الرئيسية | من الصحافة | اسماعيل القاسمي الحسني - علينا أن نفجّر الوضع بين الجزائر والمغرب ليكتمل المشهد

اسماعيل القاسمي الحسني - علينا أن نفجّر الوضع بين الجزائر والمغرب ليكتمل المشهد

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

إسماعيل القاسمي الحسني

المملكة المغربية دولة عربية إسلامية شقيقة وجارة للجزائر، ويبدوأن النخب أوبعضها حتى لا نعمّم على جانبي البلدين، مولع بما يحدث في عالمنا العربي، من حرائق متنقلة تأتي على هشيم  شعوبها، ومعجب بألسنة اللهب التي أكلت موروثها الحضاري، ومزّقت جغرافيتها وقطّعت أوصال نسيج مجتمعاتها، وها هي تُخلّف رمادا يعاينه البصير يوميا عبر الفضائيات، ولذلك يعمل هذا البعض على نقل جحيمها إلى الجارتين الكبيرتين في المغرب العربي، فالمشهد لا يكون متوازنا إذا احترق المشرق فقط؛ ومن الحصافة  والرصانة  والتوازن، أن يعمل باجتهاد على إلحاق المغرب العربي بمشرقه، وهكذا نكون قد أكملنا دورة الانهيار، وأتممنا الصورة للعالم بأننا أمة من محيطها إلى محيطها، ليست أكثر من فقاعات زبد يذهب جُفاء، وتعشق بساديّة متميزة ذهاب ريحها.وتكون قد أثبتت “وحدتها” في جانب التدمير الذاتي على الأقل.

الصراع بين أنظمة الحكم ليس حكرا على الجزائر والمغرب، ذلك انه موجود بين كل الأنظمة في العالم، حتى بين أكثر الحلفاء تماسكا ظاهر الأمر، فبالأمس فقط اهتز الرأي العام لفضيحة تجسس الولايات المتحدة على الهواتف الشخصية لرؤساء دول الاتحاد الأوروبي، الذين يعدّون الحلفاء الأساسيين لها في كلّ العالم؛ وأغلب الصراعات تكون أشبه بالضرب تحت الحزام، ولكن تبقى دائما لدى تلكم الأنظمة ومن ورائها نخبها الموظفة، بالحجم الذي لا يتجاوز خطوط المصالح العليا في حاضرها ومستقبلها؛ ولعل ما حدث بين الدول الأوروبية أواسط القرن الماضي من صدامات دموية – لمن يستدعي أحداث القرن الماضي- لا نظير له، من احتلال دول  وتدمير عواصم وإبادة ملايين البشر، وما استتبع ذلك من هدر للأموال والطاقات البشرية، لا نتصور أن مثلك تلكم الأحداث قد وقعت بين أنظمة عربية؛ لكن على ما يبدوهناك من يريد منذ أربع سنوات دفع الأمة، عبر أنظمتها ونخبها لخوض بحر الدماء، وإشعال فتن الصدامات داخل الأقطار كما نشاهد في ليبيا وسورية والعراق، والأمر تطور إلى ما بين الأقطار كما نرى اليوم بين السعودية واليمن، وحبل هذه العبقرية الفذّة على الجرار كما يقال، والمفاعيل والأدوات حاضرة، والأيادي والسواعد والأقلام على أعلى درجات الاستعداد، لخدمة هذه الأهداف النبيلة العظيمة.

أعترف أني أشيح بوجهي عن أي مقال في الصحافة الوطنية، يتناول محطات الصراع بين سلطتي البلدين، وأعرض صفحا عن مثلها في الصحافة المغربية، ذلك أني أعتبرها من الجانب الأخلاقي والمعنوي، كمن يتناول جيفا يلتقطها من مكب نفايات التاريخ، أما من الناحية الموضوعية فلا يتوقف تاريخ العلاقة بين البلدين في عام 1963 ولا 1975، الذي بحمد الله لم أعش قذارته تلكم، وإنما عشت 1983 وبعدها 1989، حين اجتمع الملك والرئيس الراحلين في الأول، ونزل الملك ضيفا عزيزا في الجزائر في الثانية، وأذكر جيدا أنه تم استقباله بحفاوة لم يحظ بها أي ملك عربي؛ وكان يفترض لدى العقلاء أن هاتين المحطتين التاريخيتين، تتجاوزان بالتأريخ، وبقيمتهما وما يمكن أن يبنى عليهما، كل خلاف أواختلاف سبقهما، ولم يعد من المنطق في شيء استدعاء ما قبلهما لتقدير العلاقة بين البلدين، بمعنى أن ما اتفق عليه الجانبان عام 1989 كان بوجود قضية الصحراء التي حيّد موضوعها حينها، فاللعب عليه الآن من قبل أي طرف، يحسب نسخا لما قدم قائده، وفتح الحدود وعودة العلاقات الطبيعية وغيرها منذئذ، يطوي بالضرورة مواضيع الطمع في التراب الجزائري، وفي المقابل ادعاء إصرار الجزائر على تقسيم المغرب.

