الرئيسية | منوعات الوطن | كلنا معدان يا صاحبي!

كلنا معدان يا صاحبي!

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image
 محمد غازي الاخرس
أنا من العمارة؛ هكذا أجيب من يسألني عن (أصلي)، وهو من أغرب الأسئلة التي تشير لعمق مأزق الهويات المتصارعة في مجتمعنا. بعد ذلك أضيف وكأنني أدفع عن نفسي تهمة ما ـ بس آنا مولود في بغداد!
غريب هذا الأمر وعجيب ولا ينفك يحرض الناس على التفكير به والجدال حوله، وهو ما جرى مؤخرا مع صديقٍ نجفيٍّ رائع يعتزُّ بمدينتِه ويصرّ على مدنيّته. هو يقول إنّ المدن في العراق أربع وغيرها قرى؛ أمّا المدن برأيه فهي البصرة، ثم بغداد، ثم النجف، بعد ذلك تأتي الموصل. قلت له ـ ماذا عن الحلّة وكربلاء والناصرية وديالى وغيرها؟ فقال ـ هي ليست مدنا بل قرى كبيرة مبنية بالطابوق وتعيش بها عشائر وجماعات. قلت ـ فما معيارك يا صاح لتفريق المدينة عن القرية؟ فأجاب ـ المعيار هي القيم الثقافية السائدة؛ بقدر ما يبتعد المجتمع عن قيم العشيرة وثقافتها والطائفة ومآزقها، بقدر ما يقتربُ من المدنيّة. ثم أضاف أن العراقة والقدم معيار أساسي آخر. بعد ذلك استطرد أنَّ على النازح من الريف أن يترك ثقافته خارج المدينة القادم إليها ويخلع ثوبه العشائري خلف أسوارها. هذا هو شرط المدينة الوحيد لاستقباله وهو ما يعني أن يندمج نهائيا بالقيم الجديدة.
قلت له ـ هل تريدني، أنا الجنوبي، مثلا، أن أترك ارتداء الدشداشة والعباءة والعقال وألبس البيجاما والبرنص لكي تعترف بي وتتفاعل معي ولا تعدني غريبا عنك؟ ماذا عن مدن أوروبا والولايات المتحدة حيث تصادف الهندي والبوذي، المسلم والمسيحي، الأفريقي والآسيوي، الأبيض والأسمر وكل محتفظ بثقافته وزيه وطقسه؟ أليست هذه المدنيات أنموذجا لنا؟  فما بالك لا تعترف بي رغم مرور سبعين عاما على سكنّي في جنتك؟ ألا ينطلق هذا الموقف من رؤية تعصبية لا تختلف قدر شعرة عن تعصّب ابن العشيرة لعشيرته وابن الطائفة لطائفته؟
أطلقت كلَّ هذه الأسئلة وأنا أبتسم مفكرا بمأزقي، فأنا أسكن في منطقة يلبس رجالها الدشاديش ونسوتها العباءات وتنصب عوائلها السرادقات في الشوارع إذا توفي لها شخص. ومع هذا، فيهم المهندس والطبيب، المحامي والسياسي، الشاعر والتاجر. بل بين نسائها من توظفت أو أكملت دراستها العليا أو باتت شخصية عامة من وجوه المدينة. قلت له ذلك وأضفت أن أغلبنا ولِدَ في بغداد لا في الأرياف التي جاء منها آباؤنا، فكيف لك أن تجردنا من حقّنا في مدننا بحجة أننا ما زلنا مصرين على ثقافتنا (المتدنية) بنظرك؟
نعم، كان الحوار رائعا وتخللته ضحكات من مأزقينا معا، ذلك أنه، هو الآخر، مأزوم ولا يزال حبيس مفهومات تعصبية تناقض روح المدنية التي نعرفها.
الأطرف من كلّ هذا أنني، في اليوم التالي، كنت في (الكوستر) التي نقلتنا من الفندق إلى قاعة قريبة، وفي الطريق رأى صديق آخر، نجفي أيضا، شارعا يفصل بين حيين يقع أحدهما في النجف القديمة والآخر في الجديدة، فقال لي ـ انظر لهذا الشارع، انه يفصل بين هذه المحلة وتلك. ثم ضحك وقال ـ أتعرف أن سكنة هذه المحلة يسمّون سكنة ذلك الحي (معدان)؟ فضحكت وقلت له ـ نحن في بغداد أفضل منكم إذن. فعلى الأقل ثمة نهير صغير يفصلنا عن البغادة هو (القناة)!
شيء أغرب من الخيال ولا يتفق مطلقا مع المفاهيم التي عرفناها عن التسامح والتمدّن بوصفهما منظومة أخلاق قبل أي شيء؛ في الانتخابات الأخيرة، مثلا، دأب بعض (البغادة) أن يسألوا عن المرشح الذي يرونه بسؤال غريب هو ـ هل هو بغدادي أصيل؟ لكأنّ هناك (طمغة) تميز البغدادي عن سواه رغم أن كثيرا من البغادة (الأصلاء) من جذور إيرانية أو تركية وحتى هندية!
بالمناسبة، حين جرى حواري الرائع مع صديقي النجفيِّ، خطرت في ذهني أبوذية جميلة لشاعر من الديوانية يقول فيها ـ محيّر معدنك خابط يمعدن، يَداني وما عَرِفْ شنهي يمعدان، ورانه الوادم تصيح يمعدان، المهم معدان بس عدنه خويه!
الموضوع ذو شجون وأنا عائد له فانتظروني

شوهد المقال 2442 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

ناصر جابي ـ رئاسيات الجزائر: انتخابات ليست كالانتخابات

د.ناصر جابي  يشكِّل الشباب أغلبية الجزائريين ولم تعد الانتخابات الشكلية تستهويه مثل سكان المدن بالشمال حيث الكثافة
image

نسيم براهيمي ـ فيلم الجوكر .. من أين يأتي كل هذا العنف في العالم ؟

 نسيم براهيمي    من الصعب جدا أن تشاهد فيلم الجوكر متحررا من تفصيليين مهميين: حجم الإشادة التي رافقت عرضه وأداء هيث ليدجر لنفس الدور في
image

رضوان بوجمعة ـ علي بن فليس كرسي الرئاسة.. من الهوس إلى الوسوسة

 د.رضوان بوجمعة   الجزائر الجديدة 130  علي بن فليس في آخر خرجة إعلامية له يقول عن نفسه، إنه "معارض شرس منذ ماي 2003"، وهو تاريخ
image

يسين بوغازي ـ ذكرى الليل والنهار القيام النوفمبري

يسين بوغازي  يستحودني  قيامه  الذي  لا يفنى مثلما الأعياد   فيدور مع الليل والنهار ويأتي مع  كل عام  ، يستحودني  قيامه بطعم  الإحتفالية  وقد  أخدت
image

فوزي سعد الله ـ خمسة أبواب لثلاثة قرون: أبــوابٌ صنـعتْ التَّــاريـخ لمدينة الجزائر

فوزي سعد الله   "أَمِنْ صُولة الأعداء سُور الجزائر سرى فيكَ رعبٌ أمْ ركنْتَ إلى الأسْرِ" محمد ابن الشاهد. لايمكن لأي زائر لمدينة الجزائر
image

السعدي ناصر الدين ـ لنقل اننا وضعنا انتخابات 12/12 وراءنا وصارت كما السابقة بيضاء..ما العمل؟

السعدي ناصر الدين    سيلجأ النظام لتوظيف شخصية او شخصيات من تلك التي احترمها الحراك السلمي حتى الآن لأداء دور الكابح للارادة الشعبية كما فعل مع
image

عثمان لحياني ـ في شريط "لاحدث" وتكرار المكابرة

عثمان لحياني   عندما كان الراحل عبد الحميد مهري (والعقلاء حسين آيت أحمد وأحمد بن بلة رحمة الله عليهم وجاب الله وغيره) يطرح مقاربته الحوارية
image

عبد الخالق كيطان ـ دعوا الموسيقى لنا وخذوا عرباتكم .. إلى شهيد مظاهرات الغضب أمجد الدهامات

عبد الخالق كيطان                عرباتكم المليئة بالجنود والجواهر  خذوها وخذوا الخيول معكم
image

مصطفى قطبي ـ في ذكراك يا سيّدي رسول الله: لسنا أفضل أمة أخرجت للناس ولن نكون...!؟

مصطفى قطبي يعيش العالم الإسلامي هذه الأيام ذكرى مولد نبيِّه الكريم، وهو أكثر فرقة وتشرذماً في مشارقِ بلاد المسلمين ومغاربها، وقد غذى الإستعمار الجديد المتمثل بالولايات
image

اليزيد قنيفي ـ الزلزال ...!

اليزيد قنيفي  قال جنرال تركي عقب الزلزال الذي ضرب تركيا العام 1999..إنها لحظة تطَهُر وتوبة شاملة ...ما حدث في الجزائر يوم 22 فيفري 2019

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats