارة (رجاء أتوسل إليكم. لا تستخدموا هذه الصفحات كوسيلة تعذيب تربوي). وهو تنبيه له مغزاه، وينم عن رغبة واعية في فصل فاعلية القراءة الحرة عن أدائية التلقين المدرسي. على اعتبار أن القراءة ممارسة طوعية لا تتأتى إلا من الحُبّ، وليست استجابة قسرية مملاة خارج الأفعال الإرادية. فمن يحب القراءة يحاول أن يشرك الآخرين في هذه المتعة. كما أن الكُتب لم تُكتب لنتولى مهمة شرحها بل لنقرأها.

القراءة بالنسبة له عقيدة غير قابلة للجدل. بمعنى أن على الإنسان أن يقرأ ليحقق إنسانيته. وهذا لا يعني إخضاعه لما تريده الكُتب. ولكنه إذ يحاصر الإنسان بأهمية وضرورة القراءة يضع قائمة بحقوق القارئ تعكس تصوراته لتلك المساحة من الحرية التي يفترض أن يتحرك القارئ في مداراتها. فللقارئ الحق في عدم القراءة. والقفز عن الصفحات. وعدم إنهاء الكتاب. وإعادة القراءة. وقراءة أي شيء. فيما يسميه بالبوفارية. والقراءة في أي مكان. وأن يقتطف من هنا وهناك. وأن يقرأ بصوت عالٍ. وله الحق أيضاً في أن يصمت وهكذا.

من ذلك المنطلق يجادل مفهوم القراءة باعتبارها أدائية حميمية تفاعلية. مقابل ما يسميه بالتلفزيون المُفسد. بما يعتريه من سلبية في التلقي. على اعتبار أن القراءة تفجر مخيال الإنسان. وهي حسب تعبيره فعل خلق دائم. وعلى الرغم من تلك الثنائية التنافرية ما بين الكتاب والتلفزيون إلا أنه لا يحمل التلفزيون وزر الانصراف عن الكتاب كلياً في سبيل الغاء المسافة ما بين الإنسان والكتاب. فهناك تاريخ طويل من الإعاقات والمحرمات التي جعلت الكتاب بمعزل عن يوميات الفرد. كالجنون الاستهلاكي، حسب تعبيره، ووصايا الآباء والمعلمين، والهجمة الالكترونية، وأخطاء المدرسة، وقلة المكتبات وغيرها من اشتراطات العصر الحديث التي جعلت الممارسة القرائية على هامش الحياة.

وعلى هذا الأساس يقترح إعادة طقس قراءة الحكايات التي تبدأ مع الطفولة باعتبارها المدخل للقراءة الحيوية. بما تؤسس له تلك العادات الدافئة من ترغيب للقراءة على قاعدة الحُبّ. وهذا هو ما تختزنه وظائفية الحكاية. فالطفل الذي يقع تحت سطوة الاندهاش بما يتلقاه من حكايات يدخل المدرسة فخوراً بنفسه. وعندها سيندفع لتعلُّم القراءة في المدرسة بشغف. لتحقيق اكتفائه الذاتي. تماماً كما يتعلم المشي واللغة. مع مراعاة فكرة الحد من الرعاية التربوية حتى من قبل الآباء المغرمين بمقارنة أطفالهم بأطفال الغير، المستعجلين في رؤية أطفالهم وهم يلتهمون الكتب.

إن الثالوث المتمثل فيه هو ونحن والقصة، حسب تعبيره. يمكن أن يتعرض لانتكاسات بسبب جملة من الأسباب التي تصرفه عن القراءة، التي صارت بمثابة العمل الشاق مقارنة بالتلفزيون الذي يلوح كمكافأة. فالطفل لا يحاول إتقان الأداة التي نعذبه بها. فهو قارئ ممتاز لولا أن المحيطين به يحبطونه باستعراض مهاراتهم في تطويعه بل زرع الحماس فيه لمواصلة القراءة. وكأنهم يحولون المتعة إلى واجب مجهد وممل. وهو الأمر الذي يحتم تصالحه مع الكُتب. وتجاوز جثث الكلمات الميتة لاستعادة طقس القراءة بكل ما يحتمله من تنوع سواء في حقل الكتب الجادة أو الروايات أو الشعر. المهم أن يستجيب للقراءة كضرورة.

يجب أن نقرأ، حسب ما تمليه عقيدة «بِناك». كي نتعلم، وننجح، ونعلم ما يجري في العالم، ونعلم من أين جئنا، ونعلم من نحن، ونعرف الآخرين بشكل أفضل، وكي نعلم إلى أين نمضي، وكي نحافظ على ذاكرة الماضي، وكي نضيء الحاضر، وكي نستفيد من الخبرات السابقة، وكي لا نكرر أخطاء من سبقونا، وكي نكسب الوقت، وكي نفرّ من الواقع، وكي نبحث عن معنى للحياة، وكي نفهم أسس حضارتنا، وكي نُبقي فضولنا متيقظاً، وكي نتسلى، وكي نتواصل، وكي نمارس فعلنا النقدي. فالقراءة فعل تواصل يجعلنا متكلمين ونقاداً ومحللين علاوة على كوننا كائنات اجتماعية. وعليه لا بد أن نقتطع ساعات للقراءة إما من برنامج عملنا اليومي، أو من حصة الأصحاب، أو التلفزيون، أو السهرات العائلية، أو التنقلات، أو الواجبات.

المدرسة مصنع ضروري للفكر، ولكن الثقافة الأدبية لا تحصل عليها من المدرسة بل من خارجها. أي من القراءة الحرة. فالمدرسة لا يمكن أن تكون محل استمتاع. لأن المتعة تتطلب قدراً من المجانية، من منظوره. وهو ما يحتم البحث عن المتعة والحيوية خارج المناهج المدرسية وبعيداً عن المعلمين الذين يجتهدون في التأسيس المعرفي للفرد على حساب القراءة. وهو ما يحتم أيضاً على المدرس المحب للقراءة الطلب من تلامذته مشاركته سعادته الخاصة بالقراءة، بدل إجبارهم على القراءة. فسعادة القراءة هي بمثابة المقاومة لكل العوارض الممكنة: النفسية والاقتصادية والمهنية والعاطفية والمناخية والعائلية والمنزلية والقطيعية والمرضية والأيدلوجية والثقافية والنرجسية. فالقراءة الذكية، بتصوره، تنقذ الإنسان من كل شيء حتى من نفسه. وزمن القراءة كزمن العشق يزيد من طول زمن العيش.

 

جريدة اليوم السعودية  

شوهد المقال 6890 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

صدمة ثقة - بقلم إيمى الأشقر

#من_الواقعأًعلم جيداً -    أن أشد الصدمات هى التى تأتى من عند جدار القلب -    أقسى الصدمات التى تأتى ممن أحببتهم ووثقت بهم ومنحتهم مكانه خاصة
image

شكري الهزَيل - مقارنة خاطئة : الشعب الكردي ليست برزاني ولا الكيان الاسرائيلي!!

د.شكري الهزَيل من المفيد ان يتثقَّف الانسان بمعرفة تاريخ الشعوب قبل ان يحكم عليها او ينحاز لرأي وسائل اعلام تضليلية تعمل لخدمة مشاريع امبريالية واخرى دكتاتورية
image

أحمد رضا ملياني - جميلا كوجه أمي

 أحمد رضا ملياني                  جميلا كوجه أميمضطربا يوحي بفصل قادم نحو الطيورالموج يصفع شاطئه والزوارقأغاني الصيادين العابرةتملآ المكان صخبا البواخر تعبر وجهه إلي مدي لاأعرفهأمدد يدي علي صوته
image

عاطف الدرابسة - ثورةُ الجراح

  د.عاطف الدرابسة                 أخشى أن يَثورَ الصّبرُ ..أن يُكسَرَ القيد .. كما يَكسِرُ الفجرُ الظّلامَ ..  أخشى أن يغيبَ العقلُ .. ويمسّني الجنونُ .. ويهزمَني الجّوعُ .. فأثورُ كما يثورُ الجُرحُ
image

شكري الهزَّيل - عرب الردة : الاراضي العربية المحتلة!؟

د.شكري الهزَّيل من هنا مرَّت الكارثة وهنا وهناك على طول وعرض الوطن العربي حطت رحالها وسلطَّت سيفها على رقابنا,ومن هنا حيث الخراب والدمار مرت طائرات الاعداء
image

علي رحيالية - بوكروح "الزدّام".. بوتفليقة.. العسكر.. وسوق الحمير الحلقة الثانية

بقلم المواطن علي رحاليةواحد من الغاشي  بوكروح "الشيات" الأول والأكبر أو كيف تتفوق على سعداني وولد عباس وأويحي في الشيتة؟    اذا المشكلة ( بالنسبة لي على الأقل )
image

نورالدين محمد حاج مصطفى - الكرد والإستفتاء (حق تقرير المصير )

نورالدين محمد حاج مصطفى    فرسان الشرق وعمادها منذُ الحضارات القديمة والحديثة  ، سلالة الهوريين والآكاديين ،  الخلديين و السومريين ، ورثة امبراطوريات  الميزوباتمية والميديا.  إنهم الشعب الكردي العريق
image

علي رحالية - بوتفليقة.. العسكر.. وسوق الحمير الحلقة الأولى : ومازال بوكروح يعتقد بأننا "غاشي"

 المواطن علي رحالية واحد من الغاشي رغما عني جذبني الحقل المغناطيسي للرداءة والتفاهة العامة التي غرقت فيهما البلاد والناس.. الرداءة في كل شيء.. وتتفيه أي شيء.. السياسة..
image

شكري الهزَّيل - الامم المتحدة : قهقهات على جثث الشعوب العربية!!

  د.شكري الهزَّيل الناس في بلادنا وبلادكم مشغولة ومنشغلة بامور الدنيا والدين ويكادوا ان ينسوا او يتناسوا امور العالم اللتي يغزونا في عقر دارنا ولا نغزوة
image

منظمة تواصل الاجيال بحي محمد شعباني ببوسعادة تصنع الحدث وتحقق الهدف.

   تقرير: هنيدة نورالدين. بادرت اليوم المنظمة الوطنية لتواصل الاجيال (ONCG) بحي محمد شعباني بوسعادة ،بفتح وتدشين نادي موجه للاطفال بمقرها حتى تصنع الحدث وتظيف فضاءات تحتضن

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats