الرئيسية | من الصحافة | إبراهيم قارعلي - بؤس الخطاب الديني المجتمع الإسلامي

إبراهيم قارعلي - بؤس الخطاب الديني المجتمع الإسلامي

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

 

إبراهيم قارعلي
 

 

 

ما الفائدة من أن يخصص الإمام خطبتي الجمعة في آكلي رمضان !. فهل يذهب إلى المسجد لصلاة الجمعة آكل رمضان ، فلا شك حتى الأطفال الصغار الذين لم يبلغوا الحلم أو سن الرشد يأتون الجمعة وهم صيام !!!...
لقد راح الإمام طيلة الخطبتين يتوعد المفطرين بالنار !. ولكنه لم يتحدث أبدا عن التجار الذين يلهبون النار في الأسعار ويدخلون الصائمين النار قبل أن يدخلها المفطرون في النهار !!!...

 

لقد صدق المفكر الجزائري العظيم مالك بن نبي حين يقول : ليست المشكلة أن نعلِّم المسلم عقيدة هو يملكها وإنما المهم أن نرد إلى هذه العقيدة فاعليتها، وقوتها الإيجابية، وتأثيرها الاجتماعي .

ما الجدوى من الخطاب الديني أو من الخطاب المسجدي إذا ما كان يبتعد عن الواقع الاجتماعي للمسلمين ولا يعالج مختلف الأمراض الاجتماعية التي استشرت في المجتمع الإسلامي وأصبحت تنخر العقيدة الإسلامية .

وإذا لم تعد تختلف أصـوات الباعـة عـند أبواب المساجد عـن أصـوات المتسولين !. فقد يكون من الغرابة ، أنه بمجرد أن نزل الإمام من المنبر وما إن قضيت الصلاة حتى تعالت أصوات التجار الفوضويون قرب المسجد والذين يكون بعضهم قد فضل أن يرابط أمام تجارته غير بعيد عن المسجد . ولعل المساجد الجزائرية هي المساجد الوحيدة دون غيرها من بقية مساجد العالم الإسلامي التي يعرض أمام أبوابها التجار الفوضويون سلعهم المغشوشة وما يتركونه من قمامات وأوساخ وفضلات أمام المساجد ، بينما لا يحدث مثل هذا أبدا أمام الكنائس في البلدان المسيحية.

 

لقد بعثت إحدى المواطنات إلى الصحافة رسالة في بريد القراء تشتكي فيها من القمامات التي تراكمت أمام الطريق وأخذت شكل مزبلة في الطريق المؤدي إلى المسجد وفي الطريق إلى المدرسة أيضا !. ولكنها مع ذلك ، لم توجه اللوم والعتاب أو تلقي بالمسؤولية على المواطنين بل المصلين أو الإمام والمعلم والتلاميذ ، باعتبار أن المشكلة أخلاقية وتربوية بالدرجة الأولى ، بل راحت تلقي بالمسؤولية على سلطات البلدية التي لم يبق لها من الصلاحيات غير رفع القمامات !!!...
لا يمكن الحديث عن المؤسسة المسجدية في الجزائر ، ذلك أن المساجد تكون قد فقدت رسالتها الحضارية منذ قيام الدولة الوطنية غداة الاستقلال على الرغم من أن الوطنية الجزائرية تتميز عن الكثير من الوطنيات حيث أن الدين أو الإسلام يمثل المحرك الأساسي للوطنية الجزائرية منذ ميلاد الحركة الوطنية وانطلاق الثورة التحريرية المباركة ضد المحتل الفرنسي .

 

إن الرسالة الحضارية التي اطلعت بها المساجد الجزائرية خلال المقاومة الوطنية والثورة التحريرية قد تراجعت خلال مرحلة البناء الوطني للدولة الجزائرية حيث أن المساجد هي الأخرى قد طالتها عمليات التأميم وتحول معها الإمام إلى خطيب اشتراكي يفسر الدستور ويشرح الميثاق !. ولكن ما إن أوشك المسجد أن يسترجع هذه الرسالة الحضارية خلال الثمانينيات حتى زجّ به في الصراعات السياسية بين السلطة والمعارضة خاصة الدينية منها التي جعلت من المساجد هياكل حزبية لم تكن تختلف عن محافظات الحزب الحاكم وقسماته وخلاياه ، ولكن السلطة سرعان ما أحكمت قبضتها على المساجد ليس من أجل العودة إلى الرسالة الحضارية ولكن من أجل القيام بدور وظيفي لم يكن يختلف عن بقية الوظائف السياسية . وبالتالي ، فإن المساجد ما كان لها أن تتحرر من الاستغلال الحزبي للمعارضة حتى وقعت في الاستغلال السياسي للسلطة .

إن ما يصطلح عليه معركة المسجد أو حرب المساجد لم يعد ينحصر بين السلطة والمعارضة فقط ، وإنما بين المعارضة نفسها ومختلف أطيافها وتياراتها الفكرية والمذهبية بل وفي الكثير من الأحيان فقد كانت السلطة نفسها هي التي تغذي مثل هذه الصراعات والحروب والمعارك البينية سواء بالانحياز أو بالحياد الذي يتخذ شكلا من أشكال التواطؤ السياسي في هذه الحرب القذرة غير المقدسة !!!... وهذا ما ينذر بتفكيك الوحدة الوطنية للمجتمع الجزائري خاصة وأن الدين يمثل إسمنت هذه الوحدة الوطنية.

يجب الاستثناء ولا يجب التعميم فالاستثناء واجب ، ولكن المنطق يقتضي أن الحالات الشاذة تحفظ ولا يقاس عليها مثلما هو شأن الاستثناء. والواقع وذلك هو السائد أن المسجد حتى لا يتم الجزم أو التأكيد ، يكون قد فقد رسالته ودوره في المجتمع الإسلامي ، وإني ها هنا لا أتحدث عن الدين ولكن عن الخطاب الديني ولعل الخطاب المسجدي أو الخطاب الدعوي هو جزء من ذلك الخطاب الديني الذي لم يعد يتفاعل مع الواقع الاجتماعي فلا هو أثّر في المجتمع ولا هو تأثّر بالمجتمع.

عندما يصبح الدين معاملة يومية يومئذ يكون المسجد قد استرجع رسالته الحضارية وبالتالي قد استعاد الخطاب الديني مصداقيته وذلك عندما تعود للدين فاعليته ، أوليس المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده كما يقول الرسول العربي الكريم الذي جاء ليتمم مكارم الأخلاق. ولنتأمل جيدا كلمة اللسان واليد ، إنها تجسد القول والفعل أو الفكرة والعمل أو النظري والتطبيقي بل الخطاب والواقع . وإذا ما كان الإيمان هو الجانب العملي للإسلام النظري ، فإن الإحسان هو البعد الجمالي للرسالة الحضارية التي يجب أن يضطلع بها الخطاب الديني في المجتمع الإسلامي .

 جريدة الإخبارية الجزائرية

شوهد المقال 1276 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

عماد البليك ـ لماذا يغني السودانيون؟ (2)

عماد البليك   يلفت الشاعر والباحث السوداني عبد المنعم الكتيابي في إطار قضية السفر والترحال في الأغنية السودانية، إلى أن السفر في جوهره هو نزوع
image

الدكتورة جميلة غريّب؛ عبقريّة العربيّة في معجزة القرآن، ولغة الحوسبة -2-

 د.جميلة غريّب  أ‌- نماذج من أنواع الألفاظ الجديدة بالقرآن الكريم:  تكمن خصوصية اللفظ في القرآن الكريم في جدته اللفظية والمعنوية، فقد تظهر في:- جِدَّة في جذره واشتقاقاته، وغالبا
image

محمد محمد علي جنيدي ـ إِبْتَهَال

محمد محمد علي جنيدي        يَمْضِي بِنَا رَكْبُ الحَيَاةِ كَعَابِرِ أخْفَى المَواجِعَ في عَبَاءةِ صَابِرِ يا طَالِبَ الدُّنْيَا سَتَفْنَى مِثْلُهَا لم يَبْْقَ مِنْكَ سِوَى تُرَابِ مَقَابِرِ
image

العربي فرحاتي ـ الكورونا..وضعت الباراديجم العلمي أمام امتحان ..تطور مرعب جدا..

د. العربي فرحاتي   الكورونا..وضعت الباراديجم العلمي أمام امتحان ..تطور مرعب جدا..بما أودع الله فيه من ذكاء وفطرة ..ظهر عند الانسان ما يسعد الانسان وانبثقت من فطرته الحياة
image

سعيد لوصيف ـ مجتمعات ما قبل الفكرة

د. سعيد لوصيف Changeons de Regard.. Changeons de voie.. في مجتمعات ما قبل الفكرة ؛ أي تلك المجتمعات التي يحدد معالمها المجسد وتصوراتها المقدس الهوامي (fantasmatique)
image

أحمد سليمان العمري ـ حرب النيل... سدّ النهضة المثير للجدل

 د.أحمد سليمان العمري ـ دوسلدورف النزاع بين إثيوبيا ومصر حول مشروع سدّ النهضة الضخم، أو كما يُسمّى في إثيوبيا سدّ الألفية الكبير قائم منذ سنوات. اليوم بدأت
image

عثمان لحياني ـ تونس ونكسة اخرى للثورة المضادة ولا عزاء

 عثمان لحياني  نكسة أخرى للثورة المضادة ولاعزاء، عيد مُر ورصيد رعاة الانقلابات غير كاف مرة أخرى ،الديمقراطية تنتصر على المال الفاسد و الفاشية الجديدة التي
image

خديجة الجمعة ـ شاه القلب ...أبي

خديجة الجمعة   شاه القلب :هو الذي يعلم أنه إذا غاب أنا بانتظاره، وإن نام اتفقده  . وهو الذي يعلم اشتعال الكلمات بين أصابعي حين اكتب عنه.
image

مريم الشكيلية ـ أوراق مرتبة

مريم الشكيلية ـ سلطنة عمان   يدهشني أن كل الأشياء التي تركتها مبعثرة خلفك تترتب في رفوف مخيلتي....رغم تلاشي رسائلك المكتوبة بربيع قلم لا تزال تنبت كالعشب
image

مخلوف عامر ـ المحامية جيزيل حليمي زمن المبادئ والالتزام

 د. مخلوف عامر  تفانَتْ (جيزيل حليمي)في الدفاع عن (جميلة بوباشا) وألَّفت عنها كتابها المعروف بتشجيع من (سيمون دي بوفوار)ورسم بيكاسو صورة مُعبِّرة لـ(جميلة).واستوحِي منه

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats