الرئيسية | منوعات الوطن | ازدراء الشروكي

ازدراء الشروكي

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

 محمد غازي الأخرس

 

 

 

إليكم ما أعده إطلاقة تنوير قد تضيء ظلمةً ما في نفسي المليئة بالخردة المنسية؛ أحدُ أصدقائي يفاجئني بسؤال غريب هو: بيني وبينك أبو جاسم، انت ليش تكره الثقافة البغدادية؟ ألست مولودا في محلة الشيخ عمر؟ لماذا (تخلّفت) عن تلك اللحظة وارتددت إلى روحٍ ريفية مع أن أباك معلمٌ؟ كان فاضل النشمي، وهو صحفيٌّ نابه ومثقف متنور، يسألني بكثير من الحميمية منطلقا من فكرة يعرفها عني، وهي أنني لا أخجل من البوح برؤاي حتى لو اكتشف الآخرون فيها عتمة ما تسكنني. 
ضحكت وقلت له ـ نعم يا صاحبي، أنا مولودٌ في محلة تعدُّ من أعرق محلات بغداد هي (الشيخ عمر)، تلك التي كلما مررت من فوق الطريق السريع تلفّتُّ نحوها لأعثر على ذلك الطفل وهو يتجول في المقبرة أو يدور في الشوارع المبلطة حافيا في الصيف.
كنت ولدت في بيت جدي الذي اشتراه في بداية الخمسينيات منتقلا من (الكسرة)، حيث حطّت رحاله في صرائف (خان حجي محسن) بداية الأربعينيات. غير أن أبي استقلَّ ليبني له بيتا في (جميلة الثانية) بعد سنتين من ولادتي. مع هذا، ظللت أتردد على (الشيخ عمر) إلى أن هدم البيت لوقوعه في طريق محمد القاسم السريع عام 1980.
قلت لصديقي ـ لا أدري ما أقول، لكنني سأروي لك حادثتين لا تزالان محفورتين في الذاكرة. الأولى جرت مع خياطة في دربونة بيت جدي. تلك خيّاطة اعتدت مراجعتها كلما ذهبت هناك في العطل كي تفصل لي بيجاما. كانت التقاليد آنذاك أن الطفل إذا ذهب لبيت جده أو عمه أو خالته، لا يعود لأهله دون أن يكرموه بهدية ما، كأن يفصّلوا له بيجاما أو يشتروا له نعالا أو حذاءً جديدا.
تلك الخياطة كانت من أقربائنا البعيدين لكنهم (تبغددوا) بكلّ شيء، لهجة وقيما. أتذكّر أن زوجها كان شاعرا شعبيا (يخرّب ضحك)، ويكاد يكون حديثه اليومي كلّه شعرا ساخرا. وكان أخوه مدمنا على الشرب، لدرجة أننا كنّا نراقبه من الشبّاك المطلّ على الدربونة وهو يشرب ويغني وأحيانا يقبّل زجاجة الخمرة!
المهم إنني ذهبت للخياطة ظهرا. كانت قد استيقظت من النوم توّا ولذا تبرّمتْ من مجيئي. قالت ـ ها هم تريد تفصل بجاما؟ فقلت لها ـ أي، مرت عمي دزتني! فسحبتني بقوة وهي تقول ـ تعال المعصعص. ثم استطردت محادثةً ابنتها ـ شروكيه ما يجوزون، يودون ولدهم علمود البجايم!
لا أدري ما الذي جرى لي حينها. لكنني شعرت بضآلة ما بعدها ضآلة. شعرت أنني تافهٌ وأنَّ كلمة (الشروكيه) أقسى شتيمة توجه لي. لم أكن يومها أعرف دلالتها بالضبط، لكنني حفظتها وارتبطت عندي بمعنى سيئ. حين عدت، أخبرت زوجة عمي بالأمر فانزعجت وهرعت فورا لمعاتبتها.
مفردة (الشروكية) هذه ظلّت ترنّ في أذني ولم أجرؤ على سؤال أحد عنها، إلى أن جاء يوم لن أنساه ما حييت؛ أنا في المدرسة الابتدائية، الجرس يدقُّ فأهرع لأبي الذي كان معلما في المدرسة نفسها. وهناك، أشاهده في حالة لم أرها سابقا، كان عصبيا، محمرَّ الوجه، يتعارك مع زميل له ويتهدد أحدهما الآخر. الضجة رهيبة وأبي (يهد وينثني).
ظللت حائرا في ما أفعله، ثم فجأة تقرّبت من أبي وقد هدأ قليلا وصار يحادث زملاءه، فسمعته يقول ـ يكلّي شروكي، الشروكيه يشرفون راسه!
حينها فقط فهمت أن المفردةَ التي قالتها الخياطة مؤذيةٌ، وأنَّ أحدهم أهان بها أبي فأخرجه عن طوره. فهمت أنّها تخصّنا، أنا وأبي وعمّي وأهلي، وأنّ هناك من يعيّرنا بها ويميّزنا من خلالها.
لاحقا عرفت أن الأمر يخصّ انحدارا معينا ولهجة بذاتها، وأن سكننا في بغداد، بل في قلبها، منذ الأربعينيات، لم يعصمنا من التمييز والازدراء.
نعم، سؤال صديقي أنار لي هذه العتمة وجعلني أستدير لسؤال آخر منسيّ: ترى، من منهما أدّى إلى الآخر؛ هل التحقير قادنا لننكفئ على أنفسنا؟ أم هو انكفاؤنا على أنفسنا أدى إلى ازدرائنا؟ 
يوما ما سأحاول الإجابة عن هذا.

 

 

جريدة الصباح العراقية

 

شوهد المقال 2657 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

العربي فرحاتي ـ عالم ما بعد كورونا ..هو للكراهية أيضا !!!

د. العربي فرحاتي  "اذا كانت الحرب تولد في عقول الناس.. فإن السلم هو الآخر يولد في عقول الناس ". مقولة تنسب ل "فرويد" تؤكد
image

نجيب بلحيمر ـ فكوا قيد الجزائر ..رحيل السيدة فاطمة كريم زوجة المجاهد عمارة العسكري المدعو بوڨلاز

نجيب بلحيمر  رحلت السيدة فاطمة كريم زوجة المجاهد عمارة العسكري المدعو بوڨلاز، عقيد جيش التحرير الوطني، وعضو المجلس الوطني للثورة وأحد مؤسسي القاعدة الشرقية،
image

نوري دريس ـ الشعب تصرف وفق تصريحات الحكومة الجزائرية التي صدقت كذبتها

 د. نوري دريس    طوال الاربعة اشهر الماضية, صدقت الحكومة كذبتها بتراجع عدد الاصابات كدليل علي نجاح الاجراءات التي اتخذتها..., وصدق الشعب ارقام الحكومة المتأتية
image

الدكتور فارس شرف الدين شكري يوجه رسالة الشكر للأحرار والنطق بالحكم بتاريخ 12|07|2020 بسكرة

 د. فارس شكري  شكرا لكل الطيبين..شكرا لكل الأحرار..شكرا لكلّ الأموات في قبورهم، الذين ذهبوا ضحية الإهمال..شكرا للشرطي الطيب الذي كان يشتري لي السجائر وفطور
image

عبد الجليل بن سليم ـ أخبار سيئة... لكن لازم تعرفوها ، الوضع أخطر مما تتصورن

د. عبد الجليل بن سليم ـ السويد يوم 30 أفريل 2020 نشرت على صفحتي نص إسمه : إلتهاب.......اكتئاب..........موجة ثانية و شرحت فيه بعض الاشياء المهم
image

عثمان لحياني ـ الجزائر... الوجه الآخر لـ"الجماجم"

عثمان لحياني  دولةٌ مثل فرنسا لا تعطي بالمجان، ولم تكن لتفعل ذلك، لولا الكثير من الحسابات السياسية، واستعادة الجزائر لجماجم الشهداء والمقاومين بعد 170
image

اضربوا يعرف مضربو .. والي سطيف وعقلية الإسطبل

 د. جباب محمد نور الدين    ربي يجيب الخير هذا النظام : عارضناه، لم يتغير، نظمنا المسيرات لم يتغير، وقعنا العرائض لم يتغير،سبيناه بكل الألفاظ الغليظة حتى الخادشة
image

عبد الخالق كيطان ـ هاشم الهاشمي ...ماذا فعلت لكي تشرب كأس دمك على عتبة دارك

عبد الخالق كيطان            لنكفر بالعراق الآن ذلك انه لم يعد أبانا الذي نبكي تحت عباءته السميكة ..بل المرأة السمينة التي يتبختر الأنذال بعد اغتصابها .لنكفر بالعراق ذلك أنه
image

عوابد سارة ـ جزائري...

 عوابد سارة هي رقعةٌ محدودة تتخللها كيانات ضخمة من جبال وتضاريس بكل شكل من الأشكال...آلاف الحبيبات الذهبية المتناثرة على أراضي واسعة تأوي الجميع دون مقابل...كريات بلورية
image

كمال الرياحي ـ #سيب_فارس اطلقوا سراح الدكتور فارس شكري الباحث والمترجم

كمال الرياحي  #سيب_فارس نطالب السلطات الجزائرية الإفراج الفوري على الكاتب والمترجم والناشط المجتمعي الأستاذ فارس شرف الدين شكري والاهتمام بمكافحة الفيروس

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats