الرئيسية | من الصحافة | محمد العباس - معنية بالإنسان في المقام الأول الثقافة هَبّة شعبية

محمد العباس - معنية بالإنسان في المقام الأول الثقافة هَبّة شعبية

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

محمد العباس 

لا يمكن لباحث أو دارس أن يتغافل عن الإرث الثقافي الذي تختزنه هذه الأرض، فهي مهد نبوات وحضارات وفيها تنام سلالة من الشعراء الكبار ، إلا أن المشكلة لا تكمن في تأكيد أو نفي وجود ذلك الإرث، إنما في تعاظم الفجوة بين الإرث الثقافي نفسه وطبيعة المنجز الثقافي .

إذ نلاحظ اليوم وجود فائض من الإنتاجين الأدبي والفني اللذين لا يمكن تصنيفهما إلا في خانة المشتبهات الثقافية، لأنهما يهدران المسافة والعلاقة بين الإرث والإبداع.

ولهذا السبب تتفشى نوبات الحنين إلى الماضي، وتكثر دعوات العودة إلى الموروث دون تجسير تلك الفجوة العميقة والممتدة بين الإرث والإبداع، حيث تعمل كل تلك الحفلات الصاخبة والعروض المبهرجة على تعميق الفجوة، وتباعد بين الإنسان وموروثه .

كما يُلاحظ أن معظم المنتجات الأدبية والفنية تزيد إنساننا استلاباً واغتراباً عن نفسه ومجتمعه ومؤسساته، لأنها لا تغترف من ذلك الإرث الغني بالقيم والوسائل والأدوات سواء على المستوى المادي أو المعنوي.

إن ترديد فكرة الحنين إلى أمجاد الموروث تشبه عبثية المحاولة اليائسة للنقش على صفحات الماء، والعبث المجاني بالذاكرة، لأن البحث في الموروث الثقافي يحتاج - بالإضافة إلى الإرادة - للأدوات والوسائل، والمنهج .

لئلا يتحول ذلك الموروث إلى تُحفة ملقاة كيفما اتفق في الذاكرة الجمعية، ولئلا تتقزم تلك النفائس في مزايدات الهوية والأصالة، خصوصاً أننا - كبقية المجتمعات والأمم - نتعرض لمهبات العولمة الجارفة، وبالتالي لا يمكن أن يكون هذا الإرث هو خط دفاعنا الوجداني الأخير ، بقدر ما ينبغي تفعيله كمحرك وكوقود معرفي وعاطفي لعملية الإبداع.

على هذا الأساس يمكن النظر إلى كم الإنتاج المستند إلى ديمقراطية اللحظة وحرية الفرد القصوى في إنتاج ما يريد تحت مظلة الفن والأدب .

فكل هذه المراكمات الكمية تسد منافذ تطوير الإنتاج الثقافي، وتتحول إلى مادة تكرّس التبعية، بالنظر إلى ما تحتويه من تقليد وانتحال، حيث يبدو التكاثر الصاخب للأسماء والمنتجات محل تساؤل واستغراب، وليس محل إعجاب، فمعظمه لا يستوجب الدراسة ولا المطالعة أصلاً .

ومما يصعب الأمر ، ويجعل الفجوة تزداد اتساعاً، هو حضور المؤسسة الثقافية بمعناها الأبوي، وتوجيهها الملموس للنشاط الثقافي باتجاه تبريز بعض القضايا المحتّمة بتحديات اللحظة، على حساب جماليات الأداء الفني والأدبي، الأمر الذي يجعل المبدع مجرد أداة موظّفة ضمن مؤسسة كبرى، وليس داخل حركة اجتماعية تاريخية، بمعنى أنه يتنازل عن عملية الخلق الإبداعي بمعناه الفني والتاريخي، من أجل دور وقتي .

كل مظاهر حياتنا تشير إلى تبعية صريحة أو ضمنية إلى منجز ( الآخر ) وهذه التبعية ليس مصدرها الإعجاب أو الشعور بالنقص والخوف فقط، بل عطالة المنتج الثقافي الذاتي .

وعدم وجود تنمية ثقافية حقيقية يضع في اعتبارها المواءمة بين الإنتاج والإرث الثقافي، وعلى هذا الأساس يمكن رد كل الدعاوى القائلة بأهمية التمويل في فكرة الإنماء الثقافي.

لأن هذا الشرط يعني الإبقاء على حالة التردي، وتكريس التبعية للآخر الذي يمكنه قهرنا بقدراته المادية، بمعنى أن تكون الثقافة هبّة شعبية تنتصر لإرثها بعيداً عن المهرجانية والاحتفالية التي لا تمت لجوهر الثقافة بشيء .

