الرئيسية | من الصحافة | الجزائري محمد شوقي الزين لـ"النهار": الاعتراف بالمرض هو نصف الصحة وقف المدّ الأصولي بامتناع الأئمة عن تلهيب الانفعالات بالجنّة والنار

الجزائري محمد شوقي الزين لـ"النهار": الاعتراف بالمرض هو نصف الصحة وقف المدّ الأصولي بامتناع الأئمة عن تلهيب الانفعالات بالجنّة والنار

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

حاوره حميد زناز

 محمد شوقي الزين، مفكر جزائري من الجيل الجديد، حاصل على دكتوراه في الدراسات العربية وأخرى في الفلسفة من جامعتين فرنسيتين. تخصص في الفلسفة المعاصرة والدراسات العربية الإسلامية وابستيمولوجيا التأويل. عمل باحثا في معهد العلوم والدراسات العربية وكذلك في مركز الابستيمولوجيا والممارسات العملية المقارنة. هو أستاذ الفلسفة في جامعة تلمسان ابتداء من 2013. أصدر كتبا عديدة بالعربية والفرنسية في غاية الأهمية، امتازت كلها بالعمق والجدة، من بينها: "هويات وغيريات تأملات في الهوية"، باللغة الفرنسية، منشورات الاختلاف الجزائرية 2002، "تأويلات وتفكيكات: فصول في الفكر الغربي المعاصر"، المركز الثقافي العربي، 2002 ، "سياسات العقل"، دار الغرب، 2005، "الثقافة في الأزمنة العجاف: فلسفة الثقافة في الغرب وعند العرب"، منشورات الاختلاف وضفاف – دار الأمان، 2013. هنا حوار معه.

 

■ هل تعتقد أن هناك خوفاً مرضياً من الإسلام في الغرب (إسلاموفوبيا)؟ وما هي أسبابه إن وجد؟
- الخوف المرضي يأتي على وجه الخصوص من فئات مهووسة بالهوية القومية مثل الجبهة الوطنية في فرنسا والأحزاب اليمينية المتطرفة في دول أوروبية عديدة. لا تجد هذا الخوف مثلاً عند خَلَف الثوريين الأوائل مثل روبسبيير ودانتون، وأقصد الاشتراكيين (في فرنسا) والديموقراطيين (في أميركا) الذين لهم رؤية غير صراعية للعالم. الخوف من الإسلام مبني على القاسم الإيديولوجي بين يميني محافظ ويساري ثوري. إذا بحثنا عن الأسباب، فهي في الغالب متوارية ولا تطفو على السطح سوى في شكل انفعالات أو فقاعات: مثلاً احتكام اليمين المحافظ إلى رؤية في العالم لا تزال موروثة عن المسيحية العريقة في أزمنة الحروب الصليبية. لا يزال الماضي يعتمل في تصورات الحاضر وسلوكياته، ولو من وراء حجاب، أي بشكل خفي أو لاشعوري. لكن ينبغي التنبيه إلى أن ما يسمّى بالإسلاموفوبيا هو صراع مصبوغ بالإفراط القومي أو الديني أو الإيديولوجي: تطرف قومي (الجبهة الوطنية) أمام تطرف ديني (القاعدة مثلاً). تنفلت هذه الرؤية الصراعية للعالم نحو ثقافة الصورة عبر الإعلام والفضائيات الإخبارية بتعميم التطرف الديني على المسلمين (في أعين المحافظين والقوميين في الغرب)، أي تعميم الجزء على الكل. كذلك، من جهة أخرى، اغتراب العديد من المسلمين وصعوبة اندماجهم في الغرب، وظهور شباب جهادي متحمّس، يقترف اعتداءات إرهابية (مثلاً: محمد مراح في اغتيالات تولوز)، يغذّي بشكل رهيب الكراهية المتنامية تجاه المسلمين.

 

 

■ كيف تقرأ الكتابات الغربية عن الإسلام وعلاقته بالتطرف؟
- قرأتُ بعض الكتابات في محاولة فهم ظاهرة التطرف في الإسلام مثل بحوث فرنسوا بورغا وجيل كيبيل، وتستحق التنويه، لأنها كتابات موضوعية وأكاديمية، غرضها فهم الظاهرة، فهم الجذور، السيرورة، التجليات، النتائج، إلخ. تكمن جدية هذه البحوث في كونها تستند إلى نماذج في القراءة ومناهج في المقاربة تكشف عن جوانب خفية من الظاهرة والأسباب العريقة أو المعاصرة في ظهورها ونموّها. أكتفي في طبيعة الحال بالكتابات المعتدلة والموضوعية، لا الإيديولوجية التي تبرّر أو تقدح أو تمدح وتجعل من الإعلام المطية نحو التأثير في الرأي العام. تذهب هذه الكتابات على العكس تماماً من التهييج الإعلامي والاستغلال السياسي والإيديولوجي نحو سوسيولوجيا فهمية، كالتي أرسى دعائمها ماكس فيبر أو ألفرد شوتز. الغرض هو متابعة كيفية انبثاق الظاهرة وما هي السياقات التي نبتت فيها والطفرات التي تعرّضت لها، مثلاً من الصحوة والدعوة إلى الجهاد والعمل المسلّح. كل هذا يفيدنا، نحن المعنيين أكثر بهذه المسألة، لنفهم على الأقل، من خارج الإحاطة النظرية أو السياج الإيديولوجي الذي نحن مسجونون فيه، هذه الظاهرة التي تمسّنا في العمق وتدبّر نمط عيشنا ومصيرنا في رمته. الغرض هو معرفة من نحن، كيف وصلنا إلى هذه الدرجة من البربرية على هامش الحضارة؟ ما هي المعوقات الذاتية قبل الحديث عن المعوقات الخارجية في شكل أجندة أو مؤامرة؟ ما هي العوامل المادية والرمزية؟ وأخيراً كيف الخروج من هذا الانسداد؟ تقدّم هذه الكتابات مفاتيح في الفهم ورؤية برّانية، أي من خارج إحاطتنا النظرية، وهذا شيء إيجابي نتعلم به أكثر على ذواتنا، لأننا لا نرى وجهنا سوى في مرآة من يكتب عنّا، وخصوصاً بالموضوعية التي نعهدها في مثل هذه الكتابات.

 

 

 

■ كثرٌ من الإصلاحيين الجدد حاولوا منذ 50 سنة وعبر بحوث معمقة في التراث الإسلامي تخريج إسلام نقي منسجم مع قيم العصر. مع ذلك كان الحصاد أصولية عنيفة متجذرة في كل البلدان الإسلامية...
- مصارحة الذات هي أول الحلول، مثلما أن الاعتراف بالمرض هو نصف الصحة كما يُقال. من لا يعترف بالخلل في نظامه التصوّري والسلوكي، فلا يمكنه معالجة الأزمات ومداواة الجروح. أحدّد المسألة في النقاط الآتية: 1- المشكلات متنوّعة ومتشابكة: اقتصادية وسياسية وتربوية. لا يمكن إيعاز الأصولية إلى الشق الاقتصادي فقط على الطريقة الماركسية (الفقر والتفاوت الطبقي مثلاً، هذا جزء من التعليل). لنتذكر أن الشبان الذين فجّروا أنفسهم بالطائرات في 11 أيلول 2001 في أميركا درسوا في جامعات غربية وسليلو عائلات ميسورة الحال إن لم أقل بورجوازية. فيما وراء التفسير المادي أو الاقتصادي، هناك التفسير الرمزي الذي أعتمد فيه على كتابات إرنست كاسيرر في ما اصطلح عليه إسم "الحيوان الرمزي". الإنسان بطبعه يميل إلى الترميز، وهناك وقائع تكتسي قيمة رمزية: القضية الفلسطينية مثلاً من حيث الشعور بالظلم؛ الهيمنة الغربية من حيث الشعور بالدونية، إلخ. ثمة جرح نرجسي، رمزي في جوهره، يجعل الفرد يحمل في ذاته أعباء الآلام (كالسيّد المسيح) ويريد إصلاح المظالم، لكنه يسقط في الضغينة والكراهية وإرادة الانتقام، وهذا دأب العديد من الشباب في تحوّله نحو التطرّف؛ 2- المشكل السياسي هو أنه لم تكن هنالك إرادة جادة في تحديث المجتمع ودمقرطة الحياة السياسية منذ استقلال الدول العربية عن الاستعمارات: الأخذ بالنموذج الدولة- الأمة- الحزب ضاعف من المعضلات، لأن الدولة التي من المفروض أن تكون "دولة الجميع"، تحوّلت إلى "دولة الفرد" في شكل أوليغارشية أو سلالة حاكمة في توريث السلطة، وتم توظيف مؤسسات الدولة وأجهزتها (العدالة، الأمن...) في فرض هذا النموذج الأوحد، ورأينا كيف انتهت الأوضاع بالميل نحو القهر والانغلاق، ونرى اليوم مفاعيله في الانفجار السيكولوجي عبر الانتحار أو الهجرة أو الميل نحو الإرهاب في أبشع صوره. الانسداد السياسي هو أيضاً عامل أساسي في العنف والعصيان، لأننا لم نفلح (على العكس من الانتفاضات في أميركا اللاتينية وأوروبا الشرقية التي شهدت زوال الأنظمة الاستبدادية) من "نزع الشخصنة" عن الدولة، بعزلها عن الأفراد وجعلها مؤسسة محايدة، تبقى بزوال الأشخاص. لا نزال نحمل هذا العبء التاريخي والمعاصر في التماهي بين الفرد والدولة وما ينجم عنه من مظالم ومحسوبية ومحاباة وعشائرية وطائفية؛ 3- الهم التربوي حمله المفكرون من الإصلاحيين الأوائل (مثلاً: محمد عبده ومحمد إقبال) إلى رواد العقل النقدي المعاصر (مثلاً: محمد أركون، عبد المجيد الشرفي)، لكنه كان في الغالب نظرياً وأكاديمياً لم يجد تعيّنات في الواقع، لأن هذا الواقع هو أيضاً محط صراعات واستعمالات ذرائعية من قوى متنافسة حول سياسة النص الديني والمتاجرة الرمزية برأسماله وصفقاته.

 

 

■ ما هي الطريقة الأنجع في رأيك لوقف المد الأصولي عموما وفي الجزائر على وجه الخصوص؟
- الطريقة المثلى هي في أن يتوقف الإمام مثلاً عن الحديث عن الجنة والنار وتلهيب الانفعالات؛ وأن يُعاد النظر في المدرسة بتشكيل سياسة تربوية تقطع صلتها مع البطولي والخرافي والدغمائي من التاريخ الإسلامي لتعيد كيله بموازين الواقعية والتداولية.

 

 

جريدة النهار اللبنانية  

شوهد المقال 2071 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

العربي فرحاتي ـ يا دكاترة الجزائر ..انزلوا إلى الحراك لتتعلموا من الشباب ..

د. العربي فرحاتي  سمعت أحد الأساتذة منذ يومين متخصص في علم التاريخ ..ستعرفون اسمه..يقول أن الانتخابات "دوز دوز " شرعية.. وأن "تبون الرئيس" أتى عبر الحراك
image

معتقل الرأي وليد كشيدة .. الميمز ليست جريمة

 #معتقل_الرأي_وليد_كشيدةالمقال بمساعدة صديقيه نوفل و أسامة.وليد كشيدة الإبن الوحيد لأبويه شاب في 26 سنة من عمره ولد في 14 ماي 1995 بمدينة خراطة ببجاية أين
image

كريمة ابراهيم ـ احسان الجيزاني يهدي الميدالية الذهبية العالمية الى شهداء ضحايا الارهاب الذي ضرب ساحة الطيران بالعراق

كريمة ابراهيم ـ البحرين الجيزاني يهدي الميدالية الذهبية العالمية الى شهداء ضحايا الارهاب الذي ضرب ساحة الطيران بالعراقحصل الفنان العراقي احسان الجيزاني على الميدالية الذهبي العالمية
image

رضوان بوجمعة ـ في ذكرى وفاته الثالثة ... زهير إحدادن زهد في المكاسب و كظم غيض المتاعب!!

د. رضوان بوجمعة  لم أصادف طول حياتي الجامعية _ودون أية مبالغة_ أستاذا اجتمعت فيه الصفات التي اجتمعت في الأستاذ الراحل زهير إحدادن، فهو المؤرخ ومن صناع
image

حمزة حداد ـ اليسار الأمريكي يقود معركة التوغل داخل السلطة الأمريكية من بوابة الحزب الديمقراطي

حمزة حداد لفتت قفازات السيناتور الديمقراطي بيرني ساندرز، الأنظار خلال حفل تنصيب الرئيس الأميركي جو بايدن، وتساءل رواد مواقع التواصل الاجتماعي عن سرّ هذه القفازات الكبيرة.هذه
image

بوداود عمير ـ ملحمة راهبة في الصحراء ، عين الصفراء

بوداود عمر  من أوجه الخلل في الساحة الثقافية أن بعض الأعمال الصادرة عندنا، رغم قيمتها الأدبية وأهميتها التاريخية، لا تحقق الحدّ الأدنى من الاهتمام، وسرعان ما
image

جباب محمد نور الدين ـ اليهودي بنيامين ستورا :يسعى لإغلاق القوس في زمن لم تعد فيه أقواس

د.جباب محمد نور الدين  لما صدر كتابه حول مصالي الحاج انتظرت الرد من أهل الاختصاص، ولما شاهدتهم "ضربو النح " خشية الإملاق والحرمان من عطايا
image

سعيد لوصيف ـ الأصل في المؤسسات تحييد غريزة الموت وبعث غريزة الحياة..

د. سعيد لوصيف  يعتبر التخويف و ممارساته النقيض المنطقي للاتجاه العقلاني في ممارسات الحكم، بل يمكن اعتباره من الناحية التحليلية سلوكا ساداويا، يعتقد اصحابه أن "العقل"
image

مولود مدي ـ التحديث السياسي

مولود مدي   أحد الباحثين في التحديث السياسي Lucian Pye في كتابه Aspects of Political Development يطرح فكرة، أن المجتمعات على اختلافها، يجمعها شيء مشترك وهو انه
image

عبد الجليل بن سليم ـ إستدلال Joe Biden بالقديس أوغسطين

د. عبد الجليل بن سليم  البارح في خطابه الاول Joe Biden إستدل بالقديس أوغسطين ، باش يكون عندكم خبر برك بلي Joe Biden ينتمي إلى الكنيسة

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats