لكن الأمر لا يتعلق فقط بغياب الرؤية لدى صانع القرار، بل بعدم وجود صانع قرار، وعدم وجود اقتصاد سياسي عراقي بالمعنى الذي يمكن معه فهم كيف تدار العملية الاقتصادية في هذا البلد. فما يوجد في العراق ليس نظاماً اقتصادياً بل "آلية غير ناضجة لتوزيع العوائد النفطية"، بحسب كلمات خبير في الاقتصاد السياسي. العراق هو البلد الأكثر اعتماداً على الريع النفطي في العالم، حيث تمثل المردودات المالية لبيع النفط حوالي 93 في المئة من الميزانية الحكومية، وهو ما يقارب 69 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي. يعني ذلك أن أي محاولة لبناء رؤية استراتيجية حول مستقبل هذا البلد يجب أن تبدأ بالتعامل مع أكبر نقاط ضعفه، أي بالإجابة على السؤال: ما الذي يمكن فعله إن لم نستطع تصدير النفط لأي سبب، وكيف سندير البلد عندها؟

 
أسئلة الغد المؤجلة 


واجه العراق هذا السؤال الكبير في العام 1990، عندما فرض مجلس الأمن الدولي أقسى عقوبات اقتصادية في تاريخه ضد أحد بلدانه الأعضاء على خلفية غزو صدام حسين للكويت. ما حصل بعدها خلّف كارثة إنسانية واجتماعية كبرى. حصل تضخم لا مثيل له بحيث فقدت العملة قيمتها وصارت تطبع على الورق العادي، تفكك ما تبقى من الطبقة الوسطى التي كانت الحرب والسياسات القمعية قد أجهزت على جزء كبير منها في سنوات سابقة، حدث شبه انهيار للنظام الصحي مما خلّف معدلات عالية من الوفيات بين الأطفال ونقص مريع في الأدوية، وانهيار تدريجي للبنية التحتية وغياب الصيانة لمشاريعها، وتراجع كبير في مستوى التعليم واستشراء الفساد في جميع مؤسسات الدولة، وتحوّل الرشوة الى نمط سائد في إدارة العلاقة بين المواطن والمؤسسة الحكومية. ظلّ معظم العراقيين على قيد الحياة بفضل نظام البطاقة التموينية الذي كان يوفر لهم الحد الأدنى من السعرات الحرارية، لكن كان عليهم أن يتحمّلوا مشقات يصعب وصفها بمواجهة نظام غير مبالٍ، انشغل رئيسه ببناء القصور والجوامع وكتابة الروايات، ومجتمع إقليمي ودولي غير مكترث، بل ويرى بعض أركانه أن "نتائج تلك العقوبات كانت ثمناً يستحق الدفع"، بحسب كلمات وزيرة الخارجية الأميركية حينها، مادلين اولبرايت. 
أي عراقي مرّ بتلك الحقبة، كان يُفترض أن سؤاله الأساسيّ بعد أن خرج منها حيّاً هو: ما الذي يمكن فعله لتجنّب أن يعيش أطفالنا محنة مشابهة في المستقبل؟ وبالطبع فإن الجواب الذي يتبادر إلى الذهن مباشرة هو: خفف اعتمادك على النفط وابنِ اقتصاداً قادراً على إشباع حاجاتك الأساسية في غياب عوائد النفط. هذا هو العنصر الأساس لأي استراتيجية لـ "الأمن القومي". لكن ما حصل هو أن العراقيين دخلوا بعد 2003 في صراع السلطة الكبير بشقيه السياسي والعسكري. وعلى إيقاع الانفجارات وحروب الشوارع، صار الأمن بمعناه المباشر هو الهاجس الأساس، وغاب السؤال عن الاقتصاد وإدارته. صار الهم الرئيس هو ان يبقى الفرد وعائلته على قيد الحياة اليوم، والخوض في أسئلة عن الغد كان نوعاً من الرفاه. هكذا صنع عراق ما بعد صدام. غاب "الغد" عن الأجندة، لكنه كان سيأتي بأي حال. 


"الكليبتوقراطية" العراقية 


أديرت السياسة النفطية وفق الحجة نفسها: أي بادعاء استخدام النفط للتعاطي مع مشكلات اليوم. جرى بداية استخدام النفط لصناعة طبقة سياسية جديدة تمثل "أطياف" المجتمع العراقي. تمّ ابتكار أنماط إنفاقية منذ العام 2003 سمحت للقوى السياسية الرئيسية وأعضائها بمراكمة ثروات مالية هائلة. بدأ الأمر بصرف رواتب وامتيازات كبيرة للمسؤولين العراقيين (يقول بريمر في مذكراته إن أعضاء مجلس الحكم العراقي ركزوا في أولى جلساتهم الطويلة على إقرار رواتب عالية لهم)، وهو ما انسحب لاحقاً على البرلمانات والحكومات العراقية كافة. ثم تمّ بعد ذلك استخدام نظام توزيع الوزارات بين القوى الرئيسة، بحيث إن كل حزب يمكنه استخدام الوزارة التي "يملكها" لتضخيم وادارة شبكة "الزبائنية" الخاصة به. وانسحب الأمر الى مجالس المحافظات والمجالس المحلية والهيئات المستقلة. خلقت هذه الممارسة طبقة نهّابة، تنتظم في إطار دكاكين سياسية/عائلية متحالفة مع طبقة من رجال الأعمال الطفيليين، موضوعها الأساس هو إدارة عقود الدولة باعتبار أن الأخيرة هي المحرك الأساس للثروة الاقتصادية. وصل الأمر أحياناً الى بيع وشراء الوزارات الغنية بالعقود، كما صرح علناً سياسيون عديدون. أدّى ذلك الى استشراء الصراع بين تلك القوى حول أحجام حصصها، ووصل الصراع مرحلة خطيرة مع نجاح نوري المالكي، رئيس الوزراء السابق، ببناء شبكة زبائنية ضخمة تابعة له داخل اجهزة الدولة وفي المؤسسة العسكرية وبالتحالف مع رجال أعمال، الأمر الذي لعب دوراً رئيساً في استفزاز خصومه ووحّدهم على هدف إسقاطه.
لقد جرت خلال السنوات السابقة عملية إعادة إنتاج للدولة الريعية بكل جوانبها السيئة، وأخطر تلك الجوانب هو خلق ثقافة "ريعية" لا تسمح بنمو مجتمع مدني ناضج واقتصاد متماسك. تقول لنا الدراسات الكثيرة التي كتبت حول الاقتصاد الريعي أن الدول شديدة الاعتماد على سلعة تصديرية واحدة لإدارة اقتصادها عادة ما تشهد عدم استقرار سياسي (خصوصاً إن كانت من نوع الدول متعددة الاثنيات)، وغياب لطبقة وسطى فاعلة، ووجود جهاز دولة مترهل، ومعدلات عالية للبطالة الفعلية والمقنعة، وضعف المجتمع المدني المستقل، ونظام تعليمي غير كفوء، وقيم اجتماعية غير مواتية لبناء اقتصاد قوي. يزيد الأمر سوءاً إن كان البلد يعيش حالة عدم استقرار وصراعات داخلية مستمرّة كما العراق، فهو ظرف يسهِّل نمو الاقتصاد الطفيلي وقدرة شبكاته على إعاقة أي إجراءات سليمة للمحاسبة والشفافية. 
استسهلت الطبقة السياسية العراقية استخدام سياسة التوظيف الحكومي من أجل كسب الأتباع واستيعاب جزء من البطالة سنوياً ضمن مؤسسات الدولة المترهلة أصلاً. أدّى ذلك بالتدريج الى خلق طبقة من الموظفين المستفيدين الذين يريدون الحفاظ على مكاسبهم، وطبقة من الشباب الذين لم يكونوا محظوظين بالحصول على وظيفة، مع غياب فرص مماثلة وبالضمانات الوظيفية ذاتها. وفي مجتمع شاب مثل المجتمع العراقي، يُعتقد أن ثمانمئة ألف من أفراده يبلغون سن العمل سنوياً، هناك حاجة لخلق ما لا يقلّ عن مئتين وخمسين ألف وظيفة سنوياً للحفاظ على معدل مقبول للبطالة. يمكننا ان نتصور ما الذي سينتجه تصاعد معدلات البطالة في ظل وجود جماعات دينية راديكالية تستثمر في اليأس الاجتماعي. تشكلت في العراق خلال العقود الأخيرة ثقافة اجتماعية ترى في وظيفة الدولة مطلباً و "حقاً"، وتراجع معها الاهتمام بنشاطات اقتصادية أخرى كالزراعة. وأما شروط بناء تصنيع ناضج فلم تعد متوفرة بحدها الأدنى.


الفساد كبديل للنظام 


ويقود الاقتصاد الريعي الى معدلات عالية من الفساد. يأتي النفط بعوائد اقتصادية عالية وفجوة كبيرة بين تكلفة الإنتاج (الواطئة جداً في العراق) وسعر التصدير الذي، حتى مع تراجعه، يصنع وفرة مالية تمثل حافزاً للسلوك غير القانوني وشبكات الفساد. اكتشاف أسماء خمسين الف جندي وهمي في القوات المسلحة كان السرّ الذي يعرفه الجميع. فالثقافة الريعية السائدة وسلوك الطبقة السياسية ذا الطابع الطفيلي أضرّا كثيراً بالبناء القيمي للمجتمع وأفراده، وكرّسا قيم التحايل والفهلوة كمعبرة عن الفطنة والذكاء وروح الغلبة التي تسود المجتمعات غير المستقرة. هكذا يصبح انتزاع حصة من المال العام، بطرق قانونية أو غير قانونية، نوعاً من "الشطارة المحمودة"، ما دام قادة البلد يفعلون الشيء نفسه. 
في كتابه عن "الاقتصاد السياسي في العراق" يُجري فرانك غوينتير مقارنة جميلة بين الفساد في ظل سلطة الديكتاتور صدام حسين، وبين الفساد في المرحلة التي تلته. يقول إنه في ظل سلطة صدام حسين كان معظم النشاط الاقتصادي مؤمّناً ومسيطراً عليه من الدولة، وكان لأفراد عائلة صدام وحلفائهم نفوذ اقتصادي كبير، وبالتالي كانوا يستولون على حصة الأسد من منافع النشاط الاقتصادي. ويتفق ذلك مع تعريف لأسوأ ما في الاشتراكية العالم - ثالثية حين تتحوّل الى "آلية متقنة لتحويل أكبر قدر من الموارد الى أصدقاء وموالي الديكتاتور". لكن الفساد حينذاك اتسم بأنه أكثر "صدقية"، لأنه كان منظماً ومهيكلاً ، بحيث إن المواطن عندما يرشي موظفاً حكومياً، فإن هذا الموظف يؤدي المطلوب منه على نحو موثوق. يتسم الفساد اليوم بأنه أكثر "ديموقراطية" بحسب غوينتير، لأنه يتوزع على مستويات مختلفة ولا تحتكره فئة محددة. لكن في الوقت نفسه، هو اليوم أكثر تشابكاً، ويقوم على روح المجازفة ولا يخضع لهيكلة واضحة. فالمسؤولون والموظفون الحكوميون يتعاونون أحياناً، ويتنافسون في أحيانٍ أخرى على تعظيم عوائدهم ليس فقط من المواطن العادي، ولكن أيضاً من الفروع الأخرى للجهاز الحكومي. وبالتالي، يبدو من الصعب معرفة الشخص المناسب الذي يمكن اعطاؤه الرشوة والوثوق بأنه سيؤدي الخدمة المطلوبة منه. ولا تكمن خطورة الفساد في العراق اليوم في جسامته وحسب، بل أيضاً في أنه غير مهيكل، ويعمل بطريقة شبكية، ويستجيب لمراكز قوى عدة، وبالتالي فإنه لا يعيق عمل النظام فقط، بل يمنع وجود أي نظام أو استقراره. 
في ظل هذا النسيج المخيف من الأشياء، يدخل العراق عصر "التقشف" من جديد، بلا خطة واضحة غير الاتكال على ما يمكن أن يجود به القدر من مفاجآت!