الرئيسية | من الصحافة | سامية بن عكوش - نيلسون مانديلا والقضية الفلسطينية

سامية بن عكوش - نيلسون مانديلا والقضية الفلسطينية

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

سامية بن عكوش

 

 

    يمثل نيلسون مانديلا الملهم الأهمّ  للمناضل والمفكر الفلسطينيّ  إدوارد سعيد؛ لسببين: أوّلا لأنّ نيلسون مانديلا نجح في إنهاء حكم الأبارتييد في جنوب إفريقيا وأسهم في تأسيس دولة، يتعايش فيها السود مع البيض. وثانيا وهو الأهمّ أنّ نيلسون مانديلا كسب التعاطف الإنساني الكبير للغرب قبل الأفارقة، لأنّه نجح في انتزاع اعتراف هؤلاء بمأساة السود في جنوب إفريقيا، عبر مخاطبة هذا الضمير الإنسانيّ وإحراجه. لم يخف إدوارد سعيد إعجابه بحنكة وإنسانية نيلسون مانديلا، بل واعتبر  نموذج  حلّ جنوب إفريقيا هو الأمثل للصراع الفلسطينيّ الإسرائيليّ، بأن يتعايش اليهود والفلسطينيون في وطن فلسطينيّ واحد، يراعي حقوق الجميع.

 ويتأسّس تصوّر إدوارد سعيد للحلّ على تعريف خاص للثقافة والهوّية، وعلى معطيات جغرافية وديموغرافية تقف دون تحقيق حلم البعض في دولتين منفصلتين داخل فلسطين.

   فأما عن التعريف الخاص للثقافة وللهوّية؛ فإدوارد ينفي ادّعاء الهوّية النّقية الصفّية، ويقرّ بما يسمّيه بهجنة الهوّيات والثقافات. فالثقافة اليهودية حسبه متجذّرة في الثقافة المشرقية القديمة، رغم محاولة بعض المنظّرين من أمثال فرويد توطينها في الثقافة الأوروبية. إذ أنّ موسى مصريّ  وديانة اليهود استمدّت مفهوم التوحيد من إخناتون المصريّ. فلا وجود لثقافة خالصة، ولا لهوّية جوهرانية حسب إدوارد. وكلّ هوّية نهر متدفّق، يحطّم الثبات والسّكون، وينفتح باستمرار على السّيولة والحركة. 

     وأما عن الأسباب الدّيمغرافية والجغرافية التي تحول دون تحقيق حلّ الدولتين حسب إدوارد سعيد فلكون فلسطين صغيرة المساحة، ويحصل فيها اندغام ديمغرافيّ بين السّكان من الضفتين حيث يقول:" ولكن هناك حقيقة لا تقلّ أهمّية وهي أنّ المكان يبدو صغيرا جدا بحيث لا يمكنك فيه أن تتجنّب الطرف الآخر كلّية ".  والمفارقة حسب إدوارد سعيد أنّ الفلسطينيين يشتغلون في مشاريع الاستيطان التي يقوم بها الإسرائيليون، كما يشتغلون في تل أبيب والقدس الغربية وحيفا. كما أنّ حلّ الدولتين  مستحيل التطبيق حسبه، مادامت بلدات فلسطينية كبيت حنينا، أصبحت جزءا من حدود بلدية القدس. فرغم شعور  العداء والكراهية المتبادل بين الطرفين، " لكنّهم يتواجدون فيزيائيا معا في المكان نفسه ". وهو الوضع الذي يجعل حلّ الدولتين حسب إدوارد سعيد  حلم، يستحيل تجسيده. وإنّ وضعا كهذا صنعته إسرائيل باقتحامها للأراضي الفلسطينية، وأصبح واقعا مؤكّدا ديمغرافيا وجغرافيا.  

   يرى إدوارد أنّ تسوية سياسية، تضمن تعايشا سلميا بين الطرفين، على أساس النّدية والمساواة هو الحلّ الواقعيّ والأمثل في ظلّ المعطيات السّابقة. ولا يكفي حسبه سحب السّكان إلى خارج حدود أحدّ الأطراف لتأسيس دولتين مختلفتين. مما يجعل اتّفاقات أوسلو  مجرد  يوتوبيا. 

    لم يكتف إدوارد سعيد في نضاله حول القضية الفلسطينية، بالكتابة عن حلّ الدولة الواحدة من خلال مقالاته الصحفّية، بل صاغ تصوّره في خطّة عملّية، قدّمها إلى ياسر عرفات، في بيروت 1978، ثمّ أعاد اقتراحه  سنة 1979. لكنّه  قوبل بالرّفض. وتوجّه بعدها إلى تأسيس تيار علمانيّ، يضمّ مجموعة من كوادر فلسطين: الدكتور حيدر عبد الشّافي، مصطفى برغوث، إبراهيم الدّقاق، أحمد حرب، والشّاعر محمود درويش. وأصدروا منشورا  سياسيا، يسعى إلى تعزيز المقاومة لتحقيق التحرّر، وكذا تنظيف البيت الفلسطينيّ من تأثيرات حاشية ياسر عرفات.

   تعود الحرب الإسرائيلية على غزّة كلّ مرة، ومعها الأسئلة ذاتها: ما الحلّ الأنجع للقضية الفلسطينية؟ أهو حلّ الدولتين أم حلّ الدولة الواحدة كما ناضل لأجلها إدوارد سعيد.

     أيّا كان الاختلاف بين آراء دعاة حلّ الدولة الواحدة، ودعاة حلّ دولتين منفصلتين؛ فإنّ كلا الطرفين لن يختلفا حول وزن الرّأي العام الغربيّ في حلّ القضية الفلسطينية. وإنّ أيّ استراتيجية نضال فلسطينيّ ناجح، تستوجب تسطير خطوات عملّية لكسب التعاطف الدوليّ. وربما هذا ما أعجب إدوارد سعيد في نضال نيلسون مانديلا؛ حيث استطاع مانديلا  تحريك الضمير الإنسانيّ العالميّ، وإحراجه عبر إيصال مأساة الإنسان الأسود في جنوب إفريقيا. وعلى عكس استراتيجية نيلسون مانديلا، اعتمد الفلسطينيون على تعاطف الضمير القوميّ العربيّ أو الإسلاميّ. وقد أثبت التاريخ، وعلى مدار ستين عاما من الاحتلال، عدم تمكن الفلسطينيين من تحرير فلسطين، بانضوائهم تحت العباءتين، القومية والدّينية فقط.  وأثبتت الحرب الأخيرة على غزّة، أنّ الرّأي العام الغربيّ  تحرّك لمساندة الإنسان الغزويّ من خلال المظاهرات التي خرجت في أكثر من عاصمة غربية، في حين ساد الصمت في الشّارع العربيّ. فحريّ بالفلسطينيين تجديد نضالهم، بإيصال معاناة الإنسان الفلسطينيّ، إلى قلب كلّ حر في العالم، عبر الجمعيات الفلسطينية النّاشطة في الغرب، أو عبر الجمعيات الغربية، أو المحاضرات والنّدوات كما كان يفعل إدوارد سعيد. فالبرقع الهوويّ " القومية العربية والإيديولوجيا الإسلامية " أثبتا عدم كفايتهما في تحقيق النّصر. فلم يواصل الفلسطينيون في طلب النّجاح لقضيتهم، وهم يستعملون نفس الوسائل المحدودة؟

 

باحثة وكاتبة  من الجزائر

 

القدس العربي  

شوهد المقال 1170 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

عفاف الصادق ترشة ـ هالة عبسي وتغيير نظرة المرأة السوفية للرياضة

عفاف الصادق ترشة    المتتبع للتغيرات الإجتماعية الحاصلة خلال السنوات الأخيرة في الجنوب الجزائري وفي ولاية الوادي تحديداً ، تأثيراً ملموساً على نظرة المجتمع السوفي الصحراوي "
image

رشيد زياني شريف ـ سخرية الأقدار؟ بل "كلُ نفسٍ بما كسبتْ رهينةٌ"

د. رشيد زياني شريف  يوم 16 يناير 2020، يصادف الذكرى 29 لعودة بوضياف من منفاه، على رأس المجلس الأعلى للدولةHCE بعد انقلاب 11 يناير 1992،
image

مريم الشكيلية ـ وجوه متشابهة

مريم الشكيلية ـ سلطنة عمان  يا سيدي....الحزن توأم الشتاء وبملامح خريفية......عندما يغزوك الحزن تنكمش مشاعرك ويتقلص فرحك...كذا الشتاء يجعلك متشبثا" بدفئ سترتك ويديك متشابكة وكأنها تشعل
image

.شكري الهزَّيل ـ ذباب الاستبداد والفساد!!

د.شكري الهزَّيل تبدو الأمور أحيانا كثيرة خارج النص واحيانا بكامل نصها وأخرى بلا نص ولا معنى ولا فحوى عبر ازمان تزمَّنت زمانها وأماكن تمكَّنت مكانها
image

عفاف الصادق ترشة ـ منصات التواصل الإجتماعي مكان للصراعات الثقافية الإفتراضية

عفاف الصادق ترشة   مع بروز ما سمي بمنصات التواصل الاجتماعي إكتسح مفهوم الثورة السلوكية لرواده والذي عكس الغطاء الخارجي لثقافة ومجموعة التوجهات الفردية المنحازة بواقع الثقافة
image

وليد عبد الحي ـ المقاومة الفلسطينية والجهة الخامسة خلال السنوات الاربع القادمة

أ.د.وليد عبد الحي تتعامل الدراسات المستقبلية مع متغير تسميه المتغير " قليل الاحتمال عظيم التأثير"(Low Probability-High Impact ) ،أي المتغير الذي يكون احتمال حدوثه محدودا لكن
image

حكيمة صبايحي ـ انتظرتها نصف قرن، وسأنتظرها ما تبقى لي من عمر: ثورة الشرف

حكيمة صبايحي  اندلعت وطنيا، ثورة الشرف السلمية الجزائرية الراهنة يوم الجمعة 22 فيفري 2019، وتلتها مسيرات الجامعة منذ الثلاثاء 26 فيفري 2019 ـ على الأقل بالنسبة
image

جلال خَشِّيبْ ـ الجزائر، نظام التفاهة.. ورَجلَ فُكاهةٍ أيضا..

جلال خَشِّيبْفي الملخّص الأخير الذّي نشرته هنا لمقال والتر راسل ميد، هناك نقطة مثيرة حقّا للقلق والخوف في آن، خاصّةً إذا ما تتبّعناها في واقع
image

جباب محمد نورالدين ـ أمريكا : قوس قزح لم يكتمل بعد، وسوف يطول الزمن

د. جباب محمد نور الدين  وأنا أشاهد الجيش الأمريكي وهو مدجج بالأسلحة و بآلياته ،يحمي في الكونغرس رمز الديمقراطية في أمريكا ، تذكرت الحكيم الراحل عبد
image

عثمان لحياني ـ دروس من التجربة التونسية

عثمان لحياني  انقضي عقد من عمر الثورة في تونس ، عشر سنوات كان فيها الانتقال الديمقراطي صعبا ، ومخاض الديمقراطية أصعب بكثير مما كان يتصوره التونسيون

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats