الرئيسية | فضائح الوطن | صلاح باديس ـ كُلّنا ضِدَّ الجلّاد... ولا أحدَ مع الضحية ..سجناء التسعينات ..

صلاح باديس ـ كُلّنا ضِدَّ الجلّاد... ولا أحدَ مع الضحية ..سجناء التسعينات ..

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

 صلاح باديس 

 

بالصُدفة... وصلني رابط فيديو تتحدّث فيه امرأة شابّة عن والدها السّجين منذ تسعينات القرن الماضي. "سُجناء التسعينات" هذا الموضوع الذي اكتشفه الكثيرون من أبناء جيلي مع الحراك الشعبي. حيث لم يكُن، بالنسبة لي، أمرًا واضِحًا. سمعتُ فقط منذ سنوات، أنّ ابن إحدى العائلات التي كانت تسكن في حي جدّتي، خرج من السّجن بعد أن دخله مُراهِقًا بتهمة الانتساب لجماعة إسلامية، قالوا أنّه قضى قُرابة العشرين عامًا هناك. لم أحاول أن أفهم، أو ربما كان هذا يفوق قُدرة فهمي. وغالبًا ما كُنتُ أصّنِفُه في لاوعيي بأنّه من نتائج الحرب التسعينية. هنالك أمور كثيرة تحدثُ في الحروب. لكن بعد الحراك، خرج الجزائريون مُجدّدًا إلى الشّمس، ورأينا كل المسكوت عنه، وكل ما تناساه المجتمع عامِدًا ورماه في الظّل... أمّهات المفقودين... أهالي المسجونين... معطوبو مكافحة الإرهاب... وآخرون، خرج كل من كانوا يعيشون كالأعراف: بين الجنّة والنّار.

بدأت بمشاهدة الفيديو الذي كُتِب فوقه "شاهد ابنة السجين رحموني مصطفى التي أبكت الجميع بشهادتها". تساءلت عن سبب سجن الرجل، هل كان في الجبهة الإسلامية للإنقاذ؟ ماذا حدث؟ منذ بداية الفيديو الذي يدوم 10 دقائق. منذ الدقيقة الثانية شعرت بالانزعاج. يوجدُ شيءٌ في الفيديو يُقلِق. كلمات المرأة الشابة وشهادتها، وصوتها، الكلمات الآتية من بعيد. من اللاوعي، من ذلك المكان الذي نرمي فيه ما لا يُعجِبنا وما يؤلِمُنا أيضًا. دخلت إلى صفحتي في الفيسبوك أبحثُ إذا ما كان أحد الأصدقاء –الافتراضيين- قد شارك الفيديو على صفحته. دخلتُ إلى صفحة الرجل الذي شارك الفيديو فوجدت فيها صُورَ السّجناء... القدامى والجُدد، سُجناء التسعينات وسُجناء الحراك.

صوتُ المرأة الشابّة بقي في رأسي، قرأتُ اسم والدها مرّة أخرى. وفجأة عادت إلى ذهني الصورة. فتاةٌ سمراء في سِنّ المراهقة، بين 12 و14 سنة، تلبسُ حِجابًا أصفر (أصفر بلون الموتارد) وتأكل الشيبس في ساحة المتوسطة. ابتسامة أو ضحكة. مُقوّمُ أسنان (لست متأكّدًا !). أصبُعٌ يرتفع ليشارك في القسم. إكرام !! نعم هذا هو الاسم. بحثت مرّة أخرى عن اسم والدها في فيسبوك، فوجدت نفس الفيديو، نشره حسابٌ آخر يقول فيه أنّ اسم المرأة الشابة هو إكرام وأن والدها ابن مدينة الرغاية. أعود للفيديو أسمع صوتها، أرى الرجال الحاضرين، كبار بلحاهم البيضاء ينحنون في جلستهم ويخرجُ أنين بكاءهم المكتوم. تحكي كيف تركها والدها وهي ابنة 9 شهور، أختها الكبرى عمرها 4 سنين، والدتها كان عمرها 25 سنة عندما دخل زوجها السجن. 25 سنة وثلاث بنات.

لم تعرف أبدا إكرام رائحة الأب، عندما عانقت إكرام والدها للمرّة الأولى اكتشفتها مثل من اكتشف بعينيه الألوان لأول مرّة. إكرام رحموني، نعم أذكر هذا الاسم جيّدا، كانت زميلتي في السنوات الأربع التي قضيتها في المتوسطة بالرغاية (شرق العاصمة). لم نكُن مقرّبين، ولكننا كُنّا نعرف بعض بحكم أنّنا درسنا في نفس القسم. فجأة تُطِلُّ عليّ إكرام في فيديو وقد صارت امرأة، وأعرف بالصّدفة أنّ والدها مسجون منذ سنة 1994، ومحكوم عليه –من طرف المحاكم الخاصّة، حسب ما ذكر مقال لصحيفة الأمّة الإلكترونية- بالإعدام ! ولكنّه لم يُنّفَذ فيه، ولا في مساجين آخرين. (حسب ما قرأته آخر مرّة نفّذت الجزائر حُكم الإعدام كان سنة 1993).

عِشتُ في لحظات سنوات كاملة من المراهقة. أسمعُ كلام إكرام في الفيديو. أسمعُ صمودها في كلماتها وصوتها، وأشاهد انهيار من في القاعة بُكاءً وحسرةً. أتذكّر كل السنوات التي قضيناها في المتوسطة. وأعيشُ وأنا جالِسٌ أشاهد الفيديو، أسمعها وهي تقول أبتي، أحاول –عبثًا- تذكّر موقفٍ غضبت فيه إكرام في القسم، أو خلال فترة دراستنا، أو ربما حزنت بخصوص شيءٍ مثل عيد الأب أو أي ذِكرٍ للأب. والو، لا أتذكّر شيئا، ولا أظن أن الفتى الذي كُنته كان لينتبه لشيء كهذا؛ أمّا هي فأتصوّر أنها كانت تنتبه لكل شيء. عاشت منذ وعَت على هذا العالم والحِمل على ظهرها. ابنة السّجين. كانت تعرفُ القصّة التسعينية التي سنُكوِّن، نحن زملاؤها، عنها رأينا لاحقا عندما نكبر. رأيًا منقوصا ومُتحَزٍّبًا، يُشبه رأي آهالينا وذاكرتهم، أو قد ينقلبُ بعضنا على آبائه مثل الصديقة التي كان والداها يُعرِّفان التسعينات كحربٍ على الإرهاب وفقط، هنالك الخيّرون ويقابلهم الأشرار، وعندما سافرت إلى فرنسا ودرست علم الاجتماع ودرست التاريخ وحاولت بناء رأيها الخاص... توصّلت إلى نتيجة مُخالفة لما حكاه لها والدها، وعندما لتُواجهه برأيها عن التسعينات وما حدث... صُدِم الوالد وقاطعها لأيام.

عرَفتْ إكرام، زميلتي السّابقة في المدرسة، خريطة بلدها عبر زيارتها للسجون المختلفة التي بقِي فيها والدها، في رحلات الشّتاء والصّيف، مُنِعت إكرام من إدخال صُوَرِ ابن أختها لوالدها. مُنِعت من إدخال القفّة لوالدها لأنّه محكوم عليه بالإعدام. وكُلّما ألِفَت عائلتها الطريق لسِجنٍ ما... تغيّر السّجن. تساءلتُ لماذا لا يتحدّث الإعلام عن هؤلاء؟ لماذا لا تُغطّي الصحافة هذه القصص؟ أين الحيادية؟ لماذا لا تُغطي الصحافة المولودة من رحم التسعينات هذه القصص وتترك للرأي العام وللمحاكم أن تحكم... الصحافة تنقُل فقط، المفروض يعني. لكن الصحافة في وادٍ آخر، غارقة في الطين لا تستطيع منه فِكاكًا. لكن لماذا لا يشارك الناس على نطاق واسع هذه الفيديوهات والصور؟ صورو وفيديوهات أهالي الضحايا والمفقودين والمسجونين؟ ألأنها ليست جميلة مثل بعض صور الحراك الملونة التي ذكرتنا بأن هذا الشعب يمكن أن يكون جميلا أيضا؟ ما ديكتاتورية الصورة هذه؟

رأيت الكثير من المواطنين يفرحون "لتغير" الحكام عن حكام التسعينات، يقولون بأن من خطط للتسعينات صار في السجن وأبعد عن الحكم... نعم الجميع ضد الجلاد (وهل يوجد جلاد واحد؟) ولكن من يقف مع الضحية؟

عالمٌ غريب هو عالم التسعينات، البعض لا يعرف عنه شيئا والبعض الآخر يعيش حسرته وحُزنه كل يوم. البعض فقد فيه والده، مثل زميلنا السّابق –في نفس القسم- ص. م والذي فقَدَ والده العسكري في جبال سطيف. ومثل أستاذ طاهر، في نفس المتوسطة، المسؤول عن المخبر والذي رأى والِده يُذبحُ أمامه. وأنا –ربما الأكثر حظًا فيهم جميعا- من خُطِفَ قريبي الشاب العسكري الذي كان في زيارة لأهله، من أمام والدته ولم يظهُر أبدًا. وآخرون كثيرون، في متوسطتنا وبلدتنا، وسائر مُدن البلاد. هل أشعرُ بالامتنان لأنّنا، ورغم كل ما حصل، استطعنا أن ندرس في قِسمٍ واحد ونركب نفس القطار ونعيش في نفس الجوار ولم نتقاتل ونثأر، أم أتحسّر لأنّنا نعيشُ كل واحد بحزنه وقهره وحسرته معزولًا عن الآخرين، مُتناسِيًا قصّته؟

التسعينات كانت دائمًا هُنا ولكنّ "الجُرح كان يجب أن يُغلق" كما يقول البعض، لم يكُن مُهِمًا كيف يُغلق... المهم أن يُغلق حتى وإن تعفّن وبقي كذلك. جاء بوتفليقة وراح بوتفليقة، شوية قوانين وشوية خطابات ولا شيء تغيّر. لا لأبناء الضحايا ولا لأمّهات المفقودين ولا لأبناء مساجين المحاكم الخاصّة. تقول إكرام أنّه، وخلال الحراك الشعبي، سمعوا أكثر من مرّة أنّه سيُطلق سراح هؤلاء المساجين. ربطوا الأمل على اليأس ولكن لا شيء.

قد يقول قائل، مُحاولًا قطع الطريق على التساؤلات (ونحن في الحقيقة لا نفعل سوى قطع الطريق على بعضنا البعض في مساءل التسعينات، أو الحرب الأهلية كما أسمّيها ويرفض الكثيرون هذه التسمية)، قد يقول: وماذا عمّن فقدوا أباءهم ولم يعرفوهم أصلا؟ أقول، ولست بقاضٍ ولا قبّاض أرواح: هم أيضا ضحايا، هم أيضا لحمُ هذا الشعب، وهم أيضًا يُمّسِّدون بأناملهم على صُورٍ قديمة بالية لوجوه الآباء الغائبين.

اسمي صلاح، عُمري 25 عامًا، وكذلك زميلتي السّابقة إكرام رحموني، وهو أيضًا –بالتقريب- عددُ سنوات سِجن والدها المحكوم عليه بالإعدام، وهو أيضًا –تقريبا... تقريبا- نِصفُ عُمرِ استقلال هذي البلاد المُسمّاة الجزائر... ورُغمَ ذلك، وفي هذه السنوات القليلة، هنالك من عاشوا دُهورًا من الظُلم والعذاب.

الفيديو 

 https://www.youtube.com/watch?v=9mzuq1KxpH8&t=390s

شوهد المقال 923 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

علي سيف الرعيني ـ الجابري الشاعر اليمني شاعرالارض والانسان

علي سيف الرعيني   الشاعرالجابري هوالأكثرتميزا شنف اذاننا بقصائده بمختلف اللهجات اليمنية نحن نتكلم عن الانسان المغرم بحب الارض والانسان ، لديه كتاب في علم العروض طريقة
image

ناصر جابي ـ هل صحيح أن الجزائر مقبلة على دخول اجتماعي وسياسي مضطرب؟

د. ناصر جابي  هذا ما توقعته مؤسسات دولية مختصة في دراسة الأزمات (كريزيس قروب) crisis group- ووكالة بلمبيرغ التي عادت للاهتمام بالوضع في الجزائر
image

نجيب بلحيمر ـ حديث المؤامرة

نجيب بلحيمر   في الصفحة الرسمية لرئاسة الجمهورية على فيسبوك نقرأ بيانا جاء فيه: "أمر اليوم رئيس الجمهورية السيد عبد المجيد تبون، الوزير الأول بفتح تحقيق
image

طارق السكري ـ اليمن خارج التعاطف

  طارق السكري  " نحن في نظر الدولة : خارجون على القانون . محل ريبة وعرضة للملاحقة أو النفي أو السبي . أو قبيلة من
image

خديجة الجمعة ـ عالم آخر

خديجة الجمعة   أنا وحدي عالم آخر لاأعرف نفسي، أينما ذهبت. فقد أكون موسيقى تعزف على وتر؛مرهفة الحس. وقد أكون في لحظة ما  تلك الصلبة التي لاتهزها
image

عادل السرحان ـ ماذا أُهديكِ يا بيروت

عادل السرحان                ماذا أهديكِ يابيروت سوى الكلمات ماذا أهديك وقد شُرِعَتْأبواب  الوطنِ  للسراق وللراياتهم ذبحوا كل الثورات هم كسروا كل الناياتْواغتالوا ألقَ الماضي وزهوَ  الحاضرِ والآتْماذا أهديكِ سوى الدمعاتفالدمعُ  كثير في وطني والجُرحُ
image

حميد بوحبيب ـ سيد الحماقات

د. حميد بوحبيب         للطبيعة حماقاتها... غديرٌ يتهادى رقراقا بين السهول ثم يغورُ فجأة في رحم الأرض ولا يعود إلى الظهور !
image

عثمان لحياني ـ موت السياسة في الجزائر

عثمان لحياني  مستوى السلطة السياسية كان أرقى بكثير في العقود السابقة، على الأقل كانت تعتمد نظرية المؤامرة عندما يتعلق باحداث أكثر جسامة ،كانتفاضة كأكتوبر
image

عبد الجليل بن سليم ـ فيروس COVID 19 علاقته مع الأصحاء، قلق الخوف

 د. عبد الجليل بن سليم  الان الكل و دون اسثناء يعرف مادا يفعل الفيروس بالذي أصابه لكن ماذا يفعل الفيروس بابالاضافة إلى العزلة و الحجر
image

مروان الوناس ـ الإشهار وسيلة ابتزاز النظام للصحافة الجزائرية

 مروان الوناس  منذ ربع قرن على الأقل كل المشتغلين في حقل الصحافة والاعلام يعرفون أن الاعلانات الحكومية التي توزعها شركة النشر والاشهار

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats