الرئيسية | من الصحافة | شاكر لعيبي ..... ما هو مشروع العرب الحضاريّ للعالم ولأنفسهم؟

شاكر لعيبي ..... ما هو مشروع العرب الحضاريّ للعالم ولأنفسهم؟

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image
د . شاكر لعيبي  
 
إذا لم يكن في مفردة (العرب) تعميم قومانيّ مُفْرْط غير مرغوب به، وإذا ما زالت صالحة للاستخدام للتعبير عن الظواهر الثقافية والاجتماعية والسياسية العريضة لجماعة بشرية محدّدة ومعرَّفة، وليس عن أشخاص متفارقين ومارقين وهامشيين، مهما بلغ عددهم، فالسؤال هو التالي: ما هو مشروع العرب الحضاريّ للعالم وللعالم العربيّ، لكي يرفضوا مشاريع الآخرين (مشاريع إيران مثلاً وأوربا وأمريكا وروسيا والصين وحتى أندونيسيا) بكل هذا العنف الدمويّ والطغيان العلنيّ المشهود له، بل الاستهتار المؤسف بالأرواح والقيم المادية والمعنوية؟. هذا لا يعني أننا قط مع مشاريع الآخرين، بالطبع.

لا يلوح في الأفق أي مشروع حضاريّ عربيّ مقدّم لأنفسهم بصفتهم جماعة بشرية وللآخرين في العالم. يقوم المشروع المناهض لمشاريع الآخرين الجيو-بوليتيكية (كإيران مثلاً وخاصة اليوم، ومرة أخرى نحن لا ندافع عنه) على عناصر طائفية يراها حتى الأعمى، وليس شيئاً كبيرًا سوى ذلك. وهذا الأمر يُكْلِف دماً عبيطاً كثيراً. طوبى لمن يستطيع البرهان خلاف ذلك. الحوار الدمويّ مع مشروعها يقوم فقط على العناصر الجوهرية، الطائفية نفسها لكن من الطرف الآخر. علينا القول دون مراوغة إن الخطاب الدينيّ من جهة إيران أو من الجهة الأخرى لن يستطيع البتة تقديم مشروع حضاريّ ومدنيّ وسياسيّ حديث، مهما تشدق المتحاورون بجميع أنواع الخطابات الفلسفية المعاصرة والقضايا الروحية الكبرى والمشكلات العادلة غير المبتوت بها.
إن أنساق الطائفة، أو العشيرة أو الدولة- القبيلة، والنظام الدينيّ المستند إلى إلغاء وقمع الطوائف (المارقة الأزلية الأخرى) لا تستطيع إقامة مشروع حضاريّ كما يعرف الجميع، هذه الطوائف، من هذه الجهة أو تلك لن تدفع الجزية بالطبع لأحد.
إذنْ ما هو مشروع العرب الحضاريّ الرفيع البديل اليوم، وهم يتقاتلون بالدم العبيط وفق أجندات موضوعة لم يساهموا كثيراً بتأملها وصياغتها؟. 
في جميع التفاصيل التي نشهدها يومياً، يبدو وكأن مشروع غالبية العرب المعاصرين للعالم العربيّ يقوم على (الكراهية) والنفي وليس (الحبّ) والتسامح والقبول بالاختلاف. الدم اليوميّ الراهن شاهد على ذلك، الدم الجاري بدعم من بعضهم والدم المراق من طرف الدكتاتوريين الذين طالما دعمهم الكثير من العرب المساندين للثورات الراهنة، والجاري أيضاً بسبب الدكتاتوريات الجديدة القادمة من (التغيرات) المستحدثة كما في العراق و(الربيع) الخامد هنا وهناك. هذا ليس مشروعاً حضارياً لمستقبل أحد، قط.
القبول بالاختلاف يبدو وكأنه مادة للمماحكة، وإلقاء الحجة على (الآخر)، قبل أن يكون يقيناً وبداهة، تدافع الثقافة العربية السائدة عنه.
كل هذا انتهى إلى طريق مسدود بحيث تبدو المنطقة الناطقة باللغة العربية وهي تجلس على عتبة التاريخ: لا هي دخلت إلى داره ولا هي انتهت إلى موات كامل في العراء. بعضهم تجنبّاً لورطة الجيران الذين يشترك معهم ثقافياً وتاريخياً، يجد في البقاء تحت "السقف المحليّ" ملاذاً آماناً من شرور هذه العتبة الدرامية. الأيام تثبت إنه ملاذ صعب ولعله متوهّم كما يبرهن العنف عابر الحدود، والسلفيات الإسلامية المعولمة.
كل المشاريع في المشرق والمغرب تؤكّد حقيقة غياب أي مشروع حضاري للشعوب الناطقة بالعربية، رغم تضحيات أفرادها ونقاباتها وأحزابها الوطنية وفعل مثقفيها ومفكريها، وتضحياتهم الجسام ، بل العظيمة بجميع المقاييس.
لو كان ما نقول أو بعضه صحيحاً، فالمأزق حقيقيّ. وقد ساهمت دون شك الأحزاب القومانية للعرب بصناعته، وتكرّسه اليوم الجماعات الدينية، وفي معمعته يتذبذب المثقفون بين صامت ومشترىً وغافل ورابح وملتاع وقابع تحت "سقفه" الافتراضيّ.
لو كان ما نقول أو بعضه صحيحاً، فمأزق العرب (إذا ما كان أخيراً للكلمة من معنى بعد)، مشترك وجسيم، لكن لا يستحيل الخروج منه.

 

المدى العراقية  

شوهد المقال 3540 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

العربي فرحاتي ـ يا دكاترة الجزائر ..انزلوا إلى الحراك لتتعلموا من الشباب ..

د. العربي فرحاتي  سمعت أحد الأساتذة منذ يومين متخصص في علم التاريخ ..ستعرفون اسمه..يقول أن الانتخابات "دوز دوز " شرعية.. وأن "تبون الرئيس" أتى عبر الحراك
image

معتقل الرأي وليد كشيدة .. الميمز ليست جريمة

 #معتقل_الرأي_وليد_كشيدةالمقال بمساعدة صديقيه نوفل و أسامة.وليد كشيدة الإبن الوحيد لأبويه شاب في 26 سنة من عمره ولد في 14 ماي 1995 بمدينة خراطة ببجاية أين
image

كريمة ابراهيم ـ احسان الجيزاني يهدي الميدالية الذهبية العالمية الى شهداء ضحايا الارهاب الذي ضرب ساحة الطيران بالعراق

كريمة ابراهيم ـ البحرين الجيزاني يهدي الميدالية الذهبية العالمية الى شهداء ضحايا الارهاب الذي ضرب ساحة الطيران بالعراقحصل الفنان العراقي احسان الجيزاني على الميدالية الذهبي العالمية
image

رضوان بوجمعة ـ في ذكرى وفاته الثالثة ... زهير إحدادن زهد في المكاسب و كظم غيض المتاعب!!

د. رضوان بوجمعة  لم أصادف طول حياتي الجامعية _ودون أية مبالغة_ أستاذا اجتمعت فيه الصفات التي اجتمعت في الأستاذ الراحل زهير إحدادن، فهو المؤرخ ومن صناع
image

حمزة حداد ـ اليسار الأمريكي يقود معركة التوغل داخل السلطة الأمريكية من بوابة الحزب الديمقراطي

حمزة حداد لفتت قفازات السيناتور الديمقراطي بيرني ساندرز، الأنظار خلال حفل تنصيب الرئيس الأميركي جو بايدن، وتساءل رواد مواقع التواصل الاجتماعي عن سرّ هذه القفازات الكبيرة.هذه
image

بوداود عمير ـ ملحمة راهبة في الصحراء ، عين الصفراء

بوداود عمر  من أوجه الخلل في الساحة الثقافية أن بعض الأعمال الصادرة عندنا، رغم قيمتها الأدبية وأهميتها التاريخية، لا تحقق الحدّ الأدنى من الاهتمام، وسرعان ما
image

جباب محمد نور الدين ـ اليهودي بنيامين ستورا :يسعى لإغلاق القوس في زمن لم تعد فيه أقواس

د.جباب محمد نور الدين  لما صدر كتابه حول مصالي الحاج انتظرت الرد من أهل الاختصاص، ولما شاهدتهم "ضربو النح " خشية الإملاق والحرمان من عطايا
image

سعيد لوصيف ـ الأصل في المؤسسات تحييد غريزة الموت وبعث غريزة الحياة..

د. سعيد لوصيف  يعتبر التخويف و ممارساته النقيض المنطقي للاتجاه العقلاني في ممارسات الحكم، بل يمكن اعتباره من الناحية التحليلية سلوكا ساداويا، يعتقد اصحابه أن "العقل"
image

مولود مدي ـ التحديث السياسي

مولود مدي   أحد الباحثين في التحديث السياسي Lucian Pye في كتابه Aspects of Political Development يطرح فكرة، أن المجتمعات على اختلافها، يجمعها شيء مشترك وهو انه
image

عبد الجليل بن سليم ـ إستدلال Joe Biden بالقديس أوغسطين

د. عبد الجليل بن سليم  البارح في خطابه الاول Joe Biden إستدل بالقديس أوغسطين ، باش يكون عندكم خبر برك بلي Joe Biden ينتمي إلى الكنيسة

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats