الرئيسية | عين الوطن | الجزائر : من حكم "الجنيرالات" إلى حكم "الكابرانات"*

الجزائر : من حكم "الجنيرالات" إلى حكم "الكابرانات"*

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image
   

ـ مؤسف جدا هذا الوضع الذي وصلت إليه الجزائر ، وضع من الطبيعي أن يصل إليه أي مجتمع حين يحكمه الأميون والجهلة والأغبياء / والجزائر بحمد الله حكمها كل هؤلاء ولازالوا يحكمونها ، طبعا أنا لا أتحدث عن رئيس الجمهورية ، السيد عبد العزيز بوتفليقة ، لأنه والحق يُقال واحد من أذكى قادة العالم ، وأكثرهم ثقافة ، لكن مع الأسف الشديد ، فإن رئيسنا مصاب بمرض آخر ، هو مرض جنون العظمة ، ولأن رئيسنا مصاب بهذا المرض فإنه من الصعب أن يفسح المجال أمام الأذكياء والعباقرة والمبدعين كي يحكموا الجزائر ، فيشاركونه عبقريته وذكاءه وعظمته ، إنما فقط يفتح الأبواب لمن يمجدونه ويمدحونه ، ويوهمونه أن الغيث لا ينزل إلا بإذنه ، من أمثال ولد عباس وبركات وتو وبلخادم وبونجمة الطاكسيور وغيرهم . وبلد يحكمه هؤلاء من الصعب ألا ينزلق للهاوية .

منذ مدة جمعتني الصدفة بمسؤول جزائري كبير ، سألته عن أكثر الأخطار التي تهدد مستقبل بلادنا ، فأجاب هذا الكبير بدون تردد ، إنه الجفاف ..

الواقع أنني حين سمعت هذا الجواب بحثت عن عقلي فلم أجده ، ربما عاد بي إلى أكثر من 15 سنة خلت ، عندما كنت في أول عهدي بالصحافة ، فحاولت لأن أجري حوارا صحفيا مع فنان تشكيلي أمي ، وعندما سألته . لو لم تكن فنانا ، ماذا كنت تتمنى أن تكون ، فأجابني أيضا وبسرعة البرق .. تاجر .

كم هو مظلم هذا الواقع الجزائري ، أو أنه جاف جفاف عقول الذين يحكموننا .. وليس جفاف الطبيعة الذي طوعته الأمم التي لايحكمها الأغبياء ، فغصبح يمطر ذهبا بدل الغيث ..

للحظة تساءلت :

ـ ماذنب الجفاف ، مع ذلك الشاب الذي طلب منه رجال الشرطة أوراق الدراجة النارية التي يركبها قبل أسابيع ، حتى راح يحرق نفسه ، ويموت في اليوم الثاني ؟؟

ـ ماذنب الجفاف ، مع ذلك الشاب الذي وجده الحراس في قاعة إمتحان شهادة البكالوريا ، يستعمل "البلوتوت" في الغش وعندما حاولوا منعه ضرب رأسه على زجاج النافذة فتهشم ، وتحول في لحظة إلى أحد ضحايا شهادة البكالوريا .

ـ ماذنب الجفاف ، مع طالب الحقوق الذي لم يحضر محاضرة واحدة في الجامعة طيلة 04 سنوات ، وحين تخرج من الجامعة اصبح بفضل معارفه قاض يحكم بين الناس ، وهو لم يقرأ من القانون سطرا واحدا .

ـ ماذنب الجفاف ، إذا كانت الدولة الجزائرية صرفت على قطاع الفلاحة ما يكفي لضمان الغذاء لقارة إفريقيا كلها ، ومع ذلك لاتزال أكثر الفواكه والخضروات تصل الجزائريين من الخارج .

ماذنب الجفاف مع كل هذا الجفاف ؟؟

ـ ما يعرفه عنا إخواننا في عديد الدول العربية ، وحتى الأجنبية أننا نعيش تحت سيطرة حكم "الجنيرالات" .. والحقيقة ليست كذلك وحق السماء / لأننا في واقع الأمر أصبحنا نعيش تحت سيطرة حكم "الكابرانات" مع الإعتذار لهذه الرتبة العسكرية الشريفة والتي يضطلع أصحابها بأشق المهام في المؤسسة العسكرية ، ذلك لأن " الكابرانات " الذين نرزح تحت رحمتهم ليسوا من المؤسسة العسكرية هذه المرة ، ولكنهم من مؤسسة الرداءة المدنية التي نتجت عن مجموعة الزواجات غير الشرعية بين الريع والأمية و بين الثروة والجهل .

الكابرانات الذين يحكموننا ، هم الذين يسيطرون اليوم على مختلف المناصب الحساسة في الإدارة الجزائرية ، هم الذين يستبيحون أموال الجزائريين في مختلف المصارف والبنوك ، هم الذين يقررون مصير أمة كاملة .

ـ قبل أيام ، سألت أحد البطالين الجزائريين وهو من ولاية مستغانم الساحلية ، عن أسباب عدم تفكيره في إنشاء مؤسسة مصغرة مادامت الدولة قد أفرجت مؤخرا عن أموال الشعب ليستفيد منها في مثل هذه المشاريع ، فأجابني المسكين بأنه ينتظر منذ 06 أشهر الحصول على شهادة السوابق العدلية حتى يكتمل ملفه فيودعه ، والواقع أنني لم أصدق هذا الشاب ، وقد كنت على إستعداد كي أنطلق معه في نفس اللحظة إلى المحكمة للحصول على هذه الوثيقة ، غير أنني اكتشفت أن مأساته ، تكاد تختصر مأساة هذا الوطن كله .

ـ فهذا الشاب المسكين جرّب مرة أن يطرد عنه نحس البطالة ، فبعد أن يئس من الحصول على منصب شغل قرر أن يفتتح محلا تجاريا صغيرا ، يأكل منه رزقه ، لكن حظه العاثر أوقعه في الأسبوع الأول مع فرق المنافسة ومراقبة الأسعار ، ورغم أن هؤلاء وجدوا هذا التاجر ملتزما بجميع قواعد التجارة ، إلا أن أحدهم أصر على أن يحرر له محضرا ، بتهمة عدم ملاءمة حفظ الأغذية ، وقد استند في ذلك على انقطاع التيار الكهربائي ، وهو ما نجم عنه ذوبان الجبن الموضوع في الثلاجة .

الشاب المسكين ، إعتقد أن الأمر لن يتجاوز مخالفة بسيطة ، قد يسدد ثمنها مع الوقت ، لكن تخمينه لم يكن في محله ، فمحضر فرق المنافسة ومراقبة الأسعار الذي أحيل على المحكمة ، تسبب له في حكم غيابي ، ب: 06 أشهر سجن نافذ وغرامة مالية ب: 10 آلاف دينار جزائري ، والتاجر الصغير لايعلم شيئا عن أمر هذه العقوبة التي لا تسلط أحيانا حتى على باعة المخدرات ، رغم مرور 04 سنوات كاملة عن صدورها .

وفي لحظة ، عندما يقرر هذا الشاب الإستفادة من إجراءات التشغيل الجديدة ، لخلق مؤسسة مصغرة ، يجد نفسه مضطرا لاستخراج صحيفة السوابق العدلية ، وهو يعتقد أن هامشها صاف من أية عقوبة ، لكنه يفاجأ ب: 06 أشهر حبس نافذ وهو ما يحول دون استفادته من تمويل المشروع إلا بإلغائها ، وهو أمر في متناوله خلال ساعة زمن واحدة ، لو كان فعلا يحكمنا الجنيرالات ، ولكن في ظل حكم الكابرانات ، فإن الأمر تطلب منه أكثر من 06 أشهر دون جدوى .

ـ لقد كان يكفي هذا الشاب معارضة الحكم السابق ، وهو ما يعني إلغاء العقوبة من شهادة السوابق العدلية ، إلى حين النطق بالحكم الجديد ، إلا أن ذلك لم يتم ، بالسرعة المطلوبة ، فقد استغرق القيام بالمعارضة في محكمة مستغانم  أسابيع عديدة ، لأنه في كل مرة يذهب إلى مكتب تنفيذ العقوبات للمعارضة ، يقولون له أن الملفات موجودة ( التحت ) أي في مكان آخر ، وعليه الإنتظار حتى إحضار ملفه ، الأمر الذي دفعه في الأخير إلى الإستنجاد بمحام ، لمجرد القيام بإجراء إداري روتيني ، يسمح بنقل ملفه من ( التحت إلى الفوق ) ، ورغم قيامه بمعارضة الحكم إلا أن ذلك لم يشفع له بالحصول على وثيقة إلغاء الحكم ، لأن هذه الوثيقة يجب إرسالها بالبريد إلى النائب العام بمحكمة ولاية تيارت ، باعتبار هذا الأخير مولود بولاية تيارت التي تبعد عن الولاية التي يسكنها بحوالي 160 كلم ، ولكن هذه الوثيقة المرسلة للنائب العام بمجلس قضاء مستغانم ، لم تصل إليه بعد رغم مرور كل هذه الأسابيع ، ولسنا ندري كم سنة ضوئية ستستغرق لتصل ، والمفارقة الكبرى أن محكمة مستغانم قد أثبتت لهذا الشاب أنها أرسلت هذه الوثيقة في وقتها ، ومجلس قضاء تيارت أيضا يؤكد له عدم وصولها ، ليبقى السؤال أين ذهبت هذه الورقة ؟؟

ـ المسكين هذا الشاب ، لا هم له خلال الأشهر الأخيرة إلا التفكير في هذه الورقة ، وكل ما يخشاه أن تكون قد وقعت في أيدي "ويكيليكس " وتكون الفضيحة بجلاجل كما يقول إخواننا في مصر ، هذه الورقة الملعونة ، يخاف صاحبها أن تكون قد إنضمت للقاعدة في بلاد الرافدين ، أو أنه يخشى عليها من التنصير ، آخر ما فكر فيه الشاب المسكين أن تكون الورقة هذه قد ( حرقت ) مع الحراقة وقطعت مياه البحر إلى الضفة الأخرى حيث الميداد الذي يكتبونها به أكثر عدلا وحرية وانصافا ..

قصة هذا الشاب المسكين تختصر كل مأساتنا ، بعد أن اصبحنا ضحية الكابرانات في كل مكان ، الكابرانات الذين يقطعون عنا الكهرباء في أية لحظة ، الكابرانات الذين يحملوننا أوزار انقطاعها رغم أنه لاذنب لنا فيه ، والكابرانات الذين يؤجلون المدة المحددة بالدقائق لنقض الأحكام القضائية ومعارضتها والطعن فيها سنوات ضوئية ،والكابرانات الذين يشرفون على نقل بريدنا ، ونقل مسافرينا ونقل أمعائنا ونقل مصيرنا كله إلى كوكب لاتصلح الحياة عليه .

هامش * = الكابرانات جمع كابران ، وهوالعريف أي اصغر رتبة في سلم العسكرية بعد الجندي البسيط                      

  ـ محمد رندي 

 

شوهد المقال 25232 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

فوزي سعد الله ـ مصير غاز الجزائريين في المياة الغربية للبحر المتوسط

فوزي سعد الله  عندما تُقرع طبول الحروب لن يفيد صم الآذانجزء هام من مستقبل الجزائريين يُلعب في مياه البحر المتوسط الغربية حول حقول الغاز البحري قرب
image

جباب محمد نور الدين ـ السير في الاتجاه المخالف و المسدود

د. جباب محمد نور الدين  قبل سفري إلى الشرق وإقامتي المؤقتة فيه للدراسة ،كنت قد قرأت عن الاستبداد الشرقي كما وصفه "هيغل" وبعده
image

مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان يدعو الجزائر إلى إنهاء استخدام العنف ضد المتظاهرين المسالمين

أعرب مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان عن القلق البالغ بشأن تدهور وضع حقوق الإنسان في الجزائر واستمرار وتزايد القمع ضد أعضاء الحراك المنادي
image

عثمان لحياني ـ انتزاع حق التظاهر و أحزاب الحراك في سجون الداخلية

عثمان لحياني  الثورات لا تطلب رخصة، حراك انتزع حق التظاهر انتزاعا، تقر به السلطة الآن بعد أن نجح الحَراك في امتحان العودة الى الشارع.الحراك مثّل مدرسة
image

وليد عبد الحي ـ البابا فرانسيس: هل جئت العراق تطلب نارا ام تشعل البيت نارا

أ.د.وليد عبد الحي التغطية الاعلامية التي حفلت بها زيارة البابا فرانسيس الى العراق اليوم بخاصة من قناة تقدم نفسها على أنها قناة "المقاومة" تكشف
image

نجيب بلحيمر ـ على طريق "استحالة الحكم"

نجيب بلحيمر  الشارع لا يقيم وزنا لما تقوله "نخب" العالم الافتراضي، وحملات الدعاية والتضليل بلا أثر عليه، هذه خلاصة واضحة يمكن أن يراها كل من تابع
image

نوري دريس ـ السلطة الجزائرية واستمرار سياسة الإنكار

د. نوري دريس  للاسبوع الثالث علي التوالي, خرج الالاف من الجزائريين الى شوارع المدن للتعبير عن رفضهم لنمط تسيير الدولة الحالي, والمطالبة بببناء دولة القانون.
image

رضوان بوجمعة ـ استمرار الضغط الشعبي وغياب العقل السياسي

د. رضوان بوجمعة  الجزائر الجديدة 197 دخل الحراك الشعبي السلمي، اليوم، جمعته الثانية من عامه الثالث، ورغم كل هذا الوقت الذي مر، لايزال الإصرار الشعبي من
image

خديجة الجمعة ـ الرحيل

خديجة الجمعة  احتاج إلى الرحيل عن العالم؛ والغوص بالأعماق . أعماق الروح، لأن لاأفكر بأحد، لأن أحب ذاتي ، لأن أعشق وجودي في الكون. نعم قرأت
image

عز الدين عناية ـ الكنيسة في العراق

عزالدين عنايةأعادت الأوضاع المتوترة التي تعيشها منطقة الشرق الأوسط في السنوات الأخيرة، لا سيما في العراق وسوريا، تحريك مسألة الأقليات والطوائف في الأوساط الدينية والسياسية

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

5.00
Free counter and web stats