الرئيسية | من الصحافة | مخلوف عامر - الرواية الجزائرية و"خيبة" جائزة البوكر

مخلوف عامر - الرواية الجزائرية و"خيبة" جائزة البوكر

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

 

د. مخلوف عامر:

البوكر تُغَيِّبُ الرواية الجزائرية

 

 

غابت الرواية الجزائرية عن "البوكر" هذا العام. ولا يمكن تبرئة هذه المسابقة، من نميمة الكواليس والعلاقات المشبوهة. كما أنها لا تخلو من حد أدنى من المقاييس الأدبية. إذ لا بد لها من أن تحفظ ماء الوجْه باختيار أعمال قد لا تظهر قيمتها الحقيقية إلا في ضوء موازنتها بغيرها. 
لم تعد الرواية الجزائرية اليوم في حاجة إلى مسابقة مماثلة كيْ تثبت حضورها المتميِّز. فهذه التجربة في بلادنا- ولو تُعدُّ قصيرة بالقياس إلى الكتابة الروائية في البلدان العربية- إلا أنها تمكَّنت في ظرف قصير من تجريب سائر الأدوات المستحدثة في كتابة هذا اللون الأدبي. 
فلقد استطاع الكُتَّاب أن يتخلَّصوا من التوجُّه المضموني الصارخ الذي فرضته مرحلة تاريخية ساد فيها التقاطب بين معسكريْن رأسمالي واشتراكي، وشاع فيها مفهوم الالتزام، لينتقلوا منذ ثمانينيات القرن الماضي إلى مراجعة الإرث السابق والعناية بأدبية النص الأدبي. وإن كانت الفترة السابقة نفسها لا تخلو من ومضات فنية لدى هذا الكاتب أو ذاك. 
إنها فترة العودة إلى الذات الكاتبة، وإنها- وإن هي جنحت في كثير من النماذج نحو الضبابية والغموض الذي لا ينمُّ عن فكر عميق - إلا أنها تميَّزت باصطناع أرقى التقنيات بدءاً بالاشتغال على اللغة وخلخلة التسلسل الزمني والأسلوب الساخر وتوظيف التراث بوعي تاريخي لافت وانتهاء بالتحليق في عوالم من التخييل-بما فيها الخيال العلمي- لتنتشل النص الروائي من التقريرية والتسطيح. وهي مظاهر تلتقي فيها مع أرقى الكتابات العربية. 
فأما المركزية المشرقية فلا شك أنها مازالت تلاحقنا منذ قيل:(( هذه بضاعتنا رُدَّتْ إليْنا)) ومنذ فتحنا أعيننا في المنظومة التربوية على "العقاد" و"طه حسين" وغيرهما، وقد رسَّخت في أذهان الجزائريين أنفسهم أن المشرق هو مركز والبقية أطراف، وأنه الأصل وغيره فروع، والفرع لا يسمو سُموَّ الأصل. ما جعل كثيرين ينظرون إلى الأدب الجزائري بعيْن الدونية والاستخفاف فلا يُقبلون على دراسته ومنهم مَنْ يستنكفون عن تدريسه إلا ما ندر. 
ولكن –بالمقابل – لو أن أديباً جزائرياً قُدِّر له أن كان عضواً في هذه اللجنة أو استشير في ترشيح أعمال روائية من الجزائر، ماذا سيكون موْقفُه؟
إن اللجنة المكوَّنة من خمسة محكمين لن يُعْلن عن أسمائهم إلا مع موْعد الإعلان عن القائمة القصيرة يوم13 فبراير2015 بالتزامن مع معرض الدار البيضاء للكتاب، ومع ذلك أملي ألا يكون بينهم جزائري، لأنه إن وُجد، فأغلب الظن- فيما أتوقع- أنه يكون قد مارس مركزية أنانية تمليها النجومية والنزوع الإقصائي. فالنرجسية حين تتعدَّى حدود الغيرة المشروعة تصبح حَسداً ممقوتاً. 
لكنها حال المسابقات والجوائز، وهي حال الأدباء من الذين يفهمون الكتابة على أنها جسر للعبور إلى شاطئ الشهرة والمال. وهي عقلية تتنافى مع الطبيعة القدسية للكتابة وتتنكَّر لظاهرة لازمت تاريخ الأدب عبر العصور، وهي أن الذين كُتب لهم الخلود، إنما هم أولئك الذين صمدوا في وجه المغريات أو ضحَّوا بأنفسهم دفاعاً عن قناعاتهم. 
لذلك من الأفضل أن يتمَّ تكريم الجهد الإبداعي المتفرِّد داخل الوطن أوَّلاً، فأما ما يأتي من خارجه، فإنه اعتراف -لا شك- يُشرِّف الأدب الجزائري . فإذا هو لم يأْتِ -كما لم تردْ أية رواية جزائرية في قائمة"البوكر " رغم المسار المتميِّز للكتابة الروائية في بلادنا، بينما اختيرت ثلاثة نصوص مصرية وثلاثة لبنانية ونَصَّان من المغرب- فإن ذلك لا ينقص شيْئا من قيمتها العربية والعالمية أيْضاً، بقدر ما يثير مزيداً من الشكوك حول مصداقية هذه الجائزة. فهي-في المحصِّلة- لا تطال كل الإنتاج الروائي ولا تصلح مقياساً للحُكْم على مكانة الرواية ولا على تطوُّرها.

 

 

جريدة الحياة الجزائرية  

شوهد المقال 1499 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

نجيب بلحيمر ـ النظام مريض وعلته ليست كورونا

نجيب بلحيمر الاعتقاد بأن كورونا التي أصابت عبد المجيد تبون هي مشكلة النظام السياسي خطأ في التشخيص قد يكون قاتلا. منذ الأيام الأولى بدأ التخبط في
image

خديجة الجمعة ـ الروح

خديجة الجمعة  هذه الروح تشتاق إليك ، تشتاق لرؤيا عينيك . تشتاق للجلوس معك . لتنطق اسمك بين كل الأسماء . وعاجباه!! منها تلك التي ترسم
image

وجيدة حافي ـ مُستقبل التعليم في الجزائر بين التقليدي والحديث في زمن الكُورونا

وجيدة حافي  المُنتسبون لقطاع التربية والتعليم أساتذة وإداريون يُطالبون السُلطات بوقف الدراسة لأجل مُحدد ، على الأقل حتى تنتهي هذه الفترة الحرجة التي تعرف تزايدا ملحوظا
image

علاء الأديب ـ رأي في بلاغة الشافعي..

علاء الأديب أما ترى البحر تعلو فوقه جيف وتستقر بأقصى قاعه الـــدرر الشافعي. أرى أن الشافعي رحمه الله قد اخفق بلاغيا في اختيار مفردة فوق
image

بوداود عمير ـ مارادونا ..شي غيفارا الرياضة

معظم صحف العالم اليوم، تحدثت عن رحيل مارادونا، الظاهرة الكروية العالمية؛ صحيفة "ليمانيتي"، أفردت غلاف صفحتها للاعب الارجنتيني، ونشرت عددا من المقالات عنه موثقة بالصور.
image

نجيب بلحيمر ـ وهم الحل الدستوري

نجيب بلحيمر  ما الذي يجعل كثيرا من الناس مطمئنين إلى عواقب تطبيق المادة 102 وإعلان حالة الشغور في منصب الرئيس؟لقد كان "المسار الدستوري" الذي فرضته السلطة
image

محمد هناد ـ تطبيق المادة 102 من الدستور أضحى أمرا ضروريا

د. محمد هناد  في هذه الفترة العصيبة من جميع النواحي، تجد الجزائر نفسها من دون رئيس دولة منذ أكثر من شهر. المعالجة الإعلامية المتصلة بمرض الرئيس
image

العربي فرحاتي ـ أبناء العمومة يلتقون ..في نيوم

د. العربي فرحاتي  قبل أزيد من أربعين سنة خاطب السادات الإسرائيليين ب "أبناء عمومتي" عند زيارته التطبيعية الأولى من نوعها في العلاقات العربية الاسرائيلية.. اليوم أعلن
image

عبد الجليل بن سليم ـ رسالة كريم طابو في ميزان السياسة

عبد الجليل بن سليم  أولا اتفهم الدافع الوطني الذي دفع كريم طابو لكتابة رسالة تنديد لم صرح به رئيس فرنسا حول الجزائر و تبون و دعهمه
image

عثمان لحياني ـ في ما يجب أن يقال لماكرون

عثمان لحياني  لا حكم على النوايا ، ولا حق لأحد مصادرة حق الغير في ما يراه فعلا سياسيا ، يبقى أن المضمون الوحيد الذي يجب أن

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats