الرئيسية | من الصحافة | محمد غازي الاخرس - عمالة الحروب الأهلية

محمد غازي الاخرس - عمالة الحروب الأهلية

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

محمد غازي الأخرس

 

 

هكذا خطرت الفكرة في ذهني وأنا أتأمَّل مجموعة من المتحاورين في القناة الفرنسية ٢٤؛ للحروب الأهلية اقتصاديات هي الأكثر مدعاة للتفكّر العميق، بجانب مصنّعي السلاح ومهرّبيه، ثمّة مكاتب تُهرّب البشر وتزودهم بأوراق "رسميَّة" يعبرون بها المطارات. وقرب صانعي الستراتيجيات في الأقبية المظلمة، هناك صُنّاع للرأي يلبسون بدلات أنيقة ويجيدون الحديث عن الأزمات بمنظومة اصطلاحات خاصة. وغير بعيد عن عصابات الخطف التي تموّل المتحاربين، يمكنك رؤية تُجار أزمات يبدون، في الظاهر، نتاجا للحروب، لكنَّهم قد يكونون مسببين لها. دول ومنظمات، جامعات ومراكز أبحاث، صحف كبرى وفضائيات، دوائر استخبارات، بائعو معلومات، شركات عابرة للحدود، منابر تواصل اجتماعي وشركات اتصالات، أقمار صناعية وستديوهات، شعراء وكتاب، مهرجون ودفَّانو موتى، صُنّاع أكاذيب ومروجو شائعات، برلمانيون وموظفون كبار، مؤسسات "تنمية" ومنظمات مجتمع مدني، مطلقو طرائف ورسامو كاريكاتير، جيوش إلكترونية ودور نشر، خطاطون وخياطون، مهندسون وأطباء، أئمة جوامع ورؤساء دول. كلُّهم يشكلّون اقتصاديات تدير حروباً أهلية يمكن تتبعها من كلمة تطلق في الأثير إلى رصاصة تستقر في الرأس. وبين الكلمة والطلقة، يرسم الرسام ويكتب الصحفي، يهدد السياسي ويضع إمام الجامع تخريجا فقهيَّاً، ينظّر الباحث ويخيط "الترزي" الرايات هنا وهناك.
في الحروب الأهليَّة، ثمَّة أناس يعيشون ليقتلوا، وآخرون يقتلون ليعيشوا، وبينهما، يوجد من لا يَقتل ولا يُقتل، لكنَّه يعتاش على القتل ويجهد أن يُقتل أحدٌ أحدا. وظيفته هي هذه، فهو كالدّفان الذي يرتزق على باب عزرائيل. إن توقَّفت الحروب الأهليَّة، يخسر أعماله، ولعلَّه يعود لوظيفته التي كان يزاولها قبل حدوث الفتن. ربَّما عاد للتدريس أو كتابة الدراسات النقديَّة. الطريف أن هؤلاء هم من نراهم دائماً حليقي الوجوه، يفيضون علماً و"أتيكيتا"، ملابسهم تلمع وعيونهم أيضا، ذلك أن لديهم من المعلومات ما لا يتوفَّر لدى القتلة والقتلى. هم أبطال الحروب الأهلية والمتحدثون باسمها، الذين يعرفون رؤاها ويحفظون أسماء أمرائها، ويجيدون قراءة خرائطها التي لا يعرفها من يقاتل أو يُشرَّد أو يُقطع رأسه.
كل ذلك خطر في ذهني وأنا أتابع الحوار الفضائي المحتدم عن داعش والعراق وسوريا. كانوا ثلاثة والمذيع رابعهم، الأول يمني والثاني جزائري، بينما الثالثة عراقية أعرفها منذ أيام صدام مذيعة من النوع الرديء. كانت تتحدَّث عن داعش بحب استغرب معه الجالسون قربها حتى أن الجزائري سألها ضاحكاً إن كانت توافق على سبي النساء وهي امرأة!
في القناة المذكورة كما في غيرها، تدور عجلة اقتصاد الحروب الأهليَّة، تنفق الأموال لتكسب أضعافها. التسابق على أشده، في "العاجل"، في وضوح الصورة، في دقَّة المعلومة، في وسامة المذيع، في قربه من الحدث. التسابق تجاريٌّ و"السبق" تجاريّ. الحوار تجاريّ والرأي تجاريّ. كلُّ شيء يدخل في العجلة المهولة المسمَّاة "حروب أهلية" بما في ذلك الاستنارة برأي صاحبتنا المعجبة بداعش، المتحدِّثة عن استقبال أهل الموصل لهم بالترحاب. كيف تسنَّى لها الوصول إلى تلك القناة في باريس وهي "الجلحه الملحه"؟
إنَّها اقتصاديات الحروب الأهلية التي تجعل لأمثالها مكاناً تحت الأضواء. لا بدَّ من "معجب" بداعش كي نعطي للحوار صدقيَّة، لا بدَّ من وجود مروّج للتطرُّف حتى يدوم دوران العجلة، فيُقتل من يُقتل وينزح من ينزح، يغني من يغني، ويكتب من يكتب، وصاحبكم ربما واحد منهم. فلولا الحروب الأهلية والمعجبة بداعش لما كتبت هذه المقالة!

 

 

الصباح العراقية  

شوهد المقال 1866 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

عماد البليك ـ لماذا يغني السودانيون؟ (2)

عماد البليك   يلفت الشاعر والباحث السوداني عبد المنعم الكتيابي في إطار قضية السفر والترحال في الأغنية السودانية، إلى أن السفر في جوهره هو نزوع
image

الدكتورة جميلة غريّب؛ عبقريّة العربيّة في معجزة القرآن، ولغة الحوسبة -2-

 د.جميلة غريّب  أ‌- نماذج من أنواع الألفاظ الجديدة بالقرآن الكريم:  تكمن خصوصية اللفظ في القرآن الكريم في جدته اللفظية والمعنوية، فقد تظهر في:- جِدَّة في جذره واشتقاقاته، وغالبا
image

محمد محمد علي جنيدي ـ إِبْتَهَال

محمد محمد علي جنيدي        يَمْضِي بِنَا رَكْبُ الحَيَاةِ كَعَابِرِ أخْفَى المَواجِعَ في عَبَاءةِ صَابِرِ يا طَالِبَ الدُّنْيَا سَتَفْنَى مِثْلُهَا لم يَبْْقَ مِنْكَ سِوَى تُرَابِ مَقَابِرِ
image

العربي فرحاتي ـ الكورونا..وضعت الباراديجم العلمي أمام امتحان ..تطور مرعب جدا..

د. العربي فرحاتي   الكورونا..وضعت الباراديجم العلمي أمام امتحان ..تطور مرعب جدا..بما أودع الله فيه من ذكاء وفطرة ..ظهر عند الانسان ما يسعد الانسان وانبثقت من فطرته الحياة
image

سعيد لوصيف ـ مجتمعات ما قبل الفكرة

د. سعيد لوصيف Changeons de Regard.. Changeons de voie.. في مجتمعات ما قبل الفكرة ؛ أي تلك المجتمعات التي يحدد معالمها المجسد وتصوراتها المقدس الهوامي (fantasmatique)
image

أحمد سليمان العمري ـ حرب النيل... سدّ النهضة المثير للجدل

 د.أحمد سليمان العمري ـ دوسلدورف النزاع بين إثيوبيا ومصر حول مشروع سدّ النهضة الضخم، أو كما يُسمّى في إثيوبيا سدّ الألفية الكبير قائم منذ سنوات. اليوم بدأت
image

عثمان لحياني ـ تونس ونكسة اخرى للثورة المضادة ولا عزاء

 عثمان لحياني  نكسة أخرى للثورة المضادة ولاعزاء، عيد مُر ورصيد رعاة الانقلابات غير كاف مرة أخرى ،الديمقراطية تنتصر على المال الفاسد و الفاشية الجديدة التي
image

خديجة الجمعة ـ شاه القلب ...أبي

خديجة الجمعة   شاه القلب :هو الذي يعلم أنه إذا غاب أنا بانتظاره، وإن نام اتفقده  . وهو الذي يعلم اشتعال الكلمات بين أصابعي حين اكتب عنه.
image

مريم الشكيلية ـ أوراق مرتبة

مريم الشكيلية ـ سلطنة عمان   يدهشني أن كل الأشياء التي تركتها مبعثرة خلفك تترتب في رفوف مخيلتي....رغم تلاشي رسائلك المكتوبة بربيع قلم لا تزال تنبت كالعشب
image

مخلوف عامر ـ المحامية جيزيل حليمي زمن المبادئ والالتزام

 د. مخلوف عامر  تفانَتْ (جيزيل حليمي)في الدفاع عن (جميلة بوباشا) وألَّفت عنها كتابها المعروف بتشجيع من (سيمون دي بوفوار)ورسم بيكاسو صورة مُعبِّرة لـ(جميلة).واستوحِي منه

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats