الرئيسية | من الصحافة | عشراتي الشيخ - حول رقعة الشطرنج أو عندما يصبح الحليفان غريمين

عشراتي الشيخ - حول رقعة الشطرنج أو عندما يصبح الحليفان غريمين

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

د. عشراتي الشيخ

 

تفاقم الوضع هذا الأسبوع بين أمريكا و إسرائيل بشأن إعلان الحرب على إيران. إنسداد و تحرش بين الحليفين؛ وضعٌ يشبه المضايقة التي تعرض لها “بيل كلينتون” من قبل “نتانياهو” لإطلاق سراح اليهودي الأمريكي، “جوناتانبولارد”، المحكوم تأبيدة لتجسسه لصالح إسرائيل. و قتها، تقول الأخبار المؤكدة في شكل إشاعات، إن تسريب تفاصيل العلاقة بين “بيل” و “مونيكا” كان من صنع “ناتانياهو”.

“الجفاء” بين “أوباما” و “ناتانياهو”، الذي بالغ الأمريكيون في عدم التستر عليه، وصل إلى حد توجُه هذا الأخير  مباشرة إلى أرض “الكونغرس″ المحتلة، (إلى جانب الضفة و القطاع)، دون اللقاء البروتوكولي “المعتاد” بين الرئيسين.

“نتانياهو” يريد الإذن بالهجوم المباشر على إيران، بدعوى تفكيك المنشآت النووية، ليس لتخوُفه من صنع قنبلة بل لضمان إعادة انتخابه. لأنه من نفس المدرسة التي تخرج منها “بيل كلنتون” يوم أن قصف مصنع الدواء في السودان خروجا من مخدع “مونيكا”.

   ***

الإذن بقصف إيران غير ممكن: لأن هاجس العراق هو ما يؤرق أمريكا، فردة فعل إيران على أي هجوم يأتيها من إسرائيل، لا يوجد من يعرفها أو يتوقع سيناريوهاتها. لأن إيران من القوة التي تجعلها “تلعب الشطرنج” مع الكبار: نتذكر أنها اخترقت مجابن لبنان و وظفت الشيعة هناك لمقايضة الرهائن الغربيين بالسلاح لمقارعة عراق صدام، (إيران غيت). و استغلت غباء “بوش” في “عراق ما بعد صدام”، لتبتلع العراق كله، و هي الآن تفاوض الكل على مستقبله.

   ***

في الوقت الذي كان المراقبون العرب ينتظرون أن يستدرج مجلسُ التعاون الخليجي إيرانَ للانضمام إليه، تحسبا لاسترداد الجزر الإماراتية و تأمين “هرمز″ بنزع سلاحه انتظارا لإدخال “إيران ما بعد الشاه” ضمن الفضاء الحضاري للحليج؛ في هذا الوقت حصل أن سخّرت أمريكا عرب الخليج لمضايقة إيران. و هكذا اكتشف إعلام المشيخات، فجأة، أن إيران فرس و شيعة.

    ***

الصلف الصهيوني لم يترك للأمريكيين حتى الوقت الكافي لهضم المقلب و الورطة التي استدرجوهم إليها في العراق.  فالحرب على العراق كانت، بامتياز، من صنع و ترتيب الدائرة الضيقة للصهيونية المحيطة بالغبي “بوش الابن”.  تأكد العالم الآن أن الكل كان يعلم خلوَ العراق من الأسلحة. و مع ذلك أرغموا العالم الغربي على توريطه في الحرب. لأن السبب الرئيس لتحطيم العراق، لم يكن الأسلحة المزعومة بل كان البنية القاعدية للجامعة العراقية.

فجنون العظمة لدى “صدام” لم يفلح في شيء كصلاحه في تأصيل البحث العلمي و التأسيس لجامعة واعدة. و هو ما كان يؤرق إسرائيل. كما أرقها اكتفاء سوريا غذائيا.

   ***

لأنه من ثوابت الاستراتيجية الاسرائيلية ألا يكون لغيرها، في الشرق الأوسط، أي وجود في الساحة التكنولوجية. و هي التي أسست معهد “ويزمان” قبل مواقع “ديمونا”. 

هذا الثابت هو الذي يؤرق مركز القرار في تل أبيب. إذ تعلم الدوائر الصهيونية ألا وجود لأي تفكير نووي للإيرانيين، كما هي غير موجودة أي دلائل عن مواد مشعة قابلة لأن تكون الوقود المستقبلي لقنبلة إيرانية نووية. و مع ذلك نجد نفس الإصرار الإسرائيلي على دكّ مجمعات البعث العلمي في بلاد فارس. لأن المستهدف هو نواة البحث العلمي. و يكون العالم قد نسي اغتيالات العلماء الإيرانيين من قبل “مجهولين”. مجهولون إلا من قبل إسرائيل و إيران.

كما نسي الغرب عشرات العلماء العراقيين المغتالين في الأيام الأولى لاحتلال العراق. و لم يبق منهم إلا من هرب إلى إيران أو قبل التعاون و الخدمة في المخابر الأمريكية. المخابر الأمريكية التي “يصب خراجها” دوما في إسرائيل عبر “جوناتانبولارد” و بإشراف جهاز “لاكام”، المتخصص في التجسس العلمي.

   *** 

لأول مرة تتعارض مصالح إسرائيل الاستراتيجية مع مثيلتها الأمريكية. فإسرائيل، كما رأينا، تريد أن تبقى المسيطر تكنولوجيا في المنطقة. أما أمريكا فلا تريد حرق مراكبها مع إيران. بسبب بسيط هو أن الفرس يملكون تصورا مستقبليا لتمددهم. و هم، كجيرانهم الأتراك، تعرف أمريكا حدود طموحاتهم. و من مصلحة أمريكا أن تكون إيران حليفا لا عدوا. أي أن أمريكا تراهن على المستقبل لاسترجاع رقعة المنطقة أيام الشاه بهلوي. كون مشيخات المنطقة لا مستقبل لها و غير مأمونة بعد البترول.

   *** 

إيران تعرف أهداف أمريكا هذه. و إيران تحتفظ بقنوات آمنة مع إسرائيل توقظها فور إلحاح الحاجة. و لذلك تجد مفاوضها في الملف النووي مرتاحا. كما أن استقلال القرار السياسي الإيراني جعله يبني جسورا اقتصادية متينة مع روسيا و الصين. في توازن يحفظ هامشا كبيرا للمناورة.

هذه المعرفة بالوضع سهلت على إيران اللعب في ملعب الآخرين، عبر البحرين و اليمن. استكمالا لنهج بدأه بنجاح في لبنان.

   ***  

إن غياب التصور الاستراتيجي العام للعرب، و عرب الخليج خاصة، سهّل على إسرائيل اختراقهم بالسهولة التي نرى في العراق و سوريا. كما سخرتهم أمريكا كمناول غبيّ لرعاية مصالحها و رهن مستقبلهم.  

نهاية هذه السنة سنعرف أي الرهانين سيبقى ثابتا: هل تنجح أمريكا في الاستثمار في المستقبل المتوسط و البعيد، وصولا إلى وضع الشاه بهلوي، تحسبا لمضايقة الدب الروسي، خاصة بعد أن ألقمهم حجرا في جورجيا و أوكرانيا؟

أم ينجح تهور “ناتانياهو” في ركل عش الزنبور، فتحا لأبواب جهنم؟

 

رأي اليوم الإلكتروينة  

شوهد المقال 1232 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

علاء الأديب يصدر ديوانه الثامن عشر { المرأة الحلم } في بغداد

المرأة الحلم ..قريبا في بغدادديوان جديد للشاعر العراقي المغترب علاء الأديبفي موعد قريب ومن بغداد سيصدر الشاعر العراقي علاء الأديب المقيم في تونس ديوانه الثامن
image

وليد بوعديلة ـ ذاكرة "قالمة " وهويتها في رواية سنوات المحبة للأزهر عطية

د.وليد بوعديلة  رواية " سنوات المحبة" للكاتب الجزائري الأزهر عطية:تحولات وطن،وهج فني وهوية مدينة بعد أن أبدع الكثير من النصوص التي عانقت التاريخ الجزائري، يختار الكاتب
image

محمد محمد علي جنيدي ـ هاجروني وعلى الجرحِ مشيتُ

 محمد محمد علي جنيدي- مصر           هاجروني وعلى الجرحِ مشيتُ يا فؤادي لا تسلْ كيف ارتضيتُ هذه الدنيا قلاعٌ من عذابٍ وسيولٌ من دموعي فاكتفيتُ كانت الأيامُ
image

معتقلي الرأي في الحراك الشعبي الجزائري

ابراهيم دواجي  اخوتي: محمد دعدي، توفيق حلاتي، محمد سمالح، نبيل بوالقمح، رضا عمرود، رابح بلكور، الشيخ ڨاريدي، رشيد، رضا بوعريسة، بوعلام الغاز، الصادق، بشير،
image

زوايمية العربي ـ محمد شرفي وتاريخه الأسود ضد الجزائريين

 زوايمية العربي  محمد شرفي الاسم الذي لم انساه منذ 33 سنة . افلاني ريعي من ولاية قالمة كان صديق
image

البروفيسور الجزائري عبد العزيز برغــوث يحرز على جائزة التميز الدولية لهذا العام "جائزة جواهر العالم الإسلامي" بمساهماته في وضع خطة ماليزيا للتنيمة 2050 منذ سنوات

محمد مصطفى حابس : جنيف /  سويسرا The JEWELS OF MUSLIM WORLDLes joyaux du prix du monde musulman هجرة العقول أو الكفاءات ظاهرة تاريخيّة لم ترتبط بمكان
image

حمزة حداد ـ المختفون قسرا في الجزائر حراك مستمر

حمزة حداد  منذ أسبوع تدخل الأستاذ مصطفى بوشاشي بمقر حزب الافافاس، حول قضية المساجين السياسيين والمفقودين بدزاير في فترة التسعينات، وتحدث عن حجم المعاناة
image

نوري دريس ـ فرصة تاريخية للجزائر يجب أن لا تضيع...

د.نوري دريس   منذ بداية الحراك، وكلما دخلت في نقاش مع الناس العاديين، إلا و قالوا لي: سوف تقوم السلطة باعتقال طابو( بسبب غباء السلطة
image

جباب محمد نورالدين ـ شاهد على إعدام سيد قطب : من عمق القرية في الأوراس الجزائرية

د. جباب محمد نورالدين    كان ذلك في الستينيات و في العطلة الصيفية التي أقضيها في القرية مثل معظم الجزائريين في تلك الفترة كانت والدتي أطال
image

عماد البليك ـ فصول من كتاب جديد: الفكر المطارد في السودان عبر القرون 3

عماد البليك البدايات.. ثورة أركاماني:  بالعودة إلى جذور التاريخ السوداني وإلى أول الممالك القديمة في السودان الشمالي، قبل الميلاد، سوف نجد أن الكهنة

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats