حارث حسن 

 

يخوض تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) صراعأً مفتوحاً مع «الآخرين». وهؤلاء يُعَرِّفهم خطابه بتصنيفات حادة من قبيل «رافضة» (شيعة)، و«مشركين» (إيزيديين وعلويين)، و«علمانيين» و«مرتدين» (سنة غير متعاطفين).. لكن المتفحص للتصريحات الصادرة عن أوساط التنظيم يجد انه أفردت مكانة لصنف جديد من الأعداء: «الصحوات». منذ أن قام الجنرال الأميركي بترايوس وفريقه باقناع زعماء عشائر سنية في الأنبار بمواجهة تنظيم القاعدة في العراق (الرحم الذي أنجب تنظيم داعش)، أصبحت الصحوات العدو الرئيس، الى الحد الذي صارت هذه التسمية تطلق على جماعات المعارضة السورية التي تقاتل داعش، بل ومؤخرا استخدمها تنظيم جهادي ليبي في وصف الميليشيات التي تحاربه. لا يتعلق الأمر بالقوة العسكرية لجماعات الصحوة، فهي اليوم في أضعف صورها في العراق منذ العام 2008، لكنه يتعلق بطبيعة الصراع المركزي لتنظيم الدولة الاسلامية ومعظم الجماعات الجهادية السلفية، وهو صراع يتمحور حول تشكيل الهوية الإسلامية السنية بشكل يعيد انتاج حالة من «الصفاء» المتخيل يسمح لتلك الهوية بالتطهر من شوائب «الجاهلية» و«الحداثة». العودة لاسلام «المهاجرين» هي غاية المخيال الجهادي، ومواجهة الولاءات والانتماءات التي لا تتسق مع هذا المخيال هي جزء مهم من مشروع «إعادة خلق الأمة الإسلامية». 

 

بين القبلية والوطنية 
 

لذلك يخوض التنظيم معركة قد تبدو جانبية إلى جانب معاركه المسلحة، لكنها بالحسابات البعيدة المدى هي المعركة الرئيسية، معركة اعادة اختلاق الانسان المسلم السني الذي يتماهى تماماً مع المخيال الجهادي. يوجه خطاب داعش نقداً لاذعاً للنزعتين «القبلية» و«الوطنية»، ويعتبر مواجهة هاتين النزعتين محورياً في صراعه للتطهر من شوائب الجاهلية والحداثة. وان كان موقف السلفية الجهادية من القبلية مشتقاً من التاريخ الاسلامي ومن محاكاة هذا التاريخ بوصفه حركة توحيدية عابرة للقبيلة، فان الموقف من النزعة الوطنية يتأسس على أوضاع معاصرة مختلفة فرضها وجود الكيانات الوطنية في المرحلة ما بعد - الكولونيالية، وبما يعكس حقيقة انه مهما حاولت التنظيمات الجهادية تصوير حروبها ومواجهاتها بمنطق ولغة يحاكيان العصر التأسيسي الاسلامي، فان التاريخ وحركته يفرضان منطقا مغايراً يجعل من تلك المحاكاة «ملهاة مضحكة» بقدر ما هي «تراجيديا مخيفة». 
تكمن الفرصة الاساسية لهذه التنظيمات في أن كلا من الهويتَين القبلية والوطنية في معظم بلدان المنطقة، وفي حالة العراق تحديداً، تمران بمرحلة تفكك وتراجع. لم يعد المجتمع العراقي قبلياً، حتى لو كانت القبيلة موجودة في بعض التشكلات والسلوكيات الاجتماعية والثقافية. فبعد كل شيء، هنالك فرق بين «القبيلة» و«القبلية»، فالأولى وحدة اجتماعية وثقافية مستقرة نسبياً، والثانية هي طريقة تفكير وسلوك .لقد كان الهدف الاساسي من الدولة «الحديثة» هو تفكيك الكيانات التقليدية لمصلحة صناعة مجتمع وطني مديني حديث. ورغم ان هذه العملية شابها الكثير من الاخفاق والفشل، فان التفكك التدريجي للتكوينات السكانية التقليدية كان قد بدأ على الأقل منذ عصر التنظيمات العثماني وتدشين الوالي الاصلاحي مدحت باشا نظام الطابو (الملكية الزراعية). كانت معظم الهجرات الداخلية الكبرى التي شهدها العراق الحديث في سياق نمط من الانتقال من الفضاءات التقليدية الطرَفية المغلقة الى تلك التي تحيط بالمدن الرئيسية. ومع عملية الانتقال تلك تشكلت تدريجياً بيئات اجتماعية وثقافية هلامية فشلت الدولة الحديثة في استيعابها ايجابياً. وبينما كانت «الطبقة الوسطى» تتلاشى في العقود الاخيرة كانت هذه الفضاءات تتسع والصراع على تنظيمها وتعبئتها يتفاقم. تحدث علي الوردي كثيرا عن الصراع بين قيم المدينة والبداوة، وعن التناشز الثقافي والازدواجية في الشخصية التي ينتجها هذا الصراع. ومنذ آخر كتاب للوردي، مرّ المجتمع العراقي بأحداث جسام تغيرت معها سطوحه السياسية والإيديولوجية، لكن ذلك الصراع الرئيسي نفسه ما زال قائماً . 
 

الخلاص الجهادي 
 

تجد السلفية الجهادية، وقبلها الشيعية الجهادية التي مثلها «جيش المهدي»، مناخات ملائمة في تلك البيئات الاجتماعية ما بعد القبلية وما قبل المدنية. هنا حيث الدولة شبه غائبة، وقيم الحداثة غريبة، والقبيلة صارت كياناً رمزياً، ومعدلات الولادة عالية (بسبب غياب الوعي الصحي)، يجد عشرات الآلاف ملاذاً في حركات ايديولوجية جذرية تقوم على وعد «خلاصي»، وتمنحهم إحساسا بالانتماء افتقدوه في تلك الفضاءات غير المستقرة، وتوفر لهم شعوراً بالتمكين وسلطة تعوض عن مشاعر متراكمة من الحيف و ـ في الكثير من الأحيان ـ فرصة للانتقام. 
في شهادات بعض سكان المناطق التي اقتحمها داعش مؤخراً، نجد إشارات إلى نوعية المقاتلين العراقيين الذين انتموا إليه. وهنالك تأكيد على انهم من سكان القرى والمناطق الطرفية، أو انحدروا من بيئات اجتماعية تعاني من تهميش مركب سياسي بسبب غياب الحكومات المركزية او المحلية، واجتماعي بسبب طرفيتها، وثقافي بسبب النظرة التي يواجهونها من سكان المدن الرئيسية. يمثل هذا التوتر بين المركز والأطراف، سواء على المستوى الوطني او المستويات المحلية، عنصراً أساسياً في توجيه الصراعات السياسية في العراق، خصوصا العنيفة منها. 
يمكن القول ان الايديولوجية الجهادية تنطوي على قوة اقناع في مثل هذه البيئات، فهي تمنح «يقيناً» مريحاً وخريطة ذهنية مبسطة عن الـ«نحن» و«الآخر». ولكن معظم الدوافع التي تحفز المتطوعين الى الالتحاق بها مصدرها العلاقات الاجتماعية المختلة، والفراغ الناشئ عن غياب البديل. في كتابه الصادر في العام 2011، يتحدث هيرمانت شاه عن التضليل والتبسيط الذي اتسمت به فكرة «ضمور المجتمع التقليدي» في الشرق الأوسط التي طرحها دانيال ليرنير في كتاب نشره عام 1958، والدور الذي يمكن ان يلعبه الغرب في «غرس» قيم الحداثة. استند ليرنير وغيره على تصور كلاسيكي مفاده ان الانتقال من المجتمع التقليدي الى المجتمع الحديث يبدأ عندما يأخذ سكان الريف بالانتقال الى المدن، ثم تؤدي عمليات التمدين Urbanization الى ظهور طلب على مؤسسات الحداثة كالمدارس والإعلام الجماهيري والسوق الحرة والروابط الطوعية. 
لقد حصلت بعض هذه التطورات في العراق ومعظم دول المنطقة، لكنها لم ترفد بمشروع تنمية سياسية واقتصادية ناضج، وأفرزالتحديث المشوه اوضاعاً باتت خارج سيطرة الجميع، وربما ليس داعش أكثر من تجل لها. هنالك حاجة لأن نعيد النظر في ثنائياتنا القديمة، وتحديدا في التصور السائد ان المجتمعات يمكن ببساطة ان تنقسم الى «تقليدية» و«حديثة»، وعلينا ان ننظر الى الحيز الكبير بين هذين «الضدَّين»، وان نفهم ان حالة اللااستقرار التي تسمح للبعض بالالتحاق بفانتازيا «أمة المهاجرين الجهادية»، هي اليوم التحدي الأكبر الذي كان موجوداً قبل داعش، وسيبقى قائماً بعد غيابه. 
معركة داعش الاساسية هي في داخل المجتمع السني المسلم، وهدفها إقناع الناس أنهم ليسوا إلا «مسلمين سنة»، ومن ثم إعادة تعريف «تسننهم» بالطريقة التي تسمح لها بتكريس نفسها كمعبّر «أصيل» و«عضوي» عنهم. تلك الطريقة وحدها هي التي تسمح بتأسيس «دولة الخلافة» على شرعية اجتماعية واسعة، فلا يمكن لأي سلطة مهما امتلكت من أدوات قسر وقمع، ومهما بلغت وحشيتها، أن تستمر بدون صناعة هيمنة ثقافية تمنحها شكلا من أشكال الشرعية. ولذلك فان الصراع مع داعش والسلفية الجهادية هو في جوهره صراع حول الشرعية. وبدون توفر بديل ثقافي يرتكز على مقاربة جديدة للعلاقة بين الدولة والمجتمع، ستكون رؤية عالم بلا جهاديين ولا خلفاء محتملين.. أبعد منالاً.