الثقافة إنتاج، ويمكن أن تكون لها أبعادها الاقتصادية، وتتأسس مفاعيلها دائماً داخل إطار اجتماعي، ولا ينبغي - بأي حال - أن تكون على هامش التنمية، لأنها معنية بالإنسان في المقام الأول .

وبالتالي فإن أي محاولة لردم الهوة بين الإرث والمنتج الثقافي ستكون مدخلاً لاستعادة الهوية، وتنمية الذات، والتقليل من حالات الارتجال التي لا تشوّه معنى الإبداع ووظيفته وحسب، بل تؤدي إلى هزيمة عميقة تكون نتيجتها طمر التاريخ الوجداني للمجتمع أو تشويهه على أقل التقديرات .

 اليوم السعودية 

شوهد المقال 1244 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

الذكرى السنوية الأولى لرحيل الدكتور الشيخ عشراتي

الوطن الثقافي   منذ سنة بالضبط خسرت البيض ركنا من أركانها، وارتاح الكثير من الجبناء لرحيل قلم أزعجهم كثيرا، لمس الراحل كل النقاط بكل شجاعة، ولم يخش
image

أحمد سليمان العمري ـ كورونا المتحوّر: هل اللقاح فعّال ضد الطفرة الجديدة؟

د.أحمد سليمان العمري ـ دوسلدورف  يُعتبر عيد الميلاد هذا العام في بريطانيا هو الأسوأ منذ الحرب العالمية الثانية. قبل أيام من نهاية الفترة الانتقالية لخروج الأخيرة
image

وجيدة حافي ـ ما ذنب الحُكومة إذا لم يتحرك الملك والرئيس

وجيدة حافي كل الشعوب العربية تُطالب بإسقاط حُكوماتها وتغيير وزرائها عند أي زلة أو خطأ بسبب فشلهم في تحقيق التنمية
image

عفاف الصادق ترشة ـ هالة عبسي وتغيير نظرة المرأة السوفية للرياضة

عفاف الصادق ترشة    المتتبع للتغيرات الإجتماعية الحاصلة خلال السنوات الأخيرة في الجنوب الجزائري وفي ولاية الوادي تحديداً ، تأثيراً ملموساً على نظرة المجتمع السوفي الصحراوي "
image

رشيد زياني شريف ـ سخرية الأقدار؟ بل "كلُ نفسٍ بما كسبتْ رهينةٌ"

د. رشيد زياني شريف  يوم 16 يناير 2020، يصادف الذكرى 29 لعودة بوضياف من منفاه، على رأس المجلس الأعلى للدولةHCE بعد انقلاب 11 يناير 1992،
image

مريم الشكيلية ـ وجوه متشابهة

مريم الشكيلية ـ سلطنة عمان  يا سيدي....الحزن توأم الشتاء وبملامح خريفية......عندما يغزوك الحزن تنكمش مشاعرك ويتقلص فرحك...كذا الشتاء يجعلك متشبثا" بدفئ سترتك ويديك متشابكة وكأنها تشعل
image

.شكري الهزَّيل ـ ذباب الاستبداد والفساد!!

د.شكري الهزَّيل تبدو الأمور أحيانا كثيرة خارج النص واحيانا بكامل نصها وأخرى بلا نص ولا معنى ولا فحوى عبر ازمان تزمَّنت زمانها وأماكن تمكَّنت مكانها
image

عفاف الصادق ترشة ـ منصات التواصل الإجتماعي مكان للصراعات الثقافية الإفتراضية

عفاف الصادق ترشة   مع بروز ما سمي بمنصات التواصل الاجتماعي إكتسح مفهوم الثورة السلوكية لرواده والذي عكس الغطاء الخارجي لثقافة ومجموعة التوجهات الفردية المنحازة بواقع الثقافة
image

وليد عبد الحي ـ المقاومة الفلسطينية والجهة الخامسة خلال السنوات الاربع القادمة

أ.د.وليد عبد الحي تتعامل الدراسات المستقبلية مع متغير تسميه المتغير " قليل الاحتمال عظيم التأثير"(Low Probability-High Impact ) ،أي المتغير الذي يكون احتمال حدوثه محدودا لكن
image

حكيمة صبايحي ـ انتظرتها نصف قرن، وسأنتظرها ما تبقى لي من عمر: ثورة الشرف

حكيمة صبايحي  اندلعت وطنيا، ثورة الشرف السلمية الجزائرية الراهنة يوم الجمعة 22 فيفري 2019، وتلتها مسيرات الجامعة منذ الثلاثاء 26 فيفري 2019 ـ على الأقل بالنسبة

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats