الرئيسية | من الصحافة | اسماعيل القاسمي الحسني ......... هل يبدع الشعب الجزائري فصلا خامسا؟

اسماعيل القاسمي الحسني ......... هل يبدع الشعب الجزائري فصلا خامسا؟

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image
 اسماعيل القاسمي الحسني

 

لا يُنكر عظمة الشعب الجزائري وقدرته على إبداع حركات اجتماعية تقلب كل الموازين، إلا جاهل بتاريخ هذا الشعب وحاضره، أو مكابر يتوهم بإنكاره امكانية تغيير ما سُطّر بالدم آيات، دوى إعجازها في ارجاء المعمورة، ومن يتهمه بالعقم اليوم عن الابداع والمفاجأة ليس إلا من يعدم المعرفة بشخصية هذا الشعب و تركيبتها الثرية، و التي تكاد تكون في تميُّزها استثنائية.

 

هذا التوصيف ليس من ضرب الانشاء ولا التفاخر، وإنما مؤسس على قواعد علمية ترجمتها في التاريخ أحداثً لا يمكن بحال نسبتها للفراغ، منذ سقوط الخلافة رسميا 1924 الى غاية 1954، ثلاثة عقود تحسب في علم الاجتماع جيلا كاملا، اطمأن الاحتلال الفرنسي لاستسلام الشعب الجزائري لأمر الواقع، فقد سكنت جميع ثوراته التي ألهبت القرن التاسع عشر، وقرئ سكونمظهره موات لحركته لا تحمل فواقا، ولعل المتأمل لردة فعل الشعب الجزائري على مجازر 1945/05/08 والتي راح ضحيتها 45000 مواطن، وحسب احصاءات أجنبية يتراوح العدد بين 50 ألفا و 70 ألف ضحية، يتهمه بأفول جذوة الثورة فيه، بشكل قاطع ونهائي لسلميتها (ردة الفعل)، لكن بعد عقد من هذه الجريمة، قام الشعب الجزائري بثورة خالدة، تجاوز استعداده للتضحية كل حدود العقل البشري وأبعد تصوراته الممكنة، فلا الجيش الفرنسي بكل قوته وعتاده، ولا الحلف الاطلسي بما ملك من آلة قتل، ولا الظهير الامريكي الذي أسند العدو بحاملات طائراته، يدفع الجميع حقد أعمى وانعدام الانسانية بشكل فضيع، كل ذلكم وغيره كثير لم يستطع الوقوف في وجه ثورة شعب أعزل لا يملك شيئا إلا عقيدة راسخة متجذرة، سبع سنوات لم تفتر فيها عزيمته ولم يتوقف لحظة عن التضحية، وأثبت للعالم كله بعد أن قدم مليون ونصف مليون شهيد، ولم يكن يتجاوز تعداده حينها العشرة ملايين، قراره النهائي للذهاب بالتضحية أبعد من ذلك إن اقتضى الأمر، وحين مرغ أنف المحتل في الوحل، وطلب الأخير وقف القتال لمباشرة المفاوضات، رفض الشعب الجزائري عن بكرة أبيه وقف “الجهاد”، وأرغم العدو على المفاوضات تحت وقع رشاشات المجاهدين وقنابلهم وعملياتهم الفائقة القوة والبسالة، وانتهى الصراع الدموي بانتصار الجزائر بات مضرب الأمثالفي تاريخنا المعاصر. صُنّاع تلكم الملحمة الاسطورية لم يتنزل عليهم الوحي من السماء، ولا هم استثناء وإنما جيل يحمل من خصائص شخصيته ما يحمله الى اليوم وغد كل فرد جزائري، من روح ثورية تحطم كل حدود الخيال، قد تتفجر في أي لحظة دون سابق انذار. وطوى الشعب الجزائري عام 1962 فصلا أبدع خلاله كحالة عربية استثنائية بالفعل.

 

ومضت السنون تباعا، الى غاية الشهر 1988/10/05، اي بعد مضي ربع قرن لم يتحرك فيها الشعب الجزائري ضد بعض السياسات الخطيرة، التي مست معتقداته و منظومته السلوكية، وحاولت هدم اركان هرمه الاجتماعي، فضلا عن سياسة تعريته من ممتلكاته، والتي أقر المسؤولين عليها (الرئيس الحالي) بأنها أصابت البلد في مقتل، واستشرى الفساد والمحسوبية، وظن من يجهل طبيعة هذا الشعب بأنه استسلم بالفعل لقدره، ولا مطمع في حياته، انفجر سابقا لكل الشعوب العربية التي تعيش الآن حالة فوضى تعيسة وبائسة، وسطر مرة أخرى آية عجيبة في التضحية، واستعدادا منقطع النظير للذهاب الى حدود تعجز العقول عن تصورها، ولعل من شهد تلكم الأحداث التي انتفض فيها الشعب الجزائري، كيف تمكن من النهوض في يوم واحد على مستوى الوطن كله، غير متبع لأي حزب سياسي أو حركة تنظيمية، بل تلقائية مطلقة يحركها الضمير الجمعي ولا شيء سواه، طاقته تراكمات أسست وعيا بضرورة التغيير، ويذكر من شهد الأحداث أنه بمجرد استجابة السلطة، من خلال خطاب الرئيس الراحل الشاذلي بن جديد، توقفت كل مظاهر الاحتجاج، بل ما زلت أذكر صورة المواطنين غد الخطاب، كيف خرجوا وبتلقائية كذلك لتنظيف الشوارع من مخلفات الاحداث وترميم ما تحطم اثناءها، وقطع الشعب الجزائر كسابقة في عالمنا العربي بين عامي 1988-1992أشواطا في حرية التعبير وانشاء الاحزاب المعارضة، واستقلالية القضاء والنقابات فضلا عن السلطتين التشريعية و التنفيذية، والكل يذكر كيف كان التلفزيون الجزائري ينقل السجالات السياسية، و يعري واقع تسيير السلطات المحلية، بل أثبتت كفاءة الجزائريين ومهنيّتهم، قدرتهم على مواجهة المحطة الاكثر تأثيرا في العالم CNN عام 1991، وفضحت بشكل مدوي عدوان الولايات المتحدة على العراق، ونقلت صور الضحايا المدنيين، كان ذلكم فصل آخر سطره الشعب الجزائري بقوة، مؤكدا قدرته على صناعة أحداث استثنائية ومفاجئة في محيطه الطبيعي.

 

هذه الملحمة المؤسسة على سابقتها، أثبتت لدى خصوم الجزائر غربا و كثيرا من الأنظمة العربية، أن جينات الشعب الجزائري تطغى على خصائصها الوراثية ميزة “الثورة” المفاجئة و التي تقلب بطبيعتها كل الموازين، ما اضطرها للعمل بشكل مضاعف على إفشال تجربة 1988-1992، وكان لها ذلك بتواطئ التيار الاسلاموي المتحكم حينها أكثر في الشارع من جهة، وتواطئ مع السلطة العسكرية المالكة لأسباب القوة من جهة أخرى، وعجزت بعض النخب السياسيةعلى وقف جموح المواجهة الدموية، التي قصدها عدو الجزائر كضربة قاضية؛ لكن أثبت مرة أخرى الشعب الجزائري تميُّزه الخطير، فمع أن الحرب الدامية التي أجبر على شرب كأسها المريرة، والتي امتدت على كل مساحة الوطن كسبع سنوات عجاف، أذيق فيها أبشع صور الجرائم تتجاوز ما يهتز له العالم اليوم، راح ضحيتها أكثر من 200 ألف مواطن، وانتهت بملايين اليتامى والأرامل وغيرها من الكوارث، التي لا يتسع المقال لتفصيلها، لم يفكر الجزائري فردا ولا شعبا لحظة واحدة في الاستنجاد بالخارج، ولا تأمل ساعة في فتح أبوابه للأجنبي، وكل محاولة تمت على استحياء بفرنسا وجدت حائطا مسدودا، كان هذا هدف القوى الخارجية ومطمعها لاقتسام الجزائر وتفتيتها، وهو الأمر الذي نراه اليوم عيانا لدى شعوب شقيقة عانت أقل بكثير مما عاينه الشعب الجزائري، وكم هو واهم من يتصور اليوم أن الغرب مع كثير من الانظمة العربية لم يسعوا ساعتها لاستحداث ثغرة في جدار الشعب الجزائري، هو فصل آخر على مأساويته خطّ فيه الشعب الجزائري آيات الصمود في أبهى صورها، ورسم واحدة من أجمل لوحات الخصوصية.

 

واليوم بعد مضي قرابة ربع قرن آخر على تلكم الأحداث، وسكون الشعب الجزائري وهدوء سطحه، هل يمكن لنا أن نتصور استسلامه لواقعه التعيس؟ فسادً نخر جميع مؤسسات الدولة، وكلها في حالة شلل تام، واقتصاد معطل وحركة تنمية مجمدة، ونهب المال العام بشكل فج، وطبقة سياسية أشبه بحال العاهرة سلوكا، وافلاس واضح في قطاع العدالة، في ظل استهداف الغرب المستمر لهذا الوطن العملاق، وفي ظل تطورات العالم العربي وما يشهده من تقلبات بالغة الخطر، هل فعلا الشعب الجزائري غائب الوعي والحس والقدرة على التغيير؟ خاصة و قد كان يعقد آمالا كبيرة، على نضوج السلطة الفعلية وضرورة اقتناعها بالتغيير السلس السلمي، الأمر الذي بدى منعدما مع رفع عقيرة بيادقها، بحتمية ترشيح رئيس مقعد يقترب من عقده التاسع.

 

إن المتأمل المنصف لتاريخ الشعب الجزائري، لا يمكنه إلا أن يتوقع فصلا جديدا قد يبدعه، ليس ربيعا عربيا وإنما فصل خامس، قد لا يخطر على بال أحد، كما لم تخطر ثورة 54 ولا 88 ولا صمود 92-2000، حتى و إن أنكر ذلك سلطته القائمة عليه الآن و أزلامها من الكتاب والمفكرين، والمستقبل القريب قد يجيب عن هذا السؤال الذي يراود الكثير. فصل خامس يسطر فيه هذا الشعب الأبي رائعة أخرى تتغنى بها الانسانية عقودا، إن غدا لناظره قريب.

فلاح جزائري.

ismailelkacimi@gmail.com

 

جريدة رأي اليوم  

شوهد المقال 1949 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

فيصل الأحمر ـ الحراك و"المابعدية" (أو حديقة الحيوانات الأيديولوجية )

 د. فيصل الأحمر    فجأة ظهرت فصائل كثيرة ناتجة عن الحراك المبارك في الجزائر وكلها تتبنى السابقة المغرية "ما بعد":*مابعد الثوري: وهو مثقف كهل ركب الحراك ثائرا
image

نوري دريس ـ حينما ترى أعين حشماوي أيدي المخابرات الخفية, وتعمى عن رؤية ألاف الشباب في الشوارع

د. نوري دريس  في حوار مع مجلة la Croix, يدافع عالم السياسة الجزائري محمد حشماوي عن اطروحة مفادها ان الاجهزة الامنية( المخابرات) هي
image

وليد عبد الحي ـ العالم الى اين؟ الحاجة للدراسات المستقبلية

 أ.د. وليد عبد الحي  لأن المستقبل يأتي قبل اوانه بفعل تسارع ايقاع التغير ، فان رصد وقياس حركة ومكونات الظواهر وبمنهجية كلانية(Holistic) اضحى احد مسلمات
image

السعدي ناصر الدين ـ الأربعة الذين تحكموا في مصير الجزائر قبل 1988

السعدي ناصر الدين    هــؤلاء الاربعــة كانــوا يتحكمــون في مصيــر الجزائــر قبــل احــداث اكتــوبر 1988.. الشاذلــي بن جديــد قــائد مسيــرة ضيــاع انهــاها بالسقــوط والبكــاء على
image

عبد الجليل بن سليم ـ النظام ..الخوف المرضي .. Macbeth و Shakespeare

د. عبد الجليل بن سليم  بالنبسة ليا مسرحية Macbeth ليست العمل المدهش لشكسبير لكن هي مسرحية على حسب فهمي من الاعمال العظيمة التي
image

مرزاق سعيدي ـ عاشق الأرض.. والنرجس

 مرزاق سعيدي    عاشق الأرض.. والنرجس*!أشعُر بالخوف على الطبيعة كُلّما صادفت في قلب العاصمة الجزائر أشخاصا يبيعون النرجس البري بأثمان ملتهبة، وخوفي لا علاقة له بالسعر
image

رضوان بوجمعة ـ القضاء المعطل.. الشعب المناضل والعدل المؤجل!

 د. رضوان بوجمعة   الجزائر الجديدة 162  هذه هي الثلاثية التي تصل إليها وأنت تحاول تلخيص أكثر من 15ساعة من جلسة محاكمة فضيل بومالة، أمس، بقاعة الجلسات
image

يوسف بوشريم ـ فضيل بومالة ضحية الأمية الإلكترونية

 يوسف بوشريم  من خلال وقائع محاكمة المفكر والمثقف الحر فضيل بومالة والتهم الموجهة إليه و(مصدر الأدلة) الموجودة في الملف أكتشفت أن المتهم الحقيقي من
image

العربي فرحاتي ـ الحراك..وانبعاث الاستئصال إلى الواجهة ...

 د. العربي فرحاتي  لم أقتنع لحظة واحدة ما روجه ويروجه ورثة الكاشير من النوفمبريين الباديسيين من أن الفكر الاستئصالي الدياراسي يكون قد فارق السلطة الحاكمة
image

نجيب بلحيمر ـ أنا فضيل بومالة .. باسم الحرية أحاكمكم

نجيب بلحيمر   ساعة علقت على حائط قاعة الجلسات الثانية بمحكمة الدار البيضاء كانت تشير إلى الساعة 12 و 17 دقيقة.. التوقيت الصحيح كان التاسعة إلا

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats