الرئيسية | منوعات الوطن | مسؤول حفيظ عليم

مسؤول حفيظ عليم

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

سلمى بنت مصطفى اللواتية

قال تعالى على لسان يوسف –عليه السلام -:{قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ} (سورة يوسف:55 ).

إنّه طلب لمنصب ووزارة أرادها يوسف –عليه السلام – وقد حصل عليه وبرع فيه، وهو طلب يحمل معاني عظيمة على الرغم من إيجاز اللفظ فيه، والذي لو تدبرناه لوجدناه منهجًا لحياة إدارية كاملة يجب أن يعيشها المسؤول منذ لحظة طموحه لنيل منصب ما إلى لحظة تنحيه عنه وانتهاء مدة خدمته.

إن الحديث عن طلب المناصب واللهث وراءها، حديث مذموم وهو أمر منهي عنه في الشرائع المقدسة، ولكن أخذ الموضوع هكذا على ظاهره يفقده كثيرًا من قيمته الإيجابية. فبالحديث عن طلب يوسف - عليه السلام – للوزارة يتبين أنه أمر ذو شقين: منه التملق والتزلف لنيل المناصب لغرض الشهرة وجمع الأموال والاستعلاء وما يتبعه من غرور وشعور بالأفضلية، وهو جانب مقيت يُفقد الإنسان كرامته وخلافته، أما الشق الثاني وهو الأمر المهم الذي به تستثمر طاقات الأوطان، ويخطط بدقة لتطوره ونمائه، وهو أن يطلب المرء الذي يرى في نفسه الكفاءة والقدرة على أداء أمر وتولي منصب ما وأن يطمح لنفسه بلوغ تلك المكانة؛ لا لأجل الشهرة والثروة وشهوة امتلاك القرار، بل لأجل خدمة الناس ورفع رفاهية العيش لهم فيما يتولى فيه من أمرهم، وهو ما ذيّل به يوسف-عليه السلام – طلبه "إني حفيظ عليم" أي أمين على مصالح العباد،عالم بما يستلزمه هذا المنصب من مهارات وعلم، لقد سرد أهم ما يحتاجه من سيرته الذاتية - بتعبيرنا الحديث- والذي يؤهله لنيل منصب الوزارة وما سيتكفل به من إدارة البلاد في زمن القحط. والمتتبع لقصة يوسف يرى كيف أنه كان لا يهدأ ليلاً ولا نهاراً يتابع الأمور ويضع الخطط، ويواجه المستجدات في سبيل أداء مهمته على الوجه الأكمل، وهذا الإحساس بالمسؤولية والعمل الدؤوب هو الذي مكّن يوسف من قيادة السفينة لبر الأمان لحين انتهاء القحط، إنّه الشعور بالمسؤولية الذي لو عاشه كل صاحب منصب لسارت الأمور في دوائرنا ووزاراتنا إلى أوضاع أكثر فاعلية وإنتاجية ،. على كل مسؤول - كبر منصبه في السلم الإداري أم صغر – أن يعلم أنه منصب كبير لما يتبعه من مساءلة عن أمانة الوطن وخدمة الشعب. قد لا نستطيع إنكار الفطرة الإنسانية في حبها للوجاهة والظهور والترقي الوظيفي والمادي وما يتبعه من رفاهية العيش، وهو أمر مشروع ومباح غير أنه لا ينبغي أن يكون الهدف الأساس من وراء طلب المنصب، أو المركز وألا يكون كذلك على حساب فرص الآخرين، على المسؤول أن يكون واعيًا إلى أنه في مركزه ذلك في خدمة الناس وأنه تكليف عليه أداؤه، وليس تشريفًا يتفاخر به، وإنما التشريف الحقيقي له حين يؤدي واجبه على أكمل وجه.

ولأننا في معرض الحديث عن الكفاءات، فهو يجرنا نحو اهتمام المسؤول بتحسين وتطوير كفاءاته القيادية من النواحي الإدارية والإنسانية والمهنية، وأن يتابع نفسه في تطبيق ما يتعلم، أما أن يبقى على نمط التفكير التقليدي وما يعقبه من قرارات لا تخدم الواقع الحقيقي والذي يؤخر المنجزات ويؤجل العطاءات فذاك أمر مرفوض حتمًا ؛ لأنه بذلك لا يؤخر مؤسسة واحدة وإنما يؤخر تقدم وطن بأكمله، كذلك من المؤسف حقاً أن نجد بعض الذين يسعون للحصول على الدورات المختلفة ولكن على حساب الموظفين الذين يؤخّر في تدريبهم أو يلغى تدريبهم لأجل محسوبيات معينة، أو الذين تؤجل ترقياتهم وقد تلغى لنفس الأسباب غير المعقولة.، وقطعًا هذه ليست الطريقة الصحيحة لتطوير المهارات وتحسين الكفاءات الشخصية؛ بل هي مخالفة للأمانة المهنية الموكولة لهم.ومن المنصف هنا أن نقول إنّ الحديث يخص ولا يعم، وإن في الوطن رجال مخلصون علماء وحفظة قامت على أكتافهم هذه النهضة الحديثة –ولا تزال – وهم لم ولن يدخروا جهدًا أو وقتًا في سبيل التطوير والبناء والتخطيط والتنفيذ، أولئك الذين نتشرف بأن ينتسبوا لنا وننتسب إليهم ؛ فجزاهم الله عن الوطن وأبنائه خيراً .

إنّ الحراك المدني الذي حصل قبل فترة ليست ببعيدة في السلطنة وما تلاه من احتواء حكيم حريص وأمين من لدن حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم – حفظه الله ورعاه – للمطالب حينها ليلقي على المسؤولين– كلٌ في موقعه – مسؤولية الاقتداء بجلالته في قيادة الشعب ومطالبه وحرصه على أن يكون كل ُّالوطن للكل، و أن يكون كل ّمسؤول خادماً للشعب وللوطن وليس هذا بجديد على جلالته، فقد تحدث منذ بزوغ النهضة عن ذلك وكل أقواله وخطاباته تؤكد هذا المنحى، يقول جلالته في خطابه الموجه لكبار رجال الدولة عام 1978: ( هناك أمر هام يجب على جميع المسؤولين في حكومتنا أن يجعلوه نصب أعينهم، ألا وهو أنّهم جميعًا خدم لشعب هذا الوطن العزيز، وعليهم أن يؤدوا هذه الخدمة بكل إخلاص وأن يتجردوا من جميع الأنانيات وأن تكون مصلحة الأمة قبل أي مصلحة شخصية ...) إذن فالمسؤولية جسيمة والأمانة عظيمة أمام الوطن وأمام الله جل وعلا أولا وقبل كل شيء.

إننا جميعاً سوف نسأل أمام المحكمة الإلهية عن حقوق الوطن والمواطن، طبقاً لقول الرسول الأعظم محمد –صلى الله عليه وآله وسلم-) كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته) ولا يعني ذلك أن يتهاون الأفراد في أداء مهامهم وواجباتهم متحججين بهذا أو ذاك ، بل عليهم أن يسعوا حقًا لتطوير أنفسهم وخدمة وطنهم، ولكل مجتهد حينها نصيب. على الكل أن يكون أمينًا ومتفانيًا وعلى المسؤولين عن خططنا وتنفيذ تقدمنا أن يحرصوا كل الحرص على مصلحة العامة وليعمل كل منهم على أن يكون حفيظاً عليماً.

s.allawati@hotmail.com

 جريدة الرؤية العمانية  

شوهد المقال 2834 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

العربي فرحاتي ـ عالم ما بعد كورونا ..هو للكراهية أيضا !!!

د. العربي فرحاتي  "اذا كانت الحرب تولد في عقول الناس.. فإن السلم هو الآخر يولد في عقول الناس ". مقولة تنسب ل "فرويد" تؤكد
image

نجيب بلحيمر ـ فكوا قيد الجزائر ..رحيل السيدة فاطمة كريم زوجة المجاهد عمارة العسكري المدعو بوڨلاز

نجيب بلحيمر  رحلت السيدة فاطمة كريم زوجة المجاهد عمارة العسكري المدعو بوڨلاز، عقيد جيش التحرير الوطني، وعضو المجلس الوطني للثورة وأحد مؤسسي القاعدة الشرقية،
image

نوري دريس ـ الشعب تصرف وفق تصريحات الحكومة الجزائرية التي صدقت كذبتها

 د. نوري دريس    طوال الاربعة اشهر الماضية, صدقت الحكومة كذبتها بتراجع عدد الاصابات كدليل علي نجاح الاجراءات التي اتخذتها..., وصدق الشعب ارقام الحكومة المتأتية
image

الدكتور فارس شرف الدين شكري يوجه رسالة الشكر للأحرار والنطق بالحكم بتاريخ 12|07|2020 بسكرة

 د. فارس شكري  شكرا لكل الطيبين..شكرا لكل الأحرار..شكرا لكلّ الأموات في قبورهم، الذين ذهبوا ضحية الإهمال..شكرا للشرطي الطيب الذي كان يشتري لي السجائر وفطور
image

عبد الجليل بن سليم ـ أخبار سيئة... لكن لازم تعرفوها ، الوضع أخطر مما تتصورن

د. عبد الجليل بن سليم ـ السويد يوم 30 أفريل 2020 نشرت على صفحتي نص إسمه : إلتهاب.......اكتئاب..........موجة ثانية و شرحت فيه بعض الاشياء المهم
image

عثمان لحياني ـ الجزائر... الوجه الآخر لـ"الجماجم"

عثمان لحياني  دولةٌ مثل فرنسا لا تعطي بالمجان، ولم تكن لتفعل ذلك، لولا الكثير من الحسابات السياسية، واستعادة الجزائر لجماجم الشهداء والمقاومين بعد 170
image

اضربوا يعرف مضربو .. والي سطيف وعقلية الإسطبل

 د. جباب محمد نور الدين    ربي يجيب الخير هذا النظام : عارضناه، لم يتغير، نظمنا المسيرات لم يتغير، وقعنا العرائض لم يتغير،سبيناه بكل الألفاظ الغليظة حتى الخادشة
image

عبد الخالق كيطان ـ هاشم الهاشمي ...ماذا فعلت لكي تشرب كأس دمك على عتبة دارك

عبد الخالق كيطان            لنكفر بالعراق الآن ذلك انه لم يعد أبانا الذي نبكي تحت عباءته السميكة ..بل المرأة السمينة التي يتبختر الأنذال بعد اغتصابها .لنكفر بالعراق ذلك أنه
image

عوابد سارة ـ جزائري...

 عوابد سارة هي رقعةٌ محدودة تتخللها كيانات ضخمة من جبال وتضاريس بكل شكل من الأشكال...آلاف الحبيبات الذهبية المتناثرة على أراضي واسعة تأوي الجميع دون مقابل...كريات بلورية
image

كمال الرياحي ـ #سيب_فارس اطلقوا سراح الدكتور فارس شكري الباحث والمترجم

كمال الرياحي  #سيب_فارس نطالب السلطات الجزائرية الإفراج الفوري على الكاتب والمترجم والناشط المجتمعي الأستاذ فارس شرف الدين شكري والاهتمام بمكافحة الفيروس

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats