الرئيسية | من الصحافة | اسماعيل القاسمي الحسني ......“العدو” الإيراني صناعة غباء السياسة العربية

اسماعيل القاسمي الحسني ......“العدو” الإيراني صناعة غباء السياسة العربية

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

اسماعيل القاسمي الحسني

 

لا جدوى من مخاطبة العقل العاجز عن ربط الأحداث والوقائع، ذلك أنه حتما في هذه الحال لا يمكنه رؤية المشهد بكامل تفاصيله وزواياه، حاله من حال الذي ينتهي علمه وبصره وادراكه عند المصباح، يتعذر عليه لجهله معرفة وجود أسلاك وأزرار وعداد كهرباء ومولدات طاقة وغيرها، لا يفقه البتة أن هذه سلسلة مترابطة قد ينطفئ المصباح لطارئ وقع في المحطة التي تبعد عنه بمئات الكلومترات،ويصب جام غضبه ولعناته على المصباح، بل ويرميك بالجهل والتعصب وشتى النعوت، لوحدثته عن عدّاد الكهرباء أوانقطاع سلك جراء الرياح، أوعطل في المحطة ذاتها، مستدلا في هجومه عليك وإنكاره لطرحك بعدم رؤية ما تتحدث عنه، وقد ينفي وجوده تماما.

لا أحد اليوم ينكر الموجة الطاغية المتصاعدة والمركزة،  عنوانها العريض ايران عدوللدول العربية، وكثيرة هي المحطات الفضائية، وأكثر منها كتاب يغرقون في الطرح ويضيفون على العداوة العرقية “الفرس″ أقبح وأخطر منها العداوة الطائفية، بامعانهم في الاستدلال على عداوة “الشيعة” لأهل السنة، كل ذلك موظف بشكل فج في خدمة السياسة ومصالح أصحابها، دون مراعاة لما يترتب عن ذلك من كوارث تمزق الامة الواحدة، التي يفترض أنها تسع جميع الطوائف والأعراق، بل وحتى الأديان الأخرى؛ لكن ودون اسهاب نرجع في تاريخنا المعاصر لسلسلة من الأحداث، ونتأمل هل بينها من رابط نستدل به على واقع هذا الموقف السياسي المصطنع.

اندلعت الحرب بين العراق وايران  1988-1980 تحت عنوانين عريضين، فايران اتهمت العراق بتصفية رموز الشيعة والعراق يتهمها بمحاولة تصدير الثورة الاسلامية، وخطر المد الشيعي، ووراء العنوانين شط العرب، غير أن اللافت أن الدول الخليجية وكثير من الدول العربية، تكاد تكون ذاتها اليوم، وقفت تحت ذات الذريعة داعمة للعراق، ليس من أجل جزر الامارات ولا شط العرب والخليج الفارسي، وإنما ضد المد الشيعي، يضاف الى ذلك موقف الدول الغربية نفسها كما اليوم للعرب، حتى أني أذكر في هذا المقام كيف منعت الرئاسة الفرنسية كتابا لمؤلفه Gilles perrault يتناول فيه تفاصيل خطيرة، حول تصفية قيادات شيعية في العراق، وغيرها من الجرائم، كتاب شبيه في أدلته واستقصاء مؤلفه لكتاب Notre ami le Roi (صديقنا الملك) الذي أحدث ضجة، ثبتت فيما بعد صحة رواياته حول سجن الصخيرات وغيرها؛ المهم هنا أن حتى العالم الغربي ابىعلى الاعلام، ظهور أي شيء يدين صديق الأنظمة الخليجية الذي يمثل درعا ضد المدّ الشيعي. علينا أن نتأمل هنا كيف غطت هذه الحرب المفتعلة العبثية عن تداعيات اتفاقيات كامب ديفيد، على القضية المركزية فلسطين، حيث ولت وجوه العرب كلها نحوالمد الشيعي عدوا، وخلى الجوللعدوالاسرائيلي حتى بلغ به الأمر عامين بعد اندلاع الحرب لاحتلال عاصمة دولة عربية بيروت 1982، دون أي حراك من تلكم الدول، وطرد ياسر عرفات وكل الفصائل المقاومة الفلسطينية من لبنان، وعلى امتداد الحرب تمت تصفية كثير من رموزها في الخارج بل في دول عربية كتونس، والحال أن عقل المواطن العربي يصرف بهذا الاعلام المسيس نحوخطر تصدير الثورة الايرانية.

لكن بعد عامين فقط من تلكم الحرب الضروس، أي في عام 1990 انقلبت الامور رأسا على عقب، وتبخر المد الشيعي، الذي لم يعد له وجود في تلفزيونات الأنظمة العربية ولا عناوين له على صحفهم المحلية والدولية، وبات العدوالأول والأوحد هوصدام حسين نفسه والعراق كله، ولم يهدأ الساسة وإعلامهم حتى تم احتلال العراق، بعد حصاره وقتل أبنائه وتدميره بشكل يكاد يكون كليا، ونهب معظم تراثه وآثاره واغتيال علمائه، لكن ماذا جرى في هذه العشرية للقضية الفلسطينية، وكل العالم مجيش ضد صدام حسين والعراق؟ ما حدث هومعاهدة أوسلو1 1993/09/13 وهومنزلق خطير وقعت فيه منظمة التحرير، ولعلالمرحوم ياسر عرفات ذهب اليه مرغما، بعد أن استشعر واقع تفتت العالم العربي، فالعراق في حصار قاتل، ومصر قد سلم نظامها بشكل نهائي، والجزائر دخلت في حرب أهلية مهولة، وسوريا قد أرهقها الوضع في لبنان، ماذا بقي للفلسطينيين إذن؟ والحدث الثاني معاهدة وادي عربة 1994/10/26 وهي خروج دولة عربية أخرى من دول الطوق بدورها عن القضية الفلسطينية؛ لا يمكن ذكر تفاصيل خطيرة داهمت القضية الفلسطينية، في ظل تجييش الساسة العرب عقل الأمة على خطر العراق، ولعلي أكتفي بأخطرها الذي أورده في دراسته حسن أيوب، ملخصه أن اسرائيل حققت من انجاز المستوطنات بين عامي 2003-1993 ضعف ما حققته على امتداد ربع قرن قبلها (اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية).

بعد احتلال العراق وسقوط نظامه وعاصمته 2003، لم يعد من المفترض أمام الأمة عدوإلا “اسرائيل”، خاصة وأن ياسر عرفات قد منع من مغادرة الضفة ثم حوصر بشكل إجرامي، ما زاد من احتقان الشارعين الفلسطيني والعربي، لينتهي الأمر باغتياله 200/11/11، لكن المفاجأة ظهرت خلالشهر واحد عبر الواشنطن بوست، التي صرح لها ملك عربي عن تخوفه من “الهلال الشيعي” 2004/12 في اشارة لإيران وسوريا وحزب الله في لبنان، وإن كان لابد لدى الساسة العرب من افتعال عدوجديد، فقطعا يستوجب الأمر هنا لإقناع الرأي العام أدلة أوأحداثا بحجم العدوالوهمي تصرف بالفعل النظر نحوه،شهرين بعد هذا التصريح 2005/02 يتم اغتيال رفيق الحريري في تفجير لا نظير له، وبسرعة فائقة ومذهلة تصوب الفضائيات وشخصيات سياسية أصابع الاتهام نحوحزب الله “الشيعي”، وسوريا الداعمة له، (قصة اعتقال أربعة ضباط دون أي دليل ما اضطر المحكمة اخلاء سبيلهم)؛ لا أحد ينكر أن الضخ الاعلامي مستثمرا الضحية وهي شخصية عالمية بارزة، كان له بالفعل أثره في توجيه الرأي العام نحوالعدوالصناعي، وقد انتهى خلال ثلاثة اشهر فقط بانسحاب الجيش السوري من لبنان 2005/05؛  هذه الحلقات من الاحداث في نظري لم تكن وليدة صدفة أومتناثرة، بل هي متماسكة مترابطة خاصة إذا استحضرنا أحداث المجازر التي ارتكبتها الولايات المتحدة في الفلوجة، وقصف المدنيين بطائرات B52(%90 من الضحايا قتلوا بالكيماوي الامريكي وليس الشيعي اوالعلوي) في ذات الشهر الذي خرج فيه مصطلح “الهلال الشيعي” وقتل فيه ياسر عرفات ثم اغتيل الحريري، ثم خرج الجيش السوري، ولم تنته القصة هنا، بل وعلى غير عادة العدوالاسرائيلي حين يتم أسر جنوده أعلن حربا طاحنة على لبنان، مع علمه السابق بعدم بلوغ أهدافه التي أعلنها، إنما ليعطي صورة للمواطن العربي مفادها هذا ما جنت سياسة “الهلال الشيعي” في لبنان، هذه الصورة التي سارعت وجوه سياسية عربية بارزة لتبنيها والاشهار لها، عنوانها مغامرة حزب الله 2006 .

إن تغييب الواقع عن المواطن العربي، واصطناع واقع وهمي للتغطية عن جرائم تمس مباشرة القضية المركزية جريمة لا تغتفر، وها نحن نلاحظ اليوم تصعيد العداء لايران بشكل هستيري عبر الادوات الاعلامية التابعة للأنظمة، أورأس المال الغربي الذي لن يعمل بطبيعة الحال ضد مصلحته، وواقع فلسطين مغيب تماما، بل نرى بأم أعيننا كيف اسقطت معاناة أهل غزة، من كل الحسابات والتصريحات وتكاد توأد حية في رمال الوعي العربي، مع أن مآسي الشعب الفلسطيني بالغة العمق، وجرحه نزف حتى الشرايين، والفضيحة المجلجلة أن قطاع غزة يقع على تماس ثلاث دول عربية، يهرطق قادتها بعداء ايران وخطره على الأمة، وشعب غزة محاصر بأيديهم هم ويموت أهله مرضا وجوعا وبردا بسياستهم هم. والقدس الشريف هوّدت بشكل كلي، وهم يحدثوننا عن خطر الشيعة وباسمه يعلنون الحرب على سوريا. قد يستفيق المواطن العربي بعد سماعه هذه الاسطوانة الغبية المشروخة، على كارثة أخرى في فلسطين لا علاقة لإيران ولا للشيعة بها.

فلاح جزائري.

ismailelkacimi@gmail.com

جريدة رأي اليوم اللندنية  

شوهد المقال 3096 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

علاء الأديب ـ خطيئتي

علاء الأديب           ماكان لي يوما سواك خطيئة يامن عصيت الله فيك لأقنعك. لو كنت أعلم أن حبك كذبة ماسرت في درب الظلال لأتبعك  سر التقى
image

خالد الهواري ـ سر الرقم 20

خالد الهواري  ـ  السويد  ليس بجديد القول الان ، ان السياسة الأمريكية في ظل حكم ترامب أصبحت غير مفهومة، ولايستطيع احد ان يتنبأ باي قرار سوف
image

يسرا محمد سلامة ـ ما ابتلاكَ إلا لـيُهذبك

د. يسرا محمد سلامة   يعيش عالمنا هذه الأيام مع أزمة صعبة جدًا تتعلق بوجوده في هذه الحياة من عدمها، وهو أمرٌ لم يكن يتوقعه أحد؛ خاصةً
image

مراسلون بلا حدود: النظام الجزائري “استغل كورونا لاستهداف صحافي حر”

الجزائر: أعلنت منظمة “مراسلون بلا حدود” توقيف الصحافي الجزائري المستقل خالد درارني مساء الجمعة في الجزائر، والذي كان احتجز قيد التحقيق منذ الأربعاء. وهي المرة
image

عثمان لحياني ـ الجزائر ما بعد كورونا

عثمان لحياني  كيفما كانت النتائج والنهايات، أنجز الجزائريون حراكهم بأقل كلفة ممكنة وتحت عنوان أنّ هذا النظام فاسد ومفسد للمقدرات العامة وزارع للمظالم ويحتاج
image

وليد عبد الحي ـ العولمة بين الكورونا والواقع الدولي

 أ.د. وليد عبد الحي  يميل قدر غير يسير من الكتاب والباحثين الى الاعتقاد بأن الكورونا قصم ظهر العولمة، وان الانكفاء مرة أخرى نحو
image

وليد عبد الحي ـ دلالات كورونا " عربيا"

 أ.د. وليد عبد الحي   طبقا لأرقام منظمة الصحة العالمية – إذا كانت الارقام صحيحة- فان عدد الاصابات في دول الجامعة العربية هو حتى
image

نجيب بلحيمر ـ لخالد الحرية والمستقبل

نجيب بلحيمر   قبل ثلاث سنوات من الآن تحول مشروع تركيب السيارات في الجزائر إلى نكتة بعد ان أظهرت صور نشرت على فيسبوك سيارات منزوعة
image

مرتضىى كزاز ـ محنة العقل المستقطب في زمن الكورونا ..ايطاليا والصين نموذج

مرتضى كزاز   أكثر العقول نشاطاً هذه الأيام هو العقل المستقطب، المتحزب والموتور دينياً أو سياسياً، منذ بداية انتشار الفايروس وأنا أتسقط الأخبار متابعاً ما
image

العربي فرحاتي ـ حكايات " الشعب الملهوف" خرافة

 د. العربي فرحاتي  مشاهد التزاحم والتدافع القوي بين السكان في الأحياء والقرى لاقتناء كيس من الدقيق (السميد) كما تلتقطه وتنشره وسائل التواصل الاجتماعي..مشهد حزين

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

5.00
Free counter and web stats