الرئيسية | إقرأ هذا الخبر | وثائق دير شبيغل تكشف التنظيم الهرمي لداعش بالتفصيل 2/2

وثائق دير شبيغل تكشف التنظيم الهرمي لداعش بالتفصيل 2/2

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

مخبأ ثان للوثائق

استمرت دولة حجي بكر في العمل دون مؤسسها، وأتى اكتشاف ملف آخر ليؤكد على دقة تنفيذ خططه نقطة بنقطة، عندما أجبرت الدولة الإسلامية على التخلي سريعًا عن مقراتها في حلب في يناير 2014 حاول مقاتلوها حرق الأرشيف الخاص بها ولكنهم واجهوا مشكلة شبيهة بتلك التي واجهت البوليس السري لألمانيا الشرقية قبل 25 سنة خلت: كان لديهم الكثير من الملفات.

بعض الملفات بقيت سليمة وسقطت بأيدي لواء التوحيد الذي كان أضخم مجموعة ثورية في ذلك الوقت، وبعد مفاوضات مطولة وافقت المجموعة على تسليم الوثائق لشبيغل من أجل حقوق النشر الحصرية، كل الوثائق ما عدا قائمة بأسماء جواسيس الدولة الإسلامية داخل لواء التوحيد.

وأظهر فحص مئات الصفحات من الوثائق نظامًا بالغ التعقيد يتضمن التسلل ومراقبة كل المجموعات بما فيها أفراد الدولة الإسلامية، واحتفظ المسؤولون عن أرشيف الجهاد بقوائم طويلة تبين أسماء المخبرين الذين تم زرعهم في ألوية الثوار والميليشيات الحكومية، كما دونوا أسماء جواسيس مخابرات الأسد  بين الثوار.

"كانوا يعلمون أكثر مما نعلم، أكثر بكثير"، هذا ما ذكره أمين عهدة الوثائق، كان بين تلك الوثائق الملفات الشخصية للمقاتلين، وتشتمل على رسائل مفصلة وطلبات التحاق من مقاتلين أجانب مثل الأردني نضال أبو عياش الذي أرسل كافة مراجعه الإرهابية وأرقام هواتفهم ورقم ملف قضية جنائية مرفوعة ضده، كما تضمن طلبه أيضًا هواياته وهي: الصيد والملاكمة وصنع القنابل.

أرادت الدولة الإسلامية معرفة كل شيء ولكن في نفس الوقت كانت تريد خداع الجميع فيما يتعلق بأهدافها الحقيقية، فعلى سبيل المثال أحد التقارير المكون من عدة صفحات يحتوي على قوائم دقيقة بجميع الذرائع التي قد تستخدمها الدولة الإسلامية لتبرير استيلائها على مطحنة الدقيق شمالي سوريا، ويتضمن تبريرات مثل اختلاس مزعوم وأيضًا التصرفات الشاذة عن الدين للعاملين فيها، أما الواقع - أن كافة المرافق المهمة إستراتيجيًا مثل المخابز الصناعية وصوامع الحبوب والمولدات سوف يتم الاستيلاء عليها وإرسال معداتها لعاصمة الخلافة غير الرسمية في الرقة - يجب أن يبقى سرًا.

مرة بعد مرة كشفت الوثائق عن النتائج المباشرة لخطط حجي بكر بالنسبة لإنشاء الدولة الإسلامية، مثلًا يجب السعى إلى الزواج من الأسر ذات النفوذ، كما تضمنت الملفات الموجودة في حلب قوائم لأربعة وثلاثين مقاتل يرغبون بالزواج بالإضافة إلى احتياجات منزلية أخرى، فأبو لقمان وأبو يحيى التونسي يلزمهم شقق، وأبو صهيب وأبو أحمد أسامة طلبا أثاث غرفة نوم، أما أبو البراء الدمشقي فطلب مساعدة مالية بالإضافة إلى أثاث كامل، بينما طلب أبو عزمي غسالة أوتوماتيكية.

الولاءات المتبدلة

ولكن خلال الشهور الأولى من عام 2014 بدأت وصية أخرى من وصايا حجي بكر في لعب دور حاسم: اتصالاته مع استخبارات الأسد التي دامت عقدًا من الزمن.

أصيب نظام دمشق بالذعر في عام 2003 بعد انتصار الرئيس الأمريكي آنذاك جورج دبليو بوش على صدام حسين خوفًا من أن تكمل قواته مسيرها نحو سوريا للإطاحة بالأسد أيضًا، لذا نظم ضباط الاستخبارات السورية على مدى السنوات اللاحقة نقل آلاف الراديكاليين من ليبيا والمملكة العربية السعودية وتونس إلى القاعدة في العراق، حيث دخل تسعون بالمائة من الانتحاريين إلى العراق عبر سوريا، وقد تطورت علاقة غريبة ما بين الجنرالات السوريين والجهاديين الدوليين والضباط السابقين العراقيين الذين كانوا يدينون بالولاء لصدام، مشروع مشترك لأعداء لدودين اجتمعوا مرارًا غرب دمشق.

وقد كان الهدف الأساسي في ذلك الوقت هو تحويل حياة الأمريكيين في العراق إلى جحيم، وبعد عشر سنوات أصبح لبشار الأسد حافزًا مختلفًا لإعادة التحالف إلى الحياة: فقد أراد أن يبدو أمام العالم أقل ضررًا من عدة شرور، وكلما كان الإرهاب الإسلامي أكثر بشاعة كان أفضل، لذلك فهو أهم من أن يتركه للإرهابيين، وعلاقة النظام بالدولة الإسلامية - كما كانت مع سلفها قبل عقد من الزمان - محددة ببراجماتية تكتيكية بالكامل، حيث يحاول كلا الطرفان استخدام الآخر على افتراض أن يبرز كقوة أعظم قادرة على دحر حلفاء الأمس السريين، وفي المقابل لم يمانع قادة الدولة الإسلامية الحصول على المساعدة من القوات الجوية للأسد على الرغم من كل تعهدات المجموعة بإنهاء الشيعة الكفرة، وقد بدأ سلاح الجو السوري في يناير 2014 بقصف مواقع الثوار ومقارهم بشكل منتظم وحصري خلال المعارك ما بين الدولة الإسلامية والثوار.

وخلال المعارك ما بين الدولة الإسلامية والثوار في يناير 2014 كانت طائرات الأسد تقصف بانتظام مواقع الثوار فقط بينما كان أمير الدولة الإسلامية يأمر مقاتليه بالامتناع عن إطلاق النار على الجيش، لقد كان ترتيبًا أصاب العديد من المقاتلين الأجانب بالذهول، فقد تخيلوا الجهاد بشكل مختلف.

وقد ألقت الدولة الإسلامية بكامل ترسانتها على الثوار وأرسلت من الانتحاريين إلى صفوفهم خلال بضعة أسابيع أكثر ممن أرسلتهم خلال السنة السابقة بأكملها إلى صفوف الجيش السوري، وبفضل المزيد من الغارات الجوية تمكنت الدولة الإسلامية من إعادة غزو المناطق التي خسرتها لمدة بسيطة.

ولعل أنسب مثال يدل على التحول التكتيكي للتحالفات هو مصير الفرقة 17 في الجيش السوري، إذ وقعت قاعدتهم المنعزلة قرب الرقة تحت حصار الثوار لأكثر من عام، لكن وحدات الدولة الإسلامية دحرت الثوار هناك واستعادت قوات الأسد الجوية قدرتها على استخدام القاعدة لتموين طلعاتها دون خوف من الهجوم.

ولكن بعد نصف عام سيطرت الدولة الإسلامية على الموصل وعلى مخزن ضخم  للأسلحة هناك، فشعر الجهاديون أن بإمكانهم مهاجمة من ساعدوهم في السابق. واقتحم مقاتلو الدولة الإسلامية الفرقة 17 وقتلوا الجنود الذين كانوا يحمونهم منذ فترة قريبة.

ماذا يحمل المستقبل

الانتكاسات التي عانتها الدولة الإسلامية خلال الشهور القليلة الماضية كالهزيمة في كوباني الكردية وخسارة مدينة تكريت العراقية أعطت الانطباع بقرب نهاية الدولة الإسلامية، وكأنها خلال جنون العظمة تمددت لأكثر من طاقتها وفقدت بريقها وهي الآن تتراجع وستختفي قريبًا، ولكن مثل هذا التفاؤل هو على الأغلب سابق لأوانه، إذ قد تكون الدولة الإسلامية قد فقدت العديد من مقاتليها إلا أنها واظبت على التوسع في سوريا.

وصحيح أن تجارب الجهاديين في حكم منطقة جغرافية معينة باءت بالفشل في الماضي، إلا أن ذلك كان في معظمه يعود إلى قلة خبرتهم في إدارة منطقة أو حتى دولة، وهذا بالضبط هو نقطة الضعف التي أدركها إستراتيجيو الدولة الإسلامية منذ فترة طويلة وتخلصوا منها، ففي دولة الخلافة بنى القادة نظامًا أكثر ثباتًا ومرونة عما يبدو عليه من الخارج.

قد يكون أبو بكر البغدادي هو القائد الرسمي إلا أنه من غير الواضح مدى النفوذ الذي يتمتع به، وعلى كلٍ عندما أراد مبعوث أيمن الظواهري الاتصال بالدولة الإسلامية اتصل بحجي بكر وضباط استخبارات آخرين وليس بالبغدادي، وقد تذمرالمبعوث لاحقًا من "تلك الأفاعي المزيفة التي تخون الجهاد الحقيقي".

وعلى صعيد آخر يوجد داخل الدولة الإسلامية هياكل دولة وبيروقراطية وسلطات، وهناك أيضًا هيكل قيادة موازي: وحدات النخبة إلى جانب القوات العادية، قادة آخرون إلى جانب قائد الجيش الصوري عمر الشيشاني، سماسرة السلطة الذين بمقدورهم نقل أوتخفيض رتبة الأمراء الإقليميين وأمراء البلدات أو حتى التخلص منهم حسب الرغبة.

بالإضافة إلى ذلك عادة لا يتم اتخاذ القرارات في مجالس الشورى التي تعد أعلى السلطات التشريعية، بل تتخذ القرارات من قِبل "أهل الحل والعقد" وهي مجموعة سرية اتخذت اسمها من إسلام العصور الوسطى.

هذا وبإمكان الدولة الإسلامية التعرف على جميع أشكال التمرد الداخلي وقمعها، وفي نفس الوقت يفيد نظام الرقابة المحكم في الابتزاز المالي لتابعيها.

ربما نجحت الغارات الجوية بقيادة الولايات المتحدة في تدمير حقول ومصافي النفط، ولكن لا أحد يحول دون استنزاف السلطات المالية لدولة الخلافة أموال الملايين من الأشخاص الذين يعيشون تحت سيطرة الدولة بواسطة الضرائب والرسوم الجديدة أو ببساطة عبر مصادرة الممتلكات، فالدولة الإسلامية تحيط علمًا بكل شيء من خلال جواسيسها ومن البيانات التي اختلستها من البنوك ومكاتب تسجيل العقارات ومكاتب صرف الأموال وهي على علم بمن يملك أية بيوت وأية حقول، وتعرف من يمتلك الخراف أو الكثير من المال، قد لا يسر ذلك الناس لكن ليس هناك مساحة كافية لتنظيم صفوفهم وحمل السلاح والتمرد.

وبينما يركز الغرب أنظاره على احتمالات الهجمات الإرهابية لم يعط سيناريو آخر حقه من الاهتمام: وهو الحرب الداخلية بين مسلمي السنة والشيعة، إذ قد يسمح هذا النزاع للدولة الإسلامية بأن تتحول من منظمة إرهابية مكروهة إلى قوة مركزية.

وقد وقعت الجبهات في كل من سوريا والعراق واليمن في هذا الشرخ الطائفي حيث يقاتل الشيعة الأفغان ضد الأفغان السنة في سوريا وتستفيد الدولة الإسلامية في العراق من همجية الميليشيات الشيعية الوحشية، وفيما لو استمر هذا النزاع الإسلامي الضارب في القدم في تصعيده فإنه قد ينتقل إلى دول متعددة الطوائف مثل المملكة العربية السعودية والكويت والبحرين ولبنان.

في هذه الحالة هناك احتمال أن تتحول دعاية الدولة الإسلامية عن قرب القيامة إلى حقيقة قد تجر معها دكتاتورية مطلقة باسم الله.

المصدر: دير شبيغل / ترجمة صفحة الثورة السورية

شوهد المقال 2124 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

رشيد زياني شريف ـ التحريض مثل السياسة، ليس جريمة، بل فرض لأنقاد البلاد من منظومة الإفساد

د. رشيد زياني شريف   كلنا يتذكر قبل حراك 22 فبراير 2019، وطيلة احتجاجات المواطنين على مر سنوات عديدة، تنديدا بالظلم وسوء الظروف المعيشية والحقرة، والمطالبة
image

محمد هناد ـ علاقات الجزائر بهذا الكيان " الإمارات " تحتاج لإعادة نظر جادة

د. محمد هناد  نظرا إلى المنحى الذي اتخذته سياسة دولة الإمارات الاجتياحية منذ سنوات، أصبحت علاقات الجزائر بهذا البلد في حاجة إلى إعادة نظر
image

جباب محمد نور الدين ـ عصام العريان والإسلام المأمول

د.جباب محمد نور الدين   الجنرالات لما يستولون على السلطة يحولون الوطن إلى اكبر ثكنة، لكن جنرالات العالم العربي حولوا هذا "
image

حميد بوحبيب ـ لا لتكميم الأفواه لا لإسكات الأصوات الحرة الحرية لخالد درارني

 د . حميد بوحبيب  خالد درارني، من ذلك النوع من البشر، إذا لقيتهم مرة واحدة في حياتك، سيبقى مطبوعا في ذاكرتك ووجدانك إلى الأبد.المرة الأولى التي
image

السعدي ناصر الدين ـ حاماغير القاعدة الفضائية بمنقطة العبادلة بشار ابان الاستعمار

 السعدي ناصر الدين  في مثل هذا الوقت من العام 1967 تفقد اول وفد علمي جزائري قاعدة "حاماغير" الفضائية الفرنسية بمنطقة العبادلة في ولاية بشار.. المحطة
image

رضا دغبار ـ سوق النخاسة السياسية !!!!

د. رضا دغبار   -حينما كانت حناجر أبناء الشعب منذ أزيد من سنة تصدح ب "رقية" السلطة... تقول، تكرر و تنادي "إرحلي
image

طيبي غماري ـ الانانية التي تمنع اي تفكير عقلاني " حول الدكتوراه والماستر "

 د. طيبي غماري  بعد التصريح الغامض لمجلس الوزراء حول الدكتوراه والماستر انفجرت صفحات التواصل الاجتماعي بسيل من التعاليق والتحليلات التي يجمعها قاسم مشترك هو
image

نجيب بلحيمر ـ دخان الأرقام لخنق حرية الصحافة

نجيب بلحيمر   قبل أيام جاء العربي ونوغي بأرقامه وكشف عن مبالغ تصفها "بقية" الصحافة بأنها خيالية، وبدل أن يتحدث عن الوكالة التي يديرها، والتي يقول
image

عثمان لحياني ـ الرئيس..قائدا للحراك متظاهرا في القصر

عثمان لحياني  الرئيس قفز من سفينة النظام وتقدم الآن الى الصف الأول للحراك ، تموضع بحيث يصبح قائدا للقطار ومحددا لخط سيره، قاد
image

كتاب جديد في ترميم البنايات التراثية

 زهوان عبد المؤمنتضع درار النشر والتوزيع إدليس بلزمة المتواجدة بعاصمة الاوراس باتنة شرق الجزائر اللمسات الاخيرة على إخراج وتدقيق إصدار جديد للإعلامي الجزائري  والباحث في

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats