الرئيسية | من الصحافة | حسان زهار - أحمد منصور يحييكم "بلا حدود" " 24 مارس 1999 وغلق بوتفليقة مكتب الجزيرة في الجزائر "

حسان زهار - أحمد منصور يحييكم "بلا حدود" " 24 مارس 1999 وغلق بوتفليقة مكتب الجزيرة في الجزائر "

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

حسان زهار 

 لا يرتبط اسم الصحافي اللامع في قناة الجزيرة، أحمد منصور، فقط باسم الجنرال السيسي، كما هو حاصل اليوم، بعد أن كلف رئيس أكبر دولة عربية نفسه، وطلب من انجيلا ميركل، اعتقاله في ألمانيا.

أحمد منصور، يبدو أنه أكبر من هذه الحركة الصغيرة، التي دعمتها في شوارع برلين إلهام شاهين ويسرا، ذلك أنه بالنسبة لنا كجزائريين تحديدا، مرتبط أيضا بالرئيس عبد العزيز بوتفليقة، وبتلك الحلقة العاصفة التي استضاف فيها منصور في برنامجه "بلا حدود" المرشح الرئاسي بوتفليقة، في 24 مارس 1999، وكانت سببا في اتخاذ الرئيس بعد نجاحه لأول قرار في عهده بغلق مكتب الجزيرة في الجزائر.

ومن الوهلة الأولى، لا يبدو أحمد منصور، صحافيا عاديا، يستفز مشاعر المشاهدين وحسب، بل هو يحرك أيضا نوازع الحكام العرب وغير العرب، ويدفعهم دفعا من خلال الضرب في المناطق الحساسة، إلى اتخاذ مواقف عدائية منه، لأنه ببساطة إعلامي لا يرحم.

ولا تبدو حادثة اعتقال أحمد منصور في برلين مؤخرا، أمرا ذا بال في مسيرة هذا الاعلامي المثير للجدل، ففي الوقت الذي تألق فيه صحافيون آخرون في ذات القناة القطرية ذائعة الصيت، على غرار فيصل القاسم، خديجة بن قنة، محمد كريشان، يسري فودة قبل أن تلحقه لعنة ساوريس، وغيرهم، كان تألق أحمد منصور يحمل مذاقا مختلفا تماما، اختلطت فيه قيم الكفاءة والايمان بالمبدأ ، بخاصية التواجد الدائم في قلب الحدث.

لم يكن أحمد منصور الذي أثار ثائرة الرئيس بوتفليقة قبيل اعتلائه كرسي الحكم منذ اعتلائه كرسي الحكم في الجزائر، قبل أكثر من 16 سنة، سوى رجلا يؤرخ للمرحلة بطريقته، وهو يتلقى نفس التقريع الذي تلقاه الزميل احميدة العياشي، من الرئيس الذي حكم الجزائر طوال هذه المدة، عن الصحافة التي تحملها السلطة مسؤولية الترويج لأفكار ضد نظام بومدين أو نظام جمال عبد الناصر .

 

طوال كل تلك السنوات، خلق أحمد منصور، وعبر منبر الجزيرة التي حطمت طابوهات الزعيم المقدس، وفتحت أمام العقل العربي آفاق الجدل والرأي الآخر، وانتقاد الديكتاتورية (حتى وإن تجنبت فتح ملف الديكتاتوريات في دول الخليج لأسباب مفهومة)، حالة مختلفة عن الصحافي الحر، الصحفي المقاتل بقلمه، خارج دائرة القطيع التي رباها الحاكم العربي، خصيصا لتلميع الواجهة الوسخة.
وإذا كان كاتب كبير مثل بوعقبة عندنا في الجزائر، قد نجح في أن يكون بمثابة "كتيبة دبابات"، على ما في هذه الجملة من اعتراضات من طرف البعض، فإن نموذج أحمد منصور، تجاوز ذلك ليكون بمفرده بما يوازي جيشا جرارا ، يضم الوية المدفعية والطيران وسلاح البحر علاوة على "الانغماسيين"، وهذا عبر كل المحطات الساخنة تقريبا التي شهدتها المنطقة العربية والإسلامية، سواء في مواجهة الغزو الخارجي ، أو من خلال الثورات الشعبية الداخلية.

 

ويحتفظ أرشيف الإعلام العربي الفاخر، بمواقف لا تمحوها الأيام، للصحافي أحمد منصور في الكثير من مناطق الصراع من البوسنة إلى العراق، إلا أن تواجده في مدينة الفلوجة العراقية، عقب الغزو الأمريكي سنة 2003، والتي غطى فيها تحت الرصاص أولى معارك الشرف العربي ضد الاحتلال الصليبي، بقي علامة فارقة.

كان أحمد منصور في تلك المدينة المجاهدة على ما أذكر ، الصحافي الوحيد الذي ينقل للعالم تفاصيل المعركة، ويفضح همجية الأمريكان الذين قالوا وقتها، أنهم جاؤوا لنشر الديمقراطية في المنطقة .

 

ومثلما تطلب الأمر مؤخرا أن يعقد جنرال مصر صفقة مع المستشارة الألمانية ، لاعتقال وتسليم أحمد منصور، وجد وزير الدفاع الأمريكي ، وقتها دونالد رامسلفيد، نفسه مضطرا ليذكر اسم أحمد منصور بالاسم في مؤتمر صحفي، باعتباره العقبة الكبيرة امام محو مدينة الفلوجة من الخارطة.
لقد فسر المراقبون تصريحات رامسفيلد وقتها، بأنها ضوء أخضر للطائرات الأمريكية لقتل منصور، على طريقة تصفية طارق أيوب، لأن صحافيا كان بإمكانه أن يخلط حسابات قوة عظمى، فأمريكا وهي أعظم قوة في الأرض، تجد نفسها مضطرة لأن تحسب حساب صحافي لا يملك معه سوى قلمه أو الكاميرا، فكيف لا تخشاه مصر اليوم، أو أي بلد عربي آخر، وهي كلها مجرد ملحقات صغيرة بزريبة البنتاغون الخلفية؟.

 

وحين يتزامن اعتقال منصور بعودة السفير المصري في تل أبيب، من البديهي أن نبحث عن أيادي إسرائيل ودور الموساد في العملية، ومن الطبيعي أن نسأل كيف لمن هو الآن أكثر من "مجرد كنز استراتيجي" لإسرائيل، أن يغير عقيدة جيش مصر ومخابرات مصر، من محاربة إسرائيل ، إلى مطاردة أحمد منصور.

من حق السيسي أن يخاف على عرشه الذي تولاه بالخداع وبالحديد والنار، من صحافي أرعب أمريكا، وهو الذي حارب الإعلام في أول قرار أصدره بعد الانقلاب، عبر غلق كل القنوات والصحف المعارضة، وزجه في السجون كل الصحافيين الأحرار، لأن القاتل في العادة يخشى أن يرى صورته البشعة في المرآة التي لا تكذبه، فتراه يذهب ليتجمل بالراقصات.

إن التضامن اليوم مع أحمد منصور، ليس تضامنا مع شخص أو وسيلة إعلامية، بقدر ما هو تضامن مع النفس ومع حرية الفكر والتعبير واحترام العقل، وحين نرى مؤسسات إعلامية كبرى في الجزائر والعالم العربي، ترفض حتى مجرد التطرف لقضية أحمد منصور، فقط لأنه يخالفها في التوجه والأيديولوجيا، على الرغم من الشعارات الليبرالية التي يدعونها، ندرك لماذا ينجح الطغاة في البقاء في كراسيهم، لأن إعلاما آخر ضرب المثل في الجبن ، وفي التواطؤ .

ولا يسعني المقام هنا، إلا تذكير من نسي، أن صحافيا جزائريا يقبع الآن في السجن، من دون محاكمة، وأن عبد السميع عبد الحي، يحتاج منا أيضا وقفة جادة لانصافه من طرف زملائه ، قبل أن تنصفه العدالة.

وإلى كل هؤلاء نقول لا تخشوا على كراسيكم، أحمد منصور ليس مرشحا بعد ليكون مديرا لمجمع ماسبيرو في القاهرة، ولا رئيسا لمكتب الجزيرة في الجزائر بعد فتحه، ولا مديرا لقناة العربية أو سكاي نيوز في الامارات...

لا تخشوا شيئا.. أحمد منصور حالة مختلفة، وهو يحييكم "بلا حدود" .. من داخل ضمائركم .. فاسمعوه.

جريدة الحياة الجزائرية  

 

شوهد المقال 2840 مرة

التعليقات (1 تعليقات سابقة):

في 03:13 29.08.2019
avatar
احمد منصور صحفي متمرس .. لكنه وقح بعض الشيء والأستاذ حسان زهار معجب بشخصيته لأنه يتقاسم معه " صحانية لوجه"
توقيع : محمد مهايبية _ قالمة _

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

عماد البليك ـ لماذا يغني السودانيون؟ (2)

عماد البليك   يلفت الشاعر والباحث السوداني عبد المنعم الكتيابي في إطار قضية السفر والترحال في الأغنية السودانية، إلى أن السفر في جوهره هو نزوع
image

الدكتورة جميلة غريّب؛ عبقريّة العربيّة في معجزة القرآن، ولغة الحوسبة -2-

 د.جميلة غريّب  أ‌- نماذج من أنواع الألفاظ الجديدة بالقرآن الكريم:  تكمن خصوصية اللفظ في القرآن الكريم في جدته اللفظية والمعنوية، فقد تظهر في:- جِدَّة في جذره واشتقاقاته، وغالبا
image

محمد محمد علي جنيدي ـ إِبْتَهَال

محمد محمد علي جنيدي        يَمْضِي بِنَا رَكْبُ الحَيَاةِ كَعَابِرِ أخْفَى المَواجِعَ في عَبَاءةِ صَابِرِ يا طَالِبَ الدُّنْيَا سَتَفْنَى مِثْلُهَا لم يَبْْقَ مِنْكَ سِوَى تُرَابِ مَقَابِرِ
image

العربي فرحاتي ـ الكورونا..وضعت الباراديجم العلمي أمام امتحان ..تطور مرعب جدا..

د. العربي فرحاتي   الكورونا..وضعت الباراديجم العلمي أمام امتحان ..تطور مرعب جدا..بما أودع الله فيه من ذكاء وفطرة ..ظهر عند الانسان ما يسعد الانسان وانبثقت من فطرته الحياة
image

سعيد لوصيف ـ مجتمعات ما قبل الفكرة

د. سعيد لوصيف Changeons de Regard.. Changeons de voie.. في مجتمعات ما قبل الفكرة ؛ أي تلك المجتمعات التي يحدد معالمها المجسد وتصوراتها المقدس الهوامي (fantasmatique)
image

أحمد سليمان العمري ـ حرب النيل... سدّ النهضة المثير للجدل

 د.أحمد سليمان العمري ـ دوسلدورف النزاع بين إثيوبيا ومصر حول مشروع سدّ النهضة الضخم، أو كما يُسمّى في إثيوبيا سدّ الألفية الكبير قائم منذ سنوات. اليوم بدأت
image

عثمان لحياني ـ تونس ونكسة اخرى للثورة المضادة ولا عزاء

 عثمان لحياني  نكسة أخرى للثورة المضادة ولاعزاء، عيد مُر ورصيد رعاة الانقلابات غير كاف مرة أخرى ،الديمقراطية تنتصر على المال الفاسد و الفاشية الجديدة التي
image

خديجة الجمعة ـ شاه القلب ...أبي

خديجة الجمعة   شاه القلب :هو الذي يعلم أنه إذا غاب أنا بانتظاره، وإن نام اتفقده  . وهو الذي يعلم اشتعال الكلمات بين أصابعي حين اكتب عنه.
image

مريم الشكيلية ـ أوراق مرتبة

مريم الشكيلية ـ سلطنة عمان   يدهشني أن كل الأشياء التي تركتها مبعثرة خلفك تترتب في رفوف مخيلتي....رغم تلاشي رسائلك المكتوبة بربيع قلم لا تزال تنبت كالعشب
image

مخلوف عامر ـ المحامية جيزيل حليمي زمن المبادئ والالتزام

 د. مخلوف عامر  تفانَتْ (جيزيل حليمي)في الدفاع عن (جميلة بوباشا) وألَّفت عنها كتابها المعروف بتشجيع من (سيمون دي بوفوار)ورسم بيكاسو صورة مُعبِّرة لـ(جميلة).واستوحِي منه

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats