الرئيسية | عين الوطن | موتة القذافي لم تنقذ شرف الطغيان العربي .. بقلم مدير التحرير .

موتة القذافي لم تنقذ شرف الطغيان العربي .. بقلم مدير التحرير .

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image
      


ـ سألني بعض الأصدقاء عن رأيي في الطريقة التي قتل بها الليبيون زعيمهم معمر القذافي ، وأخبروني أنها تتنافى مع تعاليم ديننا الإسلامي الحنيف سواء الخاصة بعمالة الأسرى ، أو الخاصة بحرمة الجثث ...

لكنني رفضت التعليق عن الأمر ، لأنني في جميع الحالات لا أعيش نفس الحالة النفسية التي يعيشها المواطن الليبي الذي  قتل القذافي من عائلته أفرادا كثيرين ، ولا أظن أنني امتلك حق تجريم هذا المواطن الذي هو في النهاية تربية القذافي ، وصنيع القذافي ، وإن كان لنا أن نجرم أحدا من الليبيين الذين قتلوا القذافي بطريقة تتنافى مع تعاليم ديننا الحنيف وتتعارض مع قيم الإنسانية ، فإنما يجب أن نجرم القذافي ميتا ، لأنه هو الذي لم يرب مواطنيه على هذه الأخلاق ، غنما رباهم على أخلاق القمع والقتل والتنكيل والترويع والترعيب ، ولذلك فلا غرابة أن يكون الليبيون أوفياء لتربية قائدهم وهو ميت ..

من أهم الأعمال التي شاهدتها للمخرج البريطاني الشهير ألفريد هيتشكوك ، عملا ينطبق تماما على طريقة تعامل أنظمتنا العربية مع شعوبها ، وهو عمل يصور نهاية رجل على أيدي قرده .. فهذا الرجل حاول أن يجعل من قرده عبقريا ، لقد حاول أن يجعل منه بشرا يستطيع أن يقوم بجميع الأعمال التي يقوم بها الناس ، لكنه في خضم الطريقة التي كان يتبعها في تعليمه لتحويله إلى إنسان ، أهمل الجانب الإنساني وركز على العنف والقهر كي يعلمه جميع المهارات ، وقد كان يستعين في هذه التربية بتمساح جائع عملاق ، فكلما أخطا القرد في تعلم إحدى المهارات جاء به وقيده إلى شجرة بجانب البركة التي كان التمساح مسجونا في جانبها الآخر ، ثم يقوم بتحرير التمساح فينطلق مسرعا نحو القرد محاولا التهامه ، وكلما اقترب التمساح أكثر زاد رعب القرد وخوفه ومحاولاته فك قيده للهرب ، وعندما يصبح التمساح على بعد خطوة واحدة ، ويتمكن الرعب من أوصال القرد ، يرفع الرجل بندقيته ويصوب الرصاص بدقة نحو الحبل الذي يربط القرد إلى الشجرة ، فيقطعه وبالتالي يسمح للقرد بالهرب بعد أن يكون استوعب الدرس جيدا ، وهكذا تكرر العملية كل يوم وكل أسبوع وكل شهر وكل سنة ، إلى أن تعلم القرد  كل شيء ،فصار يجيد العزف على البيانو ليطرب صاحبه ، وصار يجيد إعداد العام ، وتشغيل جهاز التلفزيون وجهاز الكمبيوتر ، وقيادة السيارة ، وكي الملابس ، ولعبة الورق ولعبة الدومينو ، والاعتناء بالحديقة ووو لقد صار القرد مؤهلا ليصبح إنسانا فتتحقق بذلك نظرية داروين ، وتسقط كل النظريات التي تنتقدها وتعاديها .. لكن بقي شيء واحد لم يتعلمه القرد ،وكان يجب أن يتعلمه حتى تكتمل إنسانيته  .. لقد أسرع إلى صاحبه وقيده عند نفس الشجرة التي كان يقيده إليها ، ثم أسرع نحو التمساح الجائع العملاق ، وحرره من سجنه ، فأسرع التمساح نحو الرجل المقيد ، وحمل القرد البندقية في انتظار اقترابه من صاحبه أكثر ، وزادت سرعة التمساح أصبح على بعد خطوة واحدة ، رفع القرد البندقية وأطلق الرصاصة ، لكن الرصاصة لم تصب الحبل ، لقد أصابت رأس صاحبه فأردته قتيل .. وكان هذا هو الدرس الذي لم يتعلمه القرد من صاحبه .تماما كما يحدث مع الشعوب العربية اليوم وحكامها ، هنالك درس لم يعلمه حكام العرب لشعوبهم ، فكان سبب الانقلاب عليهم وسبب نهاياتهم المأساوية .

ـ كل الطغاة العرب أثبتوا أنهم جبناء حين اقتربت نهايتهم ، وقد كان جبنهم فضيعا لدرجة أنهم لوثوا شرف طغيانهم وحقروه ومسخوه وسفهوه وتفهوه . لقد أرسل موت صدام حسين قبل 05 سنوات ، وموت معمر القذافي قبل ساعات رسائل إلى الشعوب العربية ، مفادها أن الذين يحكومنهم أجبن من أن يرهبوهم ، إنهم أجبن من الفئران ، إنهم أكثر المخلوقات خوفا ورعبا برغم كل تجبرهم وتسلطهم وقمعهم للشعوب ، إن أغلب الظن أنهم لا ينامون في تلك القصور الشاهقة التي تسر الناظرين ، ولكنهم يحفرون لأنفسهم جحور ينامون فيها بعيدا عن الأعين ، حتى أعين أكثر المقربين منهم ، لأن جبنهم أكبر من أن يعزز الثقة بينهم وبين زوجاتهم ، فكيف بتعزيزها بينهم وبين شعوبهم ؟؟

ـ المشهد اليوم كله جحر كبير يسكنه ملوك العرب وسلاطينهم وأمراؤهم وزعماؤهم ، جحر يثير الشفة ، ويمني النفس بوجود طاغية عربي واحد يمتلك القليلة من الشجاعة التي تسمح له بمواجهة الموت الذي كان يرسل به إلى الناس كما يرسل ميسي الكرات في شباك الحراس .

ـ اصدق من يمثل جبن الحاكم العربي اليوم هو المهلهل ابن ربيعة بطل حروب الباسوس ، فرغم كل القدرة التي كان يمتلكها في إرسال الموت للآخرين في كل معركة ، إلا أنه حين واجه الموت لم يستسلم له بشجاعة ، فخدع خصمه الحارث ابن عباد حين أخفى عنه هويته حتى يتعهد بعدم قتله وبعد ذلك يخبره ، ويغدر بخيرة أصدقائه ( امرئ القيس بن آبان ) الذي رشحه ليقتص منه مكانه ، ثم يقضي بقية عمره عاجزا عليلا سقيما نادما ، متمنيا لو أنه كان يمتلك نصف شجاعة خصمه جساس الذي استعجل الموت وطلبه .

كنت أتمنى لو أن طغاة العرب استقبلوا الموت ولو بالطريقة التي استقبل بها طغاة الغرب موتهم ، في العام 1989 استقبل طاغية رومانية نيكولاي تشاوسيسكو وزوجته إلين موتهما بطريقة تثير الاحترام ، عندما فشلا في الهرب لم يختارا جحرا للاختباء فيه ، لقد ظلا محافظين على أناقتهما ووقارهما حتى لحظة تنفيذ حكم الإعدام فيهما .

ـ الزعماء العرب استنفذوا جميع الخيارات التي كانت متاحة أمامهم قبل الثورات وأثناء الثورات وبعد الثورات أيضا .

فقبل الثورات كان يمكن لهؤلاء أن يحكموا شعبهم بقليل من العدل والتقوى والثقة ما شاء الشعب لهم ، ثم ينصرفون دون أن يلحقهم أذى ، وقليلون من فضل هذا الخيار ، ففي الجزائر مثلا استقال الشاذلي بن جديد بعد أن شعر أن يده ستتلوث أكثر بالدم وفضل أن يترك الحكم ولو للعصابة التي كانت تحيط به على أن يستمر في قتل الشعب ، وفي الجزائر أيضا فضل اليامين زروال أن ينسحب من الحكم قبل نهاية عهدته الرئاسية لأنه أدرك أن مافيا الحكم أقوى من أن تتركه يمارس صلاحياته الدستورية بكل حرية ، لكن الرئيس عبد العزيز بوتفليقة وبغض النظر عن الطريقة التي يحكم بها الجزائر ، وحتى ولو افترضنا أنه فيها شيء من العدل والتقوى والثقة ، فإن الرئيس بوتفليقة لم ينصرف بعد أن حكم ما شاء له الدستور ، ولكنه راح يعدل هذا الدستور حتى يخول له الاستمرار في الحكم ، وقد تم تعديل الدستور سواء برغبة من بوتفليقة أو برغبة من بطانة السوء التي تحيطه ، فكانت هذه العهدة الثالثة له وبالا على شعبيته ، وربما على الجزائر برمتها ، ورغم أننا لا نعلم ماذا سيكون خيار بوتفليقة لو أن الشعب خرج إلى الشوارع وطالب منه التنحي ، لكن التجارب الليبية والسورية والمصرية والتونسية والبحرينية واليمنية ، تؤكد أن فكرة التنحي ، تعني فيما تعنيه الحكم على الآلاف من المواطنين الذين يتبنون هذه الفكرة بالموت ، ولو أن الرئيس التونسي والمصري والليبي استجاب بالأمس لمطالب الشعب لما كان مصيرهم ذلك الذي كان ، ولو ان الرئيس اليمني والسوري والملك البحريني تقبلوا اليوم فكرة التنحي استجابة لمطالب الشعب ، دون أن تسقط آلاف الأرواح ، لما اضطر هؤلاء للتفكير في جحور يختبئون بها غدا حين يحين موعد لقائهم مع الموت ، لكن هؤلاء لا يعتبرون ، ولو بقي هنالك بلد عربي واحد هو آخر من تصله ثورة الشعب ، ولو أن رئيس هذا البلد العربي شهد أمامه نهاية كل الزعماء والملوك العرب بنفس الطريقة التي تؤدي إلى الجحر أولا ثم إلى القتل ، ثم إلى التمثيل والعبث بجثته ، فغنه لن يتعض ولن يعتبر ، ولن يقبل بفكرة التنحي عن الحكم ، وسيصف كل من يطالبون برحيله بالعمالة وبالتواطؤ مع القوى الأجنبية ، وسيحل دم كل من يتظاهر أو يعتصم ، وسيدفع بالآلاف من جنوده للدفاع عنه حتى آخر قطرة من دمائهم ن وحين يبيد الجميع من جند وشعب ، ويدمر كل البلد ويحرقه ويجد نفسه في مواجهة الموت فإنه سيبحث له عن جحر يعصمه ، حتى وإن كان هذا الجحر لا يتسع لفأر ، بعد أن كانت كل البلاد تتسع له مهما ضاقت عن حقوق الملايين وعن حريته وكرامتهم .

                                                   مدير التحرير

        

شوهد المقال 6112 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

جباب محمد نور الدين ـ السير في الاتجاه المخالف و المسدود

د. جباب محمد نور الدين  قبل سفري إلى الشرق وإقامتي المؤقتة فيه للدراسة ،كنت قد قرأت عن الاستبداد الشرقي كما وصفه "هيغل" وبعده
image

مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان يدعو الجزائر إلى إنهاء استخدام العنف ضد المتظاهرين المسالمين

أعرب مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان عن القلق البالغ بشأن تدهور وضع حقوق الإنسان في الجزائر واستمرار وتزايد القمع ضد أعضاء الحراك المنادي
image

عثمان لحياني ـ انتزاع حق التظاهر و أحزاب الحراك في سجون الداخلية

عثمان لحياني  الثورات لا تطلب رخصة، حراك انتزع حق التظاهر انتزاعا، تقر به السلطة الآن بعد أن نجح الحَراك في امتحان العودة الى الشارع.الحراك مثّل مدرسة
image

وليد عبد الحي ـ البابا فرانسيس: هل جئت العراق تطلب نارا ام تشعل البيت نارا

أ.د.وليد عبد الحي التغطية الاعلامية التي حفلت بها زيارة البابا فرانسيس الى العراق اليوم بخاصة من قناة تقدم نفسها على أنها قناة "المقاومة" تكشف
image

نجيب بلحيمر ـ على طريق "استحالة الحكم"

نجيب بلحيمر  الشارع لا يقيم وزنا لما تقوله "نخب" العالم الافتراضي، وحملات الدعاية والتضليل بلا أثر عليه، هذه خلاصة واضحة يمكن أن يراها كل من تابع
image

نوري دريس ـ السلطة الجزائرية واستمرار سياسة الإنكار

د. نوري دريس  للاسبوع الثالث علي التوالي, خرج الالاف من الجزائريين الى شوارع المدن للتعبير عن رفضهم لنمط تسيير الدولة الحالي, والمطالبة بببناء دولة القانون.
image

رضوان بوجمعة ـ استمرار الضغط الشعبي وغياب العقل السياسي

د. رضوان بوجمعة  الجزائر الجديدة 197 دخل الحراك الشعبي السلمي، اليوم، جمعته الثانية من عامه الثالث، ورغم كل هذا الوقت الذي مر، لايزال الإصرار الشعبي من
image

خديجة الجمعة ـ الرحيل

خديجة الجمعة  احتاج إلى الرحيل عن العالم؛ والغوص بالأعماق . أعماق الروح، لأن لاأفكر بأحد، لأن أحب ذاتي ، لأن أعشق وجودي في الكون. نعم قرأت
image

عز الدين عناية ـ الكنيسة في العراق

عزالدين عنايةأعادت الأوضاع المتوترة التي تعيشها منطقة الشرق الأوسط في السنوات الأخيرة، لا سيما في العراق وسوريا، تحريك مسألة الأقليات والطوائف في الأوساط الدينية والسياسية
image

بوداود عمير ـ "أبي، ذلك القاتل" من أدب الإعتراف جرائم فرنسا في الجزائر ثييري كروزي

بوداود عمير  هناك بعض الأعمال الأدبية تبدو مرتبطة "بالذاكرة"، تتضمن شهادات إنسانية مؤثرة، تشرح التاريخ في بعده الأخلاقي والإنساني، من عمق الواقع."أبي، ذلك القاتل": كتاب صدر

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

5.00
Free counter and web stats