هنالك منطقان متضادان في مقاربة العلاقة - والصراع - بين الطائفة والدولة في العراق والمنطقة. الأول هو ذلك الذي تتباه النخب "العلمانية"، الليبرالية واليسارية (مع اختلاف منطلقاتها)، ويرى الطائفة بمنظور سلبي كونها تمثل جماعة تنتمي الى فضاء ما قبل الدولة الحديثة، وتتعارض بالتالي مع القيم التي تتبناها تلك النخب، بينما يميل المنطق الثاني الى النظر للدولة باعتبارها كياناً ثانوياً وعابراً بالقياس الى قدرة الطائفة على الاستمرار والتحول، وهذا المنطق تعبر عنه من جهة المؤسسات الدينية والمذهبية نفسها، ومن جهة أخرى بعض التيارات السياسية أو الفكرية التي تميل الى الاعتقاد بأن لسكان هذه المنطقة "جوهر" ثقافي ثابت هو الدين.


الدولة البرانيّة


ويبدو ان كلا المنطقين ينطويان على الاختزال وعلى نزعة أيديولوجية. فالخطاب "العلماني" السائد ما زال يخفق في تفسير الأسباب العميقة لاستمرار الطائفة ونمو النزعات الدينية بعد أكثر من قرن على ظهور "الدولة الحديثة" في المنطقة. وكما أظهرت الأحداث في العراق وسوريا واليمن والبحرين ولبنان، فإن الانتماء الديني والطائفي ما زال عنصراً مهماً في توجيه الوعي الجمعي والانحيازات الاجتماعية والسياسية. أمّا المنطق الثاني فغالباً ما يعجز عن إسناد رؤيته على قاعدة علمية رصينة بعد ان باتت السوسيولوجيا الحديثة تزدري التصور السكوني للثقافة، في ظل براهين من مجتمعات المنطقة نفسها عن إمكانية التحول في أنماط التفكير والسلوك والتعاطي مع قضايا الدين والهوية.
ما نحتاج اليه هو فهم مركب لكيفية التفاعل بين الدولة والطائفة، ومراجعة لفرضية أن الدولة الحديثة كانت مؤسسة ناقضة للبنى الطائفية والقبلية على الدوام. علينا الإقرار ان تلك الدولة نادراً ما كانت نتاجاً عضوياً لمجتمعاتها، بل هي تشكلت ككيانات خارجية إلى حدٍ كبير، وظيفتها صناعة امّة وفق المنطق الكولونيالي الذي حكم نشوئها. افترض المفهوم الكلاسيكي للتحديث أن وظيفة الدولة هي إقامة مجتمع مدني حديث عبر تفكيك المؤسسات القبلية والدينية التقليدية التي امتلكت الفاعلية الاجتماعية الأكبر قبل نشوء هذه الدولة. وبالفعل كان الصراع بين "المؤسسة الرسمية" وقوانينها ونظمها من جهة، والمؤسسات التقليدية وأعرافها ونظمها، من جهة أخرى، قائماً طوال عمر هذه الدولة.


التحديث غير الناجز


يمكن بهذا المعنى النظر للصراع المبكر بين المؤسسة الدينية الشيعية والنخبة التي سيطرت على الحكم بعد تأسيس الدولة الحديثة في العراق، بوصفه صراعاً بين رغبة الأولى الاحتفاظ بسلطتها الاجتماعية التي يهددها وجود مؤسسات "علمانية"، وبين رغبة النخبة الجديدة بتوطيد سلطتها وإقصاء أي مؤسسة اجتماعية ذات شرعية واسعة يمكنها أن تهدد تلك السلطة. كان ذلك صراعاً بين منطق "الدولة التي تريد تحقيق أمّة" كما عبّر عنه مثلاً فيصل الأول في رسالته الشهيرة التي اشتكى فيها من غياب مقومات الأمة الواحدة في العراق، وبين منطق المؤسسة التقليدية التي تشكلت وتبلورت قبل حقبة الجغرافيا الوطنية وعقيدتها. كان الافتراض الذي حكم الحداثة الكولونيالية يقوم على مقولة أن الدولة كمؤسسة عقلانية وقانونية ومستندة على المواطنة ستتولى تفكيك تلك الكيانات "العتيقة"، وإزاحتها عن موقع السلطة الاجتماعية.
وبالفعل، مرَّ العراق ومعظم دول المنطقة بمرحلة من انتعاش القيم الدولتية وتنامي سلطة المؤسسة الحكومية، خصوصاً في المدن الكبرى، بينما شهدت المؤسسات الدينية والقبلية حالة من التراجع والضعف بحيث انها لم تعد تشكل تهديداً مهماً لسلطة تلك الدولة. أسهم الجيش الموحد، والعملة الموحدة، والاقتصاد الموحد، والتلفزيون الرسمي، والجريدة الرسمية، ونظام التعليم العلماني الموحد، والقضاء المدني الموحد، وقانون الأحوال الشخصية الموحد.. بتشكيل قطاعات اجتماعية واسعة لا ترتبط بالمؤسسات التقليدية بل بمؤسسات حديثة كالأحزاب والنقابات ومنظمات المجتمع المدني. كان أبطال اضطرابات الشوارع في بغداد الخمسينيات "أفندية" كثيرٌ منهم تعّلّم تعليماً حديثاً وتشرب بأفكار حديثة كالاشتراكية والحرية والقومية، بينما غالباً ما تأخذ الاضطرابات اليوم منحىً طائفياً وعشائرياً.
لكن "التحديث" لم يجرِ بالعمق الكافي، ولم يستند الى تغيير جذري للعلاقات الاقتصادية والاجتماعية. ولا يمكن بالطبع تجاهل اثر اعتماد الدولة المتزايد على الريع النفطي في زيادة برانيتها. فبسببه أصبحت أقل اهتماماً بسؤال رضا المجتمع عنها، بل صارت هي من يوزع فوقياً الخدمات عليه ناهيك بالعطايا.. وحيث تبدو الحداثة نفسها التي سعت إلى تطبيقها مستحضَرة وليست نتاج تفاعل اجتماعي أو حصيلة حاجات البنى الإنتاجية نفسها. ومنذ الستينيات (تحديداً بعد انقلاب البعث الأول) ستبدأ النزعات التقليدية باختراق الدولة ومؤسساتها على نحو أكبر. أصبحت العلاقات العائلية والعشائرية والمناطقية تحكم سلوك النخب المهيمنة على السلطة، وبدلاً من أن تغدو الدولة فضاءً بديلاً للطائفة والقبيلة، فإنها أخذت تتطيف وتتقبلن على نحو كبير. وفي ظل نظام صدام حسين، كان يكفي أن تكون شيعياً لتعرف ان ليس بوسعك دخول كلية الأمن القومي، ويكفي ان تكون تكريتياً لتعرف أن لديك حظوظاً في الصعود لا تتوفر لغيرك. وفي ظل النظام الحالي، شهدنا مكتب رئيس الوزراء السابق يتحول الى منتدى لأقاربه وأفراد عائلته الذين تمركزت بين أيديهم سلطات حكومية بلا سند قانوني، بينما ابتدأ الرئيس الجديد للجمهورية حكمه بإصدار قرار بتعيين ابنته مستشارة له. لكن الظاهرة الأكبر، كانت عودة الدور القيادي للمؤسسة الدينية، وصعود منطق الطائفة، والتحول في فهم الدولة من كونها وكيلاً للتحديث الاجتماعي، الى مؤسسة تعبِّر عن علاقات الطوائف، وأحياناً عن صراعاتها.


صمود الطائفة


بنظر البعض، يوحي اختراق العلاقات التقليدية للدولة وقولبتها لسلوك المسيطرين على مؤسساتها، بأن هذه العلاقات هي أكثر تجذراً وقدرة على الاستمرارية. فالتحديث كان سطحياً وقيمه لم تنفذ الى دواخل الشخصية العربية والعراقية. ويبدو اننا ننتقل اليوم الى مرحلة أخرى تستبدل الصراع بين الدولة والطائفة (وبقية المؤسسات التقليدية)، بنوع من التعايش يقوم الى حدٍ كبير على نمذجة التجربة اللبنانية.
عندما اجتاحت داعش الموصل، كان انهيار القوات الحكومية مدعاة لكثير من التساؤلات، ولم تُقدّم تفسيرات "المؤامرة" و"الفساد" سوى إجابات جزئية. كان الأمر أكبر من ذلك بكثير. افتقر الجيش للعقيدة، وهذه ليست مجرد شعارات عن حب الوطن والدفاع عنه، بل شعور عميق بوجود هذا "الوطن" والارتباط به، وهو شعور كان يفترض أن تصنعه الدولة الوطنية. وبينما كانت تلك حال الجيش، فان مقاتلي الحشد الشعبي والميليشيات الذين عبئتهم "فتوى" المرجعية او عصبياتهم الدينية والمذهبية، قدّموا أداءً أفضل، بموارد أقل ومعدات أفقر. في صراع الشرعية بين الدولة والطائفة، بدا ان الثانية تتفوق.
وفي الوقت الذي تبدو مؤسسات الدولة العراقية اليوم غارقة بالفساد والعجز وانعدام الكفاءة، فإن مؤسسة دينية كالمرجعية الشيعية تحظى بشرعية اجتماعية واحترام يفوقان كثيراً ما تحظى به المؤسسات الحكومية. بل وللمفارقة، فإنه في الوقت الذي تتصرف المؤسسات التابعة للمرجعية بكفاءة وانضباط، فإن مؤسسات الدولة تتخبط ويتصدر شؤونها الكثير من الأشخاص غير المؤهلين، وتتكشف عن قصص فساد فضائحية. لقد استطاعت "الطائفة" ان تجدد مؤسساتها ومنطقها الثقافي وشرعيتها الاجتماعية، بينما تخسر الدولة مصداقيتها وشرعيتها باستمرار. قد يعود ذلك الى ان الطائفة هي كيان متجانس مع نفسه، ومتصل بفضائه الاجتماعي والثقافي بشكل أكثر عضوية من الدولة التي ما زالت ـ بل وربما أكثر من أي وقت مضى ـ كياناً متطفلاً وفضاءً مفتوحاً للسلوك الطفيلي والنخب الرثة.
برغم التعايش غير المريح بين الدولة والطائفة اليوم، فإن الصراع المرتبط باختلاف جذور كل منهما يستمر، ونزعة الدولة لتخطي او لاحتواء الطائفة تواصل الاصطدام بنزعة الطائفة الى اختراق الدولة او تحويل نفسها الى دولة بديلة. والحصيلة أن ما لدينا الآن هو كيانات هجينة، بمرجعيات غامضة…