لست ألعب دور المهاتما غاندي، كما قد يسخر مني بعض القراء جريا على عادته، ولكن من الجانب الموضوعي والعقلاني، إذا سلمت كمواطن جزائري بأن المغرب بناء على بعض كُتّابه من الدرجة الخامسة (مع كل الاحترام) يعبر عن عدائه وخصومته للجزائر وما إلى ذلك، وهذا ما يستدعي البعض منا استحضار محطات الصراع والصدام؛ فماذا لوقسنا علاقتنا بالمغرب بعلاقتنا الآن وعبر التاريخ مع فرنسا؟ أليس من العدل والموضوعية فعل ذلك؟ فرنسا هذه، دولة هي كذلك وجارة بدورها، أذكر فقط أربعة قرون مضت ما تركت الجزائر فيها، إلا وشنت عليها هجوما همجيا إجراميا، وآخرها الاحتلال الذي دام قرنا وثلث قرن، مسحت مُدُنا وهجّرت عشرات بل مئات الآلاف، وقتلت الملايين، ونهبت ثروات البلد كلها، هل يرقى صراع المغرب مع الجزائر إلى ذلك؟ ووثقت في خرائطها الرسمية والتعليمية، بأن الجزائر قطعة فرنسية منذ الأزل؛ وإلى اليوم تعتبر فرنسا هذه، جريمة احتلالها البشع عملا حضاريا وإنسانيا، وأصرت عبر برلمانها الديمقراطي المنتخب تحت شعار “حرية-  أخوة – مساواة” قانونا يمجّد تلكم الجريمة، ويجرّم كل من تعرض لها بالنقد، إمعانا في العداء   واحتقار الجزائر وشعبها، بل وإلى غاية اليوم وفي مناسبة عيدها، تُعلّق نياشين لأبطالها المجرمين بحق الشعب الجزائري، والسؤال: أين علاقة الجزائر ونخبها السياسية والفكرية مع فرنسا؟ لوطبق نفس الميزان والمعيار مع المغرب، لرأينا قطيعة خالدة كُلية ما لم تعتذر فرنسا، وتقدم تعويضا يعدل مئات أضعاف ما قدمته ايطاليا ذات عام لليبيا، بعد أن قبّل رئيس حكومتها برلسكوني يد الراحل معمر القذافي؛ لكن المُشاهَد اليوم هوأن فرنسا تُعدّ أول شريك وأهمّ صديق للجزائر، وهي مستمرة في امتصاص ثروات شعبها، وتكيد للجزائر عشرات أضعاف ما يُتهم به المغرب، وفوق كل هذا مواطن جزائري يقبّل يد الرئيس الفرنسي؛ ومن سخرية هذه العلاقة الشاذة، التي أشار لها ابن خلدون ومالك بن نبي، أن أغلب رجال السلطة في الجزائر لهم جنسية فرنسية، ولهم إقامة وممتلكات في باريس، وأبناؤهم منذ سن البلوغ يستقرون بها، وزوجاتهم يصففن شعورهن كل نهاية أسبوع بها، والمضحك المبكي أن النخب التي تدور في فلك هذه السلطة تقتدي وتستن بقياداتها. والمشهد يكاد يكون صورة طبق الأصل، لدى الأشقاء في المغرب مع اسبانيا وفرنسا طبعا.

وقد يقول  قائل: إن فرنسا لا تحمل غلاّ ولا عداوة للجزائر مثلما – توهما أوتضخيما- المغرب، ويغرد مقابله من المغرب قائل: إن فرنسا لا تحمل غلا ولا  كراهية للمغرب مثلما الجزائر. هنا لا أرد عن المغربي، ولكن أذكر الجزائري بأن فرنسا هي من تأوي مواطنين جزائريين يدعون لانفصال إقليم جزائري وليس المغرب، وهي من تضفي عليهم الشرعية وتوفر لهم المقرات وتدعمهم إعلاميا، وبالمناسبة، ليس المغرب من يدعمهم بمئات ملايين الدولارات وإنما فرنسا وقطر؛ والباخرة المحملة بالسلاح التي تم احتجازها قرب شواطئ بجاية، أواسط تسعينيات القرن الماضي لم تكن قادمة من المغرب وإنما من فرنسا، وليس المغرب من اصطف إلى جانب قيادات الجماعات المسلحة التي عاثت في الجزائر إجراما وفسادا بل هي فرنسا.

بقي أمر واحد وهو: أن السلطة الجزائرية حين قررت غلق الحدود مع المغرب، لم تقدم ما تنفثه أقلام مغربية وجزائرية على حد سواء، وإنما ما هوموثق بشكل رسمي، قدمت عذر فرض التأشيرة على الجزائريين دون العودة والتشاور كما تقتضي الأعراف، وقدمت بعد ذلك خطر المخدرات المتدفقة من المغرب إلى الجزائر؛ لم نسمع حينها لا حرب الرمال ولا الصحراء ومشكلها ولا أطماعا توسعية. أما عن التأشيرة فالرد كان أكبر بكثير وغير منسجم ولا عادل، وكان يكفي فرض التأشيرة من جانب الجزائر مع تقديم احتجاج شديد اللهجة (إذا اقتضى الأمر استعراض العضلات)، أما بخصوص المخدرات فهنا لي وقفة خطيرة اعتقد أنها تستحق التأمل.

إذا كانت جهات جزائرية رسمية تتهم جهات رسمية مغربية، بتورطها في تصدير المخدرات من المغرب إلى الجزائر، فبكل جرأة وبكل مسؤولية وعن علم أسجل هنا، بأن جهات  جزائرية مسؤولة هي بدورها متورطة حد الأذنين، في استيراد المخدرات من المغرب إلى الجزائر، وباتفاق مع ذات الجهات المغربية المتهمة، وبتنسيق معها وتقاسم للأرباح، أسجلها عن علم وليكن بعدها ما يكون. وشخصيا وقفت عام 1995على معبر حدودي عسكري مشترك بين البلدين أقصى الشمال، تمر عبره كل السلع دون رقيب ولا حسيب، بل ودون تسجيل الدخول والخروج لوسائل نقلها؛ فضلا عن معبر آخر في الجنوب، تتولى قيادات عسكرية من الجانبين تهريب السجائر وغيرها من سلع تغرق الجزائر؛ وقد يسأل قارئ: إذن ما فائدة غلق الحدود تحت عنوان منع تدفق المخدرات والسلع الممنوعة؟ الجواب وبكل بساطة: أنه عند فتح الحدود دخل صغار التجار والمتوسطين هذا المجال، فاقتطعوا لأنفسهم سهما مهما من كعكة تجارة المخدرات والسجائر وغيرهما من الممنوعات، ما أثار حفيظة أباطرة السلطة من الجانبين، وأشعرهما بتهديد تجارتهما المربحة، والأخطر انفلات حبال التحكم في الطبقات المستهدفة بهذه السموم من أيديهم. هذه هي الحقيقة وهذا هوالواقع المر والخطير للغاية، والذي لا يجرؤ مفكر أوكاتب على تناوله،  لما قد يترتب عنه من استعجال حتفه، أويرمي به في غياهب السجون إن كان عالي الحظ؛ وبغلق الحدود يعود احتكار هذا النشاط الإجرامي لأصحاب السلطتين على ضفتيها؛ فلا التنديد المغربي الرسمي صحيح، ولا التبرير الجزائري الرسمي صحيح؛ كليهما مستفيد من الوضع ويعمل على استدامته، ويوظف من يغطي هذه الجرائم بحق الشعبين، من يفتعل على وسائل الإعلام قضايا وإشكاليات لا تمت بصلة للواقع، وإن بدت ظاهر الأمر كذلك، فضلا عن مصلحة الشعبين.

ختاما نقول للمفكرين الجزائريين، وبصفتي مواطنا جزائريا وقارئا، ما يتهدد الجزائر هوالإفلاس الظاهر في كل القطاعات، واقتصاد الريع المتعفن، والفساد الذي نخر الإدارة وكل هياكل المؤسسات بما فيها العسكرية والأمنية والرئاسية، وشلل السلطات الثلاثة، وغياب العدالة الاجتماعية، والتمييز المناطقي والجهوي الذي أطل بقرن شيطانه منذ أكثر من عقد، واستغلال المؤسسات السيادية لمآرب شخصية تصب في خدمة العدوالفرنسي، والانحلال الأخلاقي وتفكك القيم الاجتماعية، وتبخر الهوية الوطنية الجامعة، وتخلف المنظومة التربوية والتعليمية، وتوحش المال السياسي القذر، وتوظيف الدين السمح لبلوغ أهداف سلطوية حقيرة، والاعتماد على معارضة مصنعة موغلة في الفساد، هذا وغيره ما يتهدد جديا الجزائر، وليس أطماع مغربية في أراضيها. ونفس التوصيف ينسحب على المغرب مع فوارق هامشية.

 وإن كان ولابد من النفخ في خطر السلطة المغربية على الجزائر، أتمنى كجزائري ألا نعتمد ازدواجية المعايير والكيل بمكيالين، ونعامل المغرب بمعشار ما نعامل به فرنسا، وأن نذكر لفرنسا معشار ما نجتره بخصوص المغرب. وإن لم يعد مع الأسف مستغربا استبدال فرنسا بالمغرب لدى هذا الطرف، والاستعاضة بالجزائر بديلا عن فرنسا لدى الطرف الآخر، بعد أن تم استبدال العدوالإسرائيلي بسورية واليمن وليبيا وحتى قطاع غزة لم يسلم من انقلاب الموازين…… وحسبنا الله ونعم الوكيل.

فلاح جزائري

 رأي اليوم الإلكترونية 

شوهد المقال 1462 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

جابر خليفة جابر ـ ثقوبُ عار – أكاليلُ غار قراءة في " ثقوب عارية " للروائي علي الحديثي

جابر خليفة جابر    يُصنفُ هذا العمل ضمن الروايات القصيرة إذ تتكون من 73 صفحة موزعة على 11 مقطعاً. ويتخذُ الحدث فيها مساراً
image

محمد هناد ـ آخر خرجة : «نداء الوطن» !

د. محمد هناد  بعد واقعة تعديل قانون الجنسية، ها هي السلطة تطالعنا بمسعى جديد لن يأتي لها إلا بمزيد من الجفاء. يتعلق الأمر بإنشاء «تحالف» (مع
image

جباب محمد نورالدين ـ هل يضحكون على الشعب هذه المرة ؟

د. جباب محمد نورالدين  لا أعلم إذا كان، هذه المرة، يضحكون على الشعب مثل بقية المرات، فقد قالوا له سابقا يجب ان تقدم التضحيات
image

العربي فرحاتي ـ نخب انتهازية طور التكون ..في مهمات قذرة...

د. العربي فرحاتي  في غياب دولة الحق والقانون والعدالة والحرية ..من الطبيعي أن يكون لكل مرحلة سياسية استبدادية انتهازيوها كحال نظامنا الجزائري..فكان لمرحلة شعار "من الشعب
image

رضوان بوجمعة ـ العقل السياسي وبناء التحول الديمقراطي

د. رضوان بوجمعة  الجزائر الجديدة 198 يواصل الجزائريون والجزائريات مسيرتهم السلمية من أجل إخراج الجزائر مما هي فيه، المسيرة بدأت منذ أكثر من عامين، وهدفها الأساسي
image

عادل السرحان ـ البراحة

عادل السرحان                في البراحة شجرة يقطين تزحف الى النهر نخلتان لنا وأخرى لجارنا عضتني أمي بأسنانها الجميلة يوم تغيبت عن المدرسة تحت إحداها وكل البلابل التي
image

مولود مدي ـ الإقتصاد الريعي في خدمة النظام السياسي الجزائري

مولود مدي  من أحد الأدوات الأساسية التي استعملتها السلطة في تشديد السيطرة على المجتمع: احكام القبضة على السوق الوطنية للسلع والمواد الإستهلاكية الأساسية، ومراقبة سوق العمل.ولهذا
image

عادل صياد ـ نخب بين " ثورية ، انتهازية ، جبانة "

عادل صياد   في هذه اللحظات التاريخية المفصلية والحاسمة، التي يصنع ملحمتها الشعبُ الجزائريُّ العظيم منذ اندلاع ثورة 22 فيفري 2019، وما تلاها من أحداث ومحطات، تشكّلت
image

نصرالدين قاسم ـ في الجمعة 107 السلمية تحاصر السلطة

نصرالدين قاسم إصرار السلطة على التدليس بقصد التدنيس، والاعتقالات والتجاوزات لقمع المسيرات ووقف الاحتجاجات، كشف عوراتها وفتح عليها جبهات جديدة ما لها عليها من سلطان، بدأت
image

فوزي سعد الله ـ مصير غاز الجزائريين في المياة الغربية للبحر المتوسط

فوزي سعد الله  عندما تُقرع طبول الحروب لن يفيد صم الآذانجزء هام من مستقبل الجزائريين يُلعب في مياه البحر المتوسط الغربية حول حقول الغاز البحري قرب

